الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية اخرى

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

مناصحة أهل العلم

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 09 ذو القعدة 1425 الموافق 21 ديسمبر 2004
السؤال

كيف يكون بذل النصح لأهل العلم وطلبته دون انتقاص لعلمهم ومكانتهم على ضوء الكتاب والسنة؟.

الجواب

الأخت الكريمة -سلمها الله ورعاها- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنشكر لك مراسلتك لنا على موقع "الإسلام اليوم"، ونرجو الله أن تجدي منا النفع والفائدة.
والجواب على ما سألت كالتالي:
أقدر لك حرصك على معرفة الأسلوب المناسب واللائق في مناصحة أهل العلم، وهذا -إن شاء الله- يدل على دين وإيمان وحرقة على الحق وسعي في نصرته. ولا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي؛ فالعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمة. وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم). ثم ذكر قول الله –تعالى-: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" [سورة الزمر الآية 9]، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار، وأحيل القارئ إلى كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي (ص 187-192). ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن، والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والمجلات، ويحاول هؤلاء الصبية تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم؟وأتساءل لمصلحة من يهاجم علماء الأمة؟ ولمصلحة من يشتم العلماء؟هل هذه هي الطريق لإقامة الدين؟ هل علماء الأمة حالوا دون إقامة دولة الخلافة؟ أم أن بعض الناس يعلق فشله وعجزه على الآخرين؟ لماذا يوصف العلماء بالخيانة أو السذاجة والبلاهة؟ هل يصح أن يقال في علماء الأمة: (ومن الملمَّعين المنافقين؟) كيف عرفتم أنهم منافقون؟ هل شققتم على قلوبهم؟ ألم تسمعوا قول النبي – صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد –رضي الله عنه- لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله : "أفلا شققت على قلبه؟" رواه مسلم. ألم تسمعوا قول النبي– صلى الله عليه وسلم-: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" رواه البخاري ومسلم . قال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- : ( لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم- ومن أكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا) رواه أبو عبيد والطبراني في الكبير والأوسط، وقال الهيثمي رجاله موثقون. ورواه أبو نعيم في الحلية، ولفظه قال عبدالله بن مسعود –رضي الله عنه- ( لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا).
وورد في رواية أخرى عند الخطيب في تاريخه بلفظ (فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا). (إتحاف الجماعة 2/ 105). أهكذا يكون النقد العلمي؟ قال الإمام الذهبي يرحمه الله : (ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل) سير أعلام النبلاء (19/342).
فلا بد من التأدب مع العلماء، وأن نعرف لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب.
واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: (إنما نحترمك ما احترمت الأئمة)، ولا شك أن أهل العلم أولى الناس، بالاحترام والأدب معهم وحسن الخلق في معاملتهم، ولين الجانب لهم وتقديرهم؛ لأن كل ذلك من الدين ولأجل الدين، وإذا كان العبد مطالب شرعاً بحسن الخلق مع عامة الناس فإن خاصتهم من أهل العلم والديانة أولى بذلك وأحرى. ويمكن أن أجمل المنهج في التعامل مع العلماء وأهل العلم عند رغبة النصح لهم في التالي:
1- يجب الرفق واللين عند تقديم النصح لهم أو تذكيرهم بأمر غفلوا عنه، وهذا أمر مطالب به العبد مع كل الناس، فكيف بالعلماء؟ وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها:(ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، وذلك أيضاً لما تقدم من عظيم مكانتهم وعلو منزلتهم، وتأملي معي هذا الحديث للوقوف على تلك المنزلة لهم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في
جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) سنن أبي داود ح (3641) .
2- التثبت قبل النقد أو النصح في أمر بلغه عنهم أو سمعه منهم ولم يتحقق مقصودهم منه، والتثبت منهج شرعي أمرنا الله به في كتابه في قوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [سورة الحجرات 49/6]. وإن العلماء بشر يخطئون، ولكن اتهامهم بالخطأ دون تثبت يوقع الإنسان في أمرين خطيرين:
الأول: أن يكون اتهامهم بالخطأ غير صحيح، فيخطئهم المخطئ فيما هم فيه مصيبون، أو يتهمهم بما ليس فيهم . إذ من الناس من تأخذه العجلة والنظرة الخاطئة للأمور فيحمل كلام الناس على الشر أو الخطأ، ومن الناس من يكون إنكاره على عالم بسبب جهله بحال ذلك العالم، فيسمع منه شيئاً محتملاً أو مجملاً ويجهل أشياء مبينة لتلك المجملات المحتملات فلا تجده يرجع للعالم يتثبت منه أو من غيره، فيطير بالأمر الذي سمعه على أنه خطأ شنيع وجرم فظيع وهو ليس كذلك .
الثاني: أن يحكم بالخطأ على العالم غير العالم فيبني الشخص تخطئته للعالم على جهل، فيقول على الله -عز وجل- وخلقه بلا علم، ومرد زلات العلماء أو ما يظن أنه خطأ من العالم ليس إلى العوام وأنصاف المتعلمين، بل إلى العلماء أنفسهم فذلك كما يقول الإمام الشاطبي: (من وظائف المجتهدين فهم العارفون بما وافق أو خالف وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام ) الموافقات (4/173) .
3- اختيار أحسن العبارات وأجمل الكلمات لإيصال ذلك النصح أو النقد.
4- التماس العذر للعلماء فإنهم -كما تقدم- خير أمة محمد-صلى الله عليه وسلم-، وإذا كانت تلك الخيرية أصلاً فيهم، فإن من الواجب التماس العذر لهم وإحسان الظن بهم.
5- احذري من تصيد زلات العلماء، فقد تقرر أنهم غير معصومين وأنهم عرضة للخطأ والسهو والغفلة والتقصير، فتقع منهم الزلات والأخطاء، والواجب حين ذلك أمران:
- عدم اعتبار تلك الزلة والأخذ بها ، لأنها جاءت على خلاف الشريعة .
- العدل في الحكم على صاحبها فلا ينسب إلى التقصير، ولا يشنع عليه من أجلها ولا ترد بقية أقواله وآرائه وفتاويه بسببها.
6- يجب أن يكون نصحك له سراً بينك وبينه ليحصل المقصود من ذلك، وإذا تعذَّر لقاؤه فيمكن مراسلته وإيصال تلك الملاحظات له.
7- اتهمي رأيك واتركي المبادرة إلى الاعتراض على العلماء فإن ذلك محمود، وذلك أن اتهام الإنسان رأيه عند رأي الأجلة من العلماء من حسن الظن بهم، فينبغي عدم المبادرة بالاعتراض قبل التوثق ، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :( إن العالم المعلوم بالأمانة والصدق والجري على سنن أهل الورع إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها ، أولا تقع من فهم السامع موقعها ألا يواجه بالاعتراض والنقد فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح وأحرى بادراك البغية إن شاء الله تعالى) الموافقات (4/324) .
8- إن أكثر الناس استحقاقاً للثقة هم العلماء، فعلى المسلم أن يضع ثقته في أهل العلم، ويواليهم ويحبهم، فإن محبة العلماء المشهود لهم في الأمة بالأهلية والورع والتقوى عنوان رشد وسلامة في المعتقد والمنهج .
وأخيراً أختم بكلمة نيرة مضيئة قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
تلك بعض المعالم في التعامل، مع العلماء ولم استقص في ذلك، وأنصح الأخت الفاضلة بالاستفادة من كتاب (قواعد في التعامل مع العلماء) للشيخ الفاضل عبد الرحمن بن معلا اللويحق.
والله أسأل لي ولك التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح . والسلام عليكم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.