الفهرس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

كيف ننكر المنكر؟

المجيب
التاريخ الاربعاء 05 محرم 1425 الموافق 25 فبراير 2004
السؤال

السلام عليكم.
كيف ننكر المنكر؟.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، شريطة أن نؤمن بالله ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، والصلاة والسلام على معلِّم الناس الخير، ما ترك خيراً إلا ودلَّ الأمة عليه، وما ترك شراً إلا وحذّر الأمة منه، صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، إلى يوم الدين، وبعد:
إلى الأخ السائل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لقد قرأت سؤالك الطيب المبارك، وعلى رغم إيجازه لكنه سؤال عظيم عليه مدار الفلاح والنجاح والفوز في الدنيا والآخرة، قال –تعالى-: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[آل عمران:104]، وفي المقابل قد لعن الله أناساً لعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، قال –تعالى-: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"[المائدة:78-79]، واللعن هو الطرد من رحمة الله، ومن طُرد من رحمة الله فمن يرحمه إذاً؟ وكذلك فإن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم الناجون من عذاب الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ"[الأعراف:164-166].
والآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة، وكذلك الآيات والأحاديث التي تحذِّر من التقاعس والتكاسل عن القيام بهذه الشعيرة العظيمة كثيرة أيضاً.
وقبل أن نشرع في الإجابة عن السؤال لا بد وأن نعرف بعض الأمور المهمة في هذا الموضوع المهم:
أولاً: ما هي الشروط الواجب توافرها فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟.
هناك عدة شروط منها ما يسمى شروط صحة وهي:
(1) الإسلام.
(2) العدالة.
(3) الولاية أو إذنها
وشروط الوجوب وهي: أ- التكليف ب- القدرة ج- التمكين ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فهناك تمكين للجماعة المسلمة، وهناك تمكين للفرد المسلم، ومن صور هذا التمكين:
(1) الحسبة على الأولاد غير البالغين والبالغين.
(2) الحسبة على الوالدين.
(3) الحسبة على الزوجين.
ثانياً: ما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟
ينبغي لمن منَّ الله عليه بالعمل في هذا المجال المهم أن يتحلى بالآتي:
(1) صدق النية.
(2) الإخلاص واتباع السنة.
(3) العلم.
(4) الحكمة.
(5) الرفق.
(6) الحُلم.
(7) الصبر.
(8) العمل بأن يكون فعله مطابقاً لقوله.
وفي الجملة ينبغي على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها وحثَّ عليها من الخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد الله إليها ورسوله – صلى الله عليه وسلم- من الزهد في الدنيا، والتقلل منها وعدم المبالاة بها وبأهلها، ويتحلى بالسخاء والكرم والجود، وطلاقة الوجه والبعد عن المعاصي وفعل الطاعات والورع عن الشبهات وعدم الإسراف في المباحات ويتخلق بالخشوع والسكينة والوقار، والتواضع وعدم التكبر على الناس، وخفض الجناح لهم إلى غير ذلك من الصفات الحميدة الفاضلة، والبعد كل البعد عن الأخلاق الرذيلة وعن كل ما يسيء إليها، وإلى من يعمل في هذا الحقل الدعوي المهم.
ثالثاً: ما هي مراتب التغيير؟
للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مراتب وضحها لنا النبي – صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه مسلم(49) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
إذاً فمراتب تغيير المنكر ثلاثة:
(1) التغيير باليد.
(2) التغيير باللسان.
(3) التغيير بالقلب.
وهذه المراتب تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والظروف، فهناك من يكون في استطاعته التغيير باليد، وهناك من يكون في استطاعته التغيير باللسان، وهناك من يكون في استطاعته التغيير بالقلب، وهذا الأمر يعود إلى مسألة التمكين من التغيير من عدمها، وقد سبق أن تكلمتا على مسألة التمكين وصورها المتعددة.
رابعاً: ما هي شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ أو بمعنى آخر متى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟.
يكون ذلك إذا توفرت الشروط التالية:
(1) مظنة النفع من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) أن يكون هناك منكراً فعلاً يقتضي النهي عنه.
(3) أن يكون المنكر قائماً في الحال.
(4) أن يكون هناك مصلحة راجحة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(5) أن يكون المنكر ظاهراً ومعلناً به.
(6) أن يكون المنكر هذا متفق عليه أنه منكر.
خامساً: ما هي موانع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.
هناك حالات لا ينبغي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:
(1) إذا أدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مفسدة أعظم من المنكر القائم فيجب الإمساك هنا؛ لحصول ضرر أكبر ومنكر أشدّ مما هو قائم الآن.
(2) التجسس أي أنه لا يجب على أحد أن يتتبع عورات المسلمين من أجل أن يتعرف على المنكر لكي ينهى عنه، فهذا لا يحل بحال من الأحوال، والآيات والأحاديث في المنع عن ذلك كثيرة، وإليك هذه الواقعة التي توضح ذلك:
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه- أنه حرس مع عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ليلة بالمدينة، فبينما هم يمشون شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه – أي يقصدونه- فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنهما-: "أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: "ولا تجسسوا" [الحجرات: 12] فقد تجسست، فانصرف عنهم عمر – رضي الله عنه – وتركهم" انظر موسوعة آثار الصحابة(1/119).
(3) عدم القدرة على القيام بذلك، وعدم القدرة لها وجوه منها:
أ- العجز الحسي.
ب- العجز العلمي أي الجهل.
ج- خوف المكروه والأذى الذي يلحقه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وهذا الأمر له ضوابط شرعية لا يتسع المقام لذكرها إلا أن تكون في سؤال خاص.
سادساً: ما هي وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هناك وسائل كثيرة ومتعددة يمكن من خلالها أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وهذه الوسائل يجب أن يتوفر فيها شرطان هما:
(1) أن تكون مباحة، فلا يجوز استخدام وسيلة محرمة لإزالة المنكر، فإن النجاسة لا تغسل ولا تزال بنجاسة مثلها.
(2) أن تؤدي المقصود بحيث يتم بها إزالة المنكر وتحقيق المعروف، ومن هذه الوسائل:
أولاً: القول المبين الواضح، فهو الوسيلة الأصلية في إيصال الحق والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة،ويأخذ -أي القول- صوراً متعددة منها:
(1) الكلمة الهادفة: سواء كانت تلك الكلمة محاضرة أو درساً أو خطبة أو موعظة بعد الصلاة أو ما شابه ذلك.
(2) الشريط الإسلامي: وذلك في نشر الشريط الذي يعالج هذه المسألة المهمة.
(3) الهاتف: فمن الممكن أن تصل لصاحب المنكر وتنهاه عن منكره، أو تتصل بمن يستطيع أن يكلمه وتنهاه عن المنكر.
(4) الكتابة: وهي من أنواع القول في الدعوة إلى الله ولها صور منها:
أ- الكتاب والكتيب الإسلامي النافع، وذلك إما بالتأليف أو العمل على نشره والمساعدة في ذلك.
ب- النشرات الصغيرة (المطويات) وهي أسهل في الانتشار،حيث تجد كثيراً من المطويات تعالج كثير من المنكرات المتفشية في المجتمع، فالعمل على نشرها والمساعدة في ذلك هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلاً عن القيام بتأليفها وإعداد مادتها العلمية.
ج- الجرائد والصحف والمجلات الإسلامية، حيث إن هذه الوسائل أكثر انتشاراً فيكون ذلك إما بالكتابة أو بالشراء، وإهداؤها لمن يكون عنده منكراً معيناً وقد قامت هذه الصحيفة أو تلك المجلة بمعالجة هذا المنكر.
د- الرسالة الشخصية: وقد قام النبي –صلى الله عليه وسلم- بإرسال رسائل وكتب إلى ملوك الدنيا وأمرائها يدعوهم إلى الإسلام وينهاهم عن الكفر والشرك وهذا من أعظم الأشياء.
هـ- وسائل الإعلام، والكلام في هذا يطول وبالجملة ينبغي على القائمين على هذه الوسائل الفعالة أن يجعلوها وسائل للدعوة إلى الله لبناء الأمة، وليست معاول هدم وتخريب وطمس للحقائق ونشر للشر والفساد.
ثانياً: مقاطعة صاحب المنكر: بحيث يتم الامتناع عن معاملة المكان أو المؤسسة التي يوجد فيها المنكر فيجب علينا أن نقاطع كل مؤسسات الفساد والانحراف والتي تدعو إلى الرذيلة وقتل الفضيلة والقيم، وكذلك على مستوى الأشخاص، فكل من يجاهر بفسقه ويدعوه إليه ولم ينفع معه وسيلة للإصلاح يجب مقاطعته والبعد عنه والتحذير منه.
ثالثاً: التلميح والتشهير والتصريح بصاحب المنكر وهذا التدرج مستمد من الهدى النبوي، فقد كان – صلى الله عليه وسلم- أحياناً يلمح ولا يصرح بصاحب المنكر، وخصوصاً إذا كان التلميح يكفي لإزالة هذا المنكر، فقد كان – صلى الله عليه وسلم- إذا رأى منكراً يلمح ويقول: "ما بال أقوامٍ ..." الحديث أخرجه البخاري(2735)، ومسلم(1504)، عن عائشة –رضي الله عنها-.
وأحياناً أخرى يقوم بالتصريح والتشهير بصاحب المنكر، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالصدقة فقيل: منع ابن جميل، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم-: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله" متفق عليه البخاري(1468)، ومسلم(983)، فعلى هذا الحديث من وجد إنساناً مجاهراً بالفساد سواء كان في الاعتقاد أو المعاملات أو غير ذلك أن يشهر به ويفضحه ويحذر منه الناس بعد أن يستنفد معه الوسائل والطرق السالفة الذكر.
هذا والله أعلم، وبذلك يكون قد أجبناك عن سؤالك بشيء من التفصيل، وإن كنا قد أجملنا، ومعذرة للإطالة وإن كنت قد قصرت، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.