الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية مشكلات أسرية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

بين اللوَّامة.. والمطمئنة!

المجيب
موظف بوزارة التربية والتعليم
التاريخ الاحد 24 ذو الحجة 1424 الموافق 15 فبراير 2004
السؤال

أنا شاب مشكلتي تكمن في ذنوبي التي لا تغفل عنها عيني الباكية لله كي يغفرها، وتكمن في أني كثيرًا ما أفند أمور حياتي، وأربطها ببعض على أن الله يحبني، فقد يسَّر الله لي التعليم رغم فقر الأهل، ويسر لي الزواج بمن أحببت ويحبني، ورأيت رسول الله في منامي، وصليت خلفه ركعتين، ويسر لي عملا طيبا، وخلقا تحبه الناس، وكثيراً ما تحدثني نفسي بذلك، وتربط بين أشياء حدثت لي؛ لتؤكد لي أن الله يحبني، ولهذا يعلمني ويجزيني ويعاقبني في حياتي. وآخر ما حدثتني به نفسي أن الله يعاقبني بالصبر على عدم الإنجاب حتى الآن، رغم مرور خمس سنوات على زواجي، وبلا سبب واضح للأطباء، رغم التحاليل الكثيرة. وتحدثني نفسي بأن الله يعلمني الصبر على هذا البلاء؛ لأني لم أصبر أنا وبنت عمي في فترة الخطبة، وكثيراً ما حدثت بيننا أشياء مرفوضة شرعاً، وأنا أحاسب نفسي عسيراً عليها. أخشى أن يكون شعوري بحب الله وسوسة شيطان، وتزييناً لي للسير وفق حياتي، وأخاف أن يكون تفسيري الأشياء على هواي.
لقد صرت في حيرة من أمري، وأخاف من ظنوني التي لا أدعها تتملكني؛ لأن إيماني بالله قوي، وأعلم علم اليقين حبه لي ولكافة المؤمنين، ولكن ربطي بين الأشياء التي تحدث لي، وبين رحمة الله وعقابه لي هو ما يحيرني، فيختلط علي الصواب والخطأ، كما أن ذنوبي كشريط يمر أمام عيني لا يفارقني، وتبكيني ذنوبي وتدفعني أكثر وأكثر لطلب الغفران من الله. أرجو أن ترشدوني إلى الصواب.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم: أولاً أهنئك بما منَّ الله به عليك من توفيق وثبات، ففيك صفات إيمانية أنعم الله بها عليك، فأنت تذكر أن عينيك الباكيتين لا تغفلان عن ذنوبك، وأن تلك الذنوب تدفعك أكثر وأكثر لطلب الغفران من الله تعالى، وأنك نادم على تلك المنكرات التي ارتكبتها، واتهامك لنفسك أن ما أصابك من تأخر الإنجاب إنما هو بسبب ذنوبك..، وهذه الأمور ما اجتمعت عند عبد إلا استجلبت رحمة الله ومغفرته، فأسأل الله تعالى أن يعفو عنا وعنك، وأن يجعلك من عباده الصالحين، وأن يسعدك دنياً وأخرى.
أما ما ذكرته من كونك تربط بين الأشياء التي تحدث لك من نعمة ومصيبة، وبين رضا الله عنك وعقابه لك، حتى اختلط عليك الصواب والخطأ، فأقول وبالله التوفيق:
في هذه المسألة وردت نصوص شرعية كثيرة جداً، وكلها في الأصل تربط الأسباب بمسبباتها، كقوله تعالى: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"، وقوله سبحانه: "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، وقوله: "والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ".. إلخ. فالذي يعمل الأعمال الصالحة يكافأ بانشراح الصدر، والرزق من حيث لا يحتسب، والبركة في القليل.. إلخ.
والذي يعمل الأعمال السيئة يعاقب بالضيق، والهم، والمصائب المختلفة.
ولكن هذه الأمور عامة، لا ينبغي إنزالها على المعين، فالصحة مثلاً وكثرة الأموال والأولاد، حينما نُنـزلها على شخص معين لا نجزم أنها نتيجة أعمال صالحة، أو أنها بسبب رضا الله تعالى عن ذلك الشخص، فقد تكون على سبيل الابتلاء والامتحان، وقد تكون استدراجاً، بل قد تكون عقوبة.. قال تعالى: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا..".
وكذا الفقر، ليس شرطاً أن يكون عقوبة من الله تعالى، فقد يكون رحمة منه سبحانه "إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى". وكذا المرض أيضاً، فقد وردت السنة أن نقول للمريض: "طهور إن شاء الله" تفاؤلاً، والرسول –صلى الله عليه وسلم- وجهنا أن نضيف: "إن شاء الله" لأننا لا نجزم أنه طهور، فقد يكون رحمة ورفعة للدرجات، وقد يكون أيضاً عقوبة، فالله يقول "ونبلوكم بالشر والخير فتنة".
ومن ذلك أيضاً تأخر الإنجاب، أو الحرمان من الذرية بالكلية، ليس شرطاً أن يكون عقوبة، ولا حتى مصيبة، فقد يكون رضاً من الله تعالى ورحمة منه وامتحاناً ليرفع المبتلى بها درجات، بل قد لا تظهر الحكمة من ذلك في حال الحياة كلها، وتأمل سبب قتل الخضر للغلام، وحرمان والديه منه كما في سورة الكهف، فقد رآه والداه مصيبة، بينما كان قتله رحمة، قال تعالى: "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً" ولا حظ أن أبويه ربما ماتا دون أن يدركا الحكمة من ذلك.
وكم من ابتلاء ظنناه فيما يظهر مصيبة، بينما هو رضاً من الله ورحمة، والعكس أيضاً صحيح، قال تعالى "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
فالقدر سر الله في خلقه، فلا ينبغي إنزال النصوص العامة التي تتحدث عن ربط الأشياء بمسبباتها على الأعيان؛ فضلاً عن الجزم بذلك، فالأنبياء والصالحون ابتلوا بأنواع البلايا، ولا يقال إن هذه الابتلاءات لهؤلاء الأعيان عقوبة من الله تعالى. كما أن الله تعالى ينعم على بعض الفسقة والكفرة بأنواع النعم، ولا نقول إن ذلك لرضاه تعالى عنهم.
إذا تقرر هذا، فإن الموقف الصحيح للمؤمن في هذه المسألة، أن يعيش بين الخوف والرجاء.. بين اتهام النفس والشعور برضا الله عنه ورحمته له..، فيُغلّب جانب اتهام النفس والخوف من الذنوب حال الصحة. ويُغلّب جانب الرجاء، والتطلع لرحمة الله ورضاه حال المرض.
وحتى يكون المؤمن صابراً عند البلاء، شاكراً عند الرخاء، عليه أن يستحضر حكمة الابتلاء عند كل نعمة أو مصيبة، فيصبر إذا قُدر عليه رزقه أو أصيب بمصيبة..، ولا ينظر لذلك على أنه إهانة، ويقول هذا بذنوبي، ويُقر بذلك اتهاماً لنفسه وعدم تزكية لها، وإلى هذا تشير كثير من النصوص الشرعية، كقوله تعالى "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، وقول العباس –رضي الله عنه- "ما نزل بلاء إلا بذنب"، وقول أحد السلف "والله إني لأذنب الذنب فأرى أثره في أهلي ودابتي".. إلخ.
أما إذا أكرمه الله ونعّمه، فيشكر ربه، ويقول هذا فضل من الله وإحسان، وينظر إليها على أنها ابتلاء وامتحان، كما قال سليمان عليه السلام لما رأى فضل الله عليه ".. قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر" فيؤدي شكر النعمة، ويحذر من نسبتها إلى نفسه، أو أنها من كده وجهده، أو أنها نتيجة لرضا الله عنه، فالمؤمن لا يزكي نفسه مطلقاً. قال تعالى: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا.." في قوله تعالى: "كلا": أي ليس الأمر كذلك، ولا بهذا توزن الأمور، فالله تعالى لم يعطك ما أعطاك إكراماً لك لأنك مستحق، ولكنه تفضل منه سبحانه. ولم يهنك حين قدر عليك الرزق، بل هذا مقتضى حكمته وعدله.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.