الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية اخرى

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

أنا عاشقة

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الخميس 20 محرم 1425 الموافق 11 مارس 2004
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: أتمنى وأرجو أن تقرأ مشكلتي وكل ما أكتب، حيث إنني فتاة ملتزمة ومحافظة، ومنذ صغري وأنا كذلك، تركت الدنيا بجميع شهواتها وملذاتها، وكرهتها، واتجهت إلى ربي، وأحبه حباً لا يفوقه حب أحد، وحيث إني داعية من إحدى الداعيات -ولله الحمد- ومعروفة، ولكن يا فضيلة الشيخ: وبعد كل هذا سوف أسرد مشكلتي ومعاناتي: يا شيخ: أنا عاشقة! فسوف يخالجك بعض الاستغراب أو التعجب، ولكن أقول نعم، أنا عاشقة! هل من مجيب؟ وهل من معين لي؟ بلغ مني الحزن مبلغه؛ لأني محرومة من ذلك العشيق، وكيف أحصل عليه، وكلما مر الزمن وكلما مرت السنين أزداد عشقاً، وحرارةًَ، وألماً حتى أصبحت أحب الوحدة والتفكير في ذلك العشيق، وكيف الوصول إليه، والذي يزيدني ووالله ما ندري أنفرح أو نحزن على ذلك، فمنذ الصغر وأنا أقرأ مجلات، وأسمع عنه، فيأخذني الحزن مبلغه؛ لأني حرمت من ذلك الذي عشقته! ولا أدري هل يعذبني الله على ذلك أو سيرحمني؟ كم كنت أحلم به .. وأستمتع بحديثه .. كم كنت أشدو به .. وأطرب لذكره، لست أدري ماذا أكتب ؟ .. ولمن أكتب .. ولماذا أكتب! نفسي شاردة ! قلبي تائه! .. عقلي حائر! .. قلمي عاجز! كيف لا نعشق الذي تجاوز العلياء في همته العالية! طريق الجهاد، مبتغاه الاستشهاد الذي عجز الأدباء والشعراء أن يوفوه حقه، وعجزت الأفئدة عن فهم ما يتحشرج في دواخله، بلغ مني الحنين والألم مبلغه!
يا من غبتم عن أعيننا وما زلتم بقلوبنا وعقولنا
تلكم الأرواح الطاهرة التي ضربت لنا أروع الأمثلة في البطولة والإقدام ، وفي العزة والشهامة والبسالة، قلوبهم تغشاها السعادة، ووجوههم تعلوها الابتسامة ،تلك الابتسامة المشرقة التي ملأت السماء والأرض نوراً ، والأفئدة والقلوب حباً ويقيناً،
سطروا بسلاحهم أعظم قصص البطولات، ورفعوا رؤوسهم عالية فوق هامة الطغاة، أعلوا دينهم بدمائهم، فأعلى الله شأنهم، وخلد ذكرهم، عطروا بدمائهم الأرجاء، وأنبتوا رياحيق الزهور الغناء، سأذكركم عند كل شروق وغروب، سأبكيكم عند كل ركوع وسجود، سأناديكم عند تغاريد البلابل في البكور، وتكون قطرات الندى في الزهور، فعند وحدتي أتذكر ذلك الذي أحببته، وهو في أعلى الجنان، عند أطيب مقام، وإذا اجتمعنا أتذكره هو مع أصدقائه المجاهدين مجتمعون، ويتبادلون القصص الجهادية، والأحاديث الطيبة، والطرائف الندية، وإذا خرجنا أتذكر وهو يخرج من بيته في لحظات الوداع، في آخر نظرة لأهله، وعند النوم أتذكره وهو ينام على الحصير، وفي جسمه آثار حبيبات الرمل والصخور، نائم وهو تحت -رحمة الله-فبعد دقائق سوف ينام النومة التي لا موت بعدها، فينعم بالحور والقصور، وعند ركوب السيارة أتذكره وهو راكب دبابته، ومتجه إلى إحدى العمليات، والهواء يداعب خصلات شعره، وزغاريد الطيور ترفع من همته، ويزيد من شوقه لملاقاة ربه، راكب دبابته وصدى أناشيدهم البطولية ترهب أعداءه، وتكبيرات أصدقائه تهزم أعداءه، أعشق كلمة (الشهداء) يا شيخ: وأسمع فتيات بمثل سني، وربما أصغر مني، يقمن بعمليات فدائية من فلسطين والشيشان وغيرها، فيأخذ مني الحزن مبلغه، وأبكي بكاءً مراً أن حرمت من هذا الشيء، وأنا أتمناه منذ سنوات طوال، وأبكي غبطة على ما ينلن من جزاء من ربهن، وعلى الاستشهاد في سبيل الله، فلماذا نحن لا نقوم بمثلهن؟ أليس ديننا واحد وربنا واحد وحتى الجنس واحد! هل الأجر مقتصر لهن؟ ألسنا كلنا تحت شعار واحد وإسلامنا واحد، وأريد مشورتكم وآراءكم، وربما تعجبون من ذلك، ولكن وكما أدركتموه خلال السطور السابقة، وتعرفون جيداً عن ما يفعل العاشق وجنونه!حيث إني من الجزيرة العربية، ولكن نأخذ رأيكم أن نهب أنفسنا لأحد الفلسطينيين من حماس، ويكون مهرنا هو تدريبنا، والأخذ بأيدينا، والسماح لنا بقيام بعمليات فدائية! فهناك اللقاء في الجنان الذي لا فراق بعده، وهناك الأنس الذي لا حزن بعده، وهناك السعادة التي لا هم بعدها، فإننا قادمات نحن حفيدات الخنساء وخديجة وسمية! كيف لا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في الصحيحين: "والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل؟!"
وهل أُعاقب على بكائي أني خلقت فتاة، والرجال أخذوا هذا الفضل الكبير! أخذه الرجال عنا، فهنيئا لكم أيها الرجال على ما فضلكم الله به، وأتمنى الإجابة على تساؤلاتي. وأنتظركم وجزاكم الله خيراً-.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أولاً: للأخت الكريمة التهنئة على هذا الشعور النبيل الذي يملأ جوانحها، وهو عشقها للشهادة، وأشواقها الحرّى للجهاد، وتلهفها إلى الخوض في ميدانه، وبذل النفس في ذات الله –عز وجل- وإن الأمة التي يوجد فيها مثل هؤلاء الفتيات لأمة خير، وأمة معطاءة، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
إننا أيتها الأخت نهنئك على هذا الشعور، ونذكرك أن هذه المشاعر هي من العمل الصالح المبرور، الذي يثيب الله – عز وجل- من كان صادقاً في تشوفه له؛ كما أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- في قوله: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" أخرجه مسلم (1909).
ثانياً: نذكرك أيتها الأخت الكريمة أن الأدوار في هذه الأمة موزعة، وبناء الأمة بناء متكامل، يتولى فيه الرجال ما يناسبهم، ويليق بهم، وتتولى فيه النساء ما يناسبهن، ويليق بهن، والله – عز وجل- لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، كما قال – جل وعلا-: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ"[آل عمران: من الآية195].
ولذلك كانت المرأة شريكة في جميع الإنجازات التي حققتها الأمة من خلال قيامها بدورها المنوط بها فهي التي أعدت الرجال الذين خاضوا المعارك، وهي التي أعدت الرجال الذين كان لهم رسوخ في العلم، وهي التي أعدت للأمة الرجال الذين أحدثوا تجديداً في منعطفات الأمة التاريخية.
كما أن المرأة كانت مأوى للرجال العاملين، والمجاهدين في سبيل الله –عز وجل-؛ ولذلك فلا يصحُّ أن تختصر صورة جهاد المرأة بأن تشارك في العمليات العسكرية، فإن جهادها في القيام بدور آخر يتناسب مع طبيعتها وما هيأها الله له، وقد أشار النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك عندما سألته عائشة –رضي الله عنها-: هل على النساء من جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" أخرجه ابن ماجة (2901)، وأصله في البخاري (2875)، فقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "عليهن جهاد لا قتال فيه"، يبيِّن أن جهاد المرأة جهاد لا قتال فيه، منه الحج والعمرة، وليس فقط محصوراً في الحج والعمرة، ولكن منه الحج والعمرة، ومنه تربية الأبناء، ومنه القيام بحقوق الزوج، ومنه حماية الأمة في جبهتها الداخلية، فإن المرأة تتصدى لحماية هذه الجبهة، وإلا فإن حصوننا مهددة من داخلها ما لم توجد حراسة ساهرة على المجتمعات الإسلامية لحمايتها من الداخل، والمرأة قديرة على ذلك، ولذا فلا بد أن تتصدى لهذا الأمر.
أيتها الأخت المباركة: أذكرك بقول الله – عز وجل-: "وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً"[النساء:32]، وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية أخباراً في سبب نزول هذه الآية، مجملها أن بعض النساء سألن فقلن: ليتنا مثل الرجال فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله كما يغزون، فأنزل الله هذه الآية، إن هذه الآية تبين أن للنساء نصيباً مما اكتسبن، وأن على الجميع رجالاً، ونساء أن يسألوا الله من فضله، فعلى المرأة أن تكتسب من نصيبها الذي يناسبها، وتسأل الله –عز وجل- من فضله، والله – جل وعلا- لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.
فيا أيتها الأخت المباركة: إنك لو أجلت النظر لوجدتِ أمامك ميادين فسيحة للدعوة إلى الله – عز وجل-، والجهاد في سبيل الله بمعناه العام، وليس فقط بالقتال، وإنما الجهاد بالدعوة، والتعليم، والإصلاح، وتقوية بناء الأمة من داخلها، وكل هذه ميادين شاغرة.
ثالثاً: وأحذرك أيضاً من أن يكون مثل هذا الشعور النبيل العظيم عندك سبب قعود ونكوص عن مشاريع خيرة هي في إمكانك ومتناولك، فإن للشيطان كيده في إقعاد بني الإنسان عن ميادين الخير، وذلك بأن يعلق طموحه بما لا يستطيع حتى يستهين بما يستطيع، ويقعد عنه، ويكون بالتالي لم يفعل هذا، ولا ذاك، وإنما اجعلي من شعورك النبيل هذا دافعاً إلى أن تعملي ما يمكنك عمله، وما تستطيعينه، والله يتولاك ويختار لك ما فيه الخير. وصلى الله على نبينا محمد.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - هل من مساعده؟ | مساءً 04:52:00 2010/03/15
من جد شاعره واتمنى ان تستخدمي شعرك في الدعوه الى الله ,,, اسأل الله ان يحميك وان يبلغك مناك .................
2 - تبارك الله | ًصباحا 02:53:00 2010/10/12
اسال الله العظيم أن يرزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة وراحة ونعيما