الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية مفاهيم دعوية خاطئة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

هذا ما يُعيقني عن الدعوة

المجيب
التاريخ الاحد 10 شوال 1431 الموافق 19 سبتمبر 2010
السؤال

فضيلة الشيخ: -حفظك الله- أنا مسلم محب لديني، وقد منحني الله -سبحانه وتعالى- درجة عالية من العلم، وقدرة كبيرة على الإلقاء والمخاطبة والتأثير, ومن هذا المنطلق فإن لدي رغبة شديدة في الدعوة إلى الله, ولكن لدي عائق كبير وهو أني مبتلى ببعض الذنوب التي لا أستطيع الخلاص منها، وهي ذنوب بيني وبين الله لا يطلع عليها أحد ولا تصل إلى حد الكبائر, وأنا أخشى إن قمت بالدعوة أن ينطبق علي قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون"، وحديث الرجل الذي يدخل النار فيقول له أصحاب النار يا فلان: ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. أفيدوني، ماذا أفعل؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

إلى الأخ الفاضل – سلمه الله تعالى- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد إليك الله بأن منَّ عليك بالهداية إلى دينه، والدعوة إليه على بصيرة وعلم، فالله أسأل أن يثبتنا وإياك على الحق المبين حتى الممات، اللهم آمين.

أخي الحبيب: إن ما تعاني منه من الوقوع في بعض المعاصي يعاني منه كثيراً من الناس، سواء كانوا من أهل العلم أو غيرهم، فلا يوجد إنسان معصوم من الخطأ والزلل إلا من عصمه الله –تعالى- من الأنبياء والرسل عليهم صلوات ربي وتسليماته، "فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، كما صح بذلك الحديث عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي (2499) وابن ماجة (4251) من حديث أنس – رضي الله عنه - فيا أخي

الكريم- كلنا ذو خطأ وصدق من قال:

من الذي ما ساء قط....ومن له الحسنى فقط.

ولكن لا تجعل هذه الذنوب والخطايا التي أنت واقع فيها مهما بلغت أن تعوقك عن الدعوة إلى الله، فإن الشيطان حريص على تثبيطك وخذلانك، وقعودك مع القاعدين، فلا تعطيه هذه الفرصة، ولا تمكنه من نفسك، فكلما أخطأت استغفر الله وادعوه بأن يصرف عنك هذه المعاصي، المهم لا تجعل الشيطان يسيطر عليك ويدخل لك من هذا المدخل الخطير، فالمولى – جل وعلا- من رحمته بعباده جعل لهم باباً يلجون فيه إذا أخطؤوا وأذنبوا، وجعل لهذه الخطايا والذنوب مآلاً حسناً، أتدري ما هذا الباب؟ وما هو ذلك المآل؟ أما الباب فهو التوبة؛ قال تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن" [طه:82] وقال تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون" [النور:31]، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً" [التحريم:8]، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وأظنك على علم بها.

أما المآل الحسن لهذه الذنوب والخطايا هو أن تبدل هذه السيئات إلى حسنات! الله أكبر! كيف ذلك؟ اقرأ قوله –تعالى-: "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً" [الفرقان:68-69].

أبعد هذا الفضل الرباني يكون لديك مجالاً للتردد في التوبة كلما غلبت عليك نفسك واتبعت هواك، وأضلك الشيطان بفعل الحرام، فبادر بالتوبة، وعليك بأخذ الأسباب التي تبعدك عن هذه المعاصي والذنوب، وأنت أدرى بنفسك من غيرك.

أخي: كم من أناس عندهم من المعاصي والذنوب، ولكنهم يحملون بين جوانحهم نفساً تواقة للعمل لهذا الدين، وإن شئت فاقرأ معي سيرة هذا الصحابي الجليل – رضي الله عنه- والذي قد ابتلاه الله بشرب الخمر، فيجلد ثم يعود، وهكذا، ولكنه يحمل بين أضلاعه نفساً أبية تواقة للجهاد في سبيل الله – جل وعلا- وقد ذهب هذا الصحابي – رضي الله عنه- مع تلك الثلة المباركة من صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وغيرهم من سادة التابعين، بقيادة البطل الهمام والفارس المغوار، والأسد الجسور سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه- ذهبوا للقادسية لفتحها، وترفع فيها راية التوحيد، وتنكس فيها راية الشرك والإلحاد، بل وتمحى إلى الأبد، ذهب هذا الرجل معهم، وكان شارباً للخمر آنذاك، فأُصدرت الأوامر من القائد الأعلى سعد- رضي الله عنه- بأن يحرم هذا الرجل من المشاركة في الجهاد، ويوضع في القيد، ودارت المعركة، وتقابل الفريقان، وتنازل الشجعان، وتصارع الأبطال، واشتد الوطيس، فلا تسمع إلا ضربات السيوف، وطعن الرماح، ورمي السهام، ولا ترى إلا تطاير الرؤوس، وتناثر الأشلاء، وبحار من الدم تسبح فيها جثث القتلى، فهاجت نفس الرجل، واشتاقت للجهاد ومنازلة الأبطال والصناديد، فلم يملك نفسه إلا أن قال:

كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا***وأترك مشدوداً علي وثاقياً.

ثم نظر هذا الرجل إلى زوجة سعد – رضي الله عنها- وقال لها مستجديا: اطلقيني ولك عهد الله وميثاقه، لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي، فاستجابت له وأطلقته، وحملته على فرس لسعد – رضي الله عنه- بلقاء، وخلت سبيله، وأطلقت سراحه، وانطلق الأسد من عرينه لا يلوى على شيء، وجاس خلال صفوف العدو، وشد عليهم وكر، حتى جعلهم شذر مذر، وشتت شملهم، وأوقع الرعب في قلوبهم، وسعد رضي الله عنه- ينظر من فوق الحصن وهو مطل على أرض المعركة، ولكنه في ذهول مما يحدث أمامه، الفرس فرسه، والكر والفر من صنيع هذا الرجل، لكن الرجل في القيد والفرس في رباطها، وأخذ الرجل يفعل بالفرس الأفاعيل، لا يترك لهم شاردة ولا واردة، ولا شاذة ولا فاذة إلا اقطتعها بيمينه المباركة، وسعد – رضي الله عنه- ينظر ولا يكاد يصدق ما يرى، لكنها الحقيقة ماثلة أمام ناظريه، فلا مجال للشك، واستمرت المعركة على هذا المنوال الفريد، وتلك البسالة الفائقة من هذا الرجل العظيم، حتى انتهت المعركة بنصر المسلمين، وتم فتح القادسية، ورجع الرجل مرة أخرى إلى امرأة سعد –رضي الله عنهما- وفاءً بما أخذ على نفسه من وعد، ووُضع القيد في رجله، ونزل سعد – رضي الله عنه- من أعلى الحصن، وذهب إلى فرسه حيث تركها، فوجدها كما كانت، لكن وجد عليها العرق، فعرف أنها قد رُكبت، فسأل عن الخبر، فأخبرته زوجته بقصة هذا الرجل المقيد في الأغلال، وأنه كان من أمره ما كان، أتدري – يا رعاك الله- ما اسم هذا الرجل؟ إنه الصحابي الجليل أبي محجن الثقفي – رضي الله عنه وأرضاه-.

أرأيت – أيها الحبيب- كم من أناس عندهم من المعاصي الشيء الكثير لكنهم يحملون بين جوانحهم نفساً تواقة للعمل لهذا الدين والدعوة إليه.

فلا تكن أسيراً لذنوبك ومعاصيك، وتحرر من ذل المعصية وشؤم الذنب، وتب إلى الله واكمل المسير، وانطلق داعية إلى الله بكل ما أتاك الله من قوة وعلم وبصيرة.
أسأل الله أن يوفقنا وإياك لكل خير وبر، ويصرف عنا وعنك كل سوء وشر. هذا والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - عابر سبيل | ًصباحا 08:00:00 2009/10/27
السؤال مهم جداً فكثير منا قعد بسبب تخذيل الشيطان له لان عنده بعض المعاصي ، فيقول كيف أدعي غيري وانا لم أصلح نفسي ؟؟ وللاسف النظرة الاجتماعية تزيد الطين بلة حيث يُنظر للمتدين بانه ملاك لا يخطأ ، وان اخطأ قالوا هذا أنت يا فلان تفعل كذا وكذا ؟ والحمدلله إجابة الشيخ وافية ولكن حبذا لو نُشرت هذه الفكرة على المنابر وعبر المقالات لعل بعض من قعدوا عن الدعوة يعودوا من جديد.
2 - على متعاطي الكاس أن ينهى الجلاس | مساءً 04:15:00 2010/09/19
العبارة أعلاه هي الجواب المختصر يا أخي على سؤالك وقد سمعتها من عالم فاضل سئل نفس سؤالك فأجاب بها ولعلها من أقوال السلف وربما كانت للإمام الشافعي والمعنى أن من يشرب الخمر عليه أن ينهى الناس عنها لأن شربه للخمر معصيه وتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معصية أخرى ومعصية واحده خير من معصيتين ولعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون سببا لترك المنكر من ناحية أو على الأقل أن لا تتبعه منكرات أكبر وقد قيل " من وعضته جعلته عليكي رقيبا " فإذا زاد الرقباء لا شك إبتعد المرء عن إرتكاب الأخطاء والله أعلم
3 - متابع حتى النهايه | مساءً 12:58:00 2010/09/20
الى صاحب التعليق 2 هل المطلوب من النهي عن المنكر مجرد الكلام فقط ام اتباع الحق ؛لانه بالعقل مش معقول ان واحد بيشرب الخمر وهو سكران ينصح الناس ويعلمهم عن العذاب الذي منتظره ؛وبالله عليك واحد يعصي الله بالكبائر وهو خايف منه ومقطع قلبه معصية التقاعس عن النهي عن المنكر ؛ اما الحكمة معصية خير من معصيتين هذا ينفع في البسنس مش في الدين
4 - إلى متابع حتى النهاية | مساءً 07:40:00 2010/09/20
اضحكني تعليقك لأنه فيما يبدوا لم يكن فعلا متابعة للنهاية فقد شطرت التعليق السابق شطرا مع أن القصد منه واضح فلو أن كل واحد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنه يرتكب المعاصي لما بقي أحد في العالم يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر لأنه لا أحد سليم معافى من المعاصي. معصيه وثنتين وثلاث وحسنه وثنتين وثلاث والحساب موجود في الدين كما في البزنس أم لم يمر عليك ؟
5 - صلوا على النبي | مساءً 12:58:00 2010/09/21
هناك المعاصي (صغائر الذنوب ) وبين الكبائر ؛ اما صغائر الذنوب فالجميع واقع فيها مع الاختلاف طبعا وهذه لاتمنع من نصيحة الناس وهو ما يسمى الاحتساب ؛ اما الكبائر فمعاقرها لن يسمع له احد بالعكس ممكن يخلي الناس يستمرؤا الكبيرة وتصير عندهم من الصغائر
6 - سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم | مساءً 11:01:00 2010/09/21
أنا رأي موافق للشيخ فالواقع في معصية هو أعلم واحد بضررها فإذا وقع في ضررها في الغالب أن كثير من الناس يتمنى أن يقع كل الناس فيما وقع فيه فكان الرأي حكيمًا بأن ينهى عنه ليبعد نفسه عن هذا الشعور و خصوصًا إن الناس راحوا يصدقوه و المثل يقول اسأل مجرب و لا تسأل حكيم
7 - أبو عبد الرحمن البلاسي | ًصباحا 08:25:00 2010/09/26
جزاك الله خير الجزاء أخي في الله / خالد بن حسين بن عبد الرحمن ، جعل الله تلك الكلمات في ميزان حسناتك ، فقد أحسنت وأجدت في ردِّك، بارك الله لك وسدد الله قولك وفعلك ونفع بك ، وجمعنا بك في ظل عرش الرحمن ، وأكرمنا وإياك بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم ووالله ما علقتُ إلا لأدعو لك بالتوفيق والسداد فجزاك الله كل خير