الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا الشباب المعاصر ة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

الأدب .. ومشاعر المرأة ..!!!

المجيب
التاريخ الاثنين 29 ربيع الأول 1423 الموافق 10 يونيو 2002
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
أريد أن أكتب قصة يكون الهدف منها اجتماعي إصلاحي في المجتمع ، وبما أن الهدف اجتماعي قد أحتاج .. أو بالأحرى لا بد من إشراك عنصر المرأة داخل القصة ، بالسلب أو بالإيجاب .. وقد تحتاج لوصفها أو استثارة بعض الغرائز مثل الحب والكره ومحاولة معالجتها معالجة صحيحة ، ما زلت محتارا في هذه النقطة .. فهل من نصيحة توجهونها؟ اختلف المعاصرون في القصة وعدها بعضهم من الكذب ..!! ونحوه وأنا محتار هنا أيضا .. فما هو رأيكم ؟

الجواب

صدقت لا بد من إشراك المرأة في العمل الأدبي ، ولا مفر للأديب من ذلك ، فهي النصف الآخر لي ولك ، وهي مثلي ومثلك لها آمالها وأشواقها ، وتنتابها عوامل الضعف والقوة ، ومعرضة للاستقامة والانحراف ، ولها مشكلاتها كعنصر فاعل في الهيئة الاجتماعية ، فقد تكون قارئة واعية أو داعية محتسبة أو أديبة محلقة أو العكس متلبسة ببعض عوامل الانحراف . ولكن لها مهمتها الأساسية وهي احتضان الجيل وإقامة حق الله عليها في ذلك ، والتعامل مع مشاعر المرأة يحتاج إلى مهارة فنية ؛ لأنها تملك مخزوناً هائلاً من العواطف والمشاعر العميقة المتجددة المتناقضة أحياناً ، ففي كل لحظة يضخ فؤادها مئات الأحاسيس المتوثبة ، والأديب الناجح هو من يتمكن قلمه من رصد هذه المشاعر ، ولو ومضة منها ، ثم يسطرها على الورق ، وتكون منسجمة مع الحدث والصورة والموقف ، كل ذلك بشرط مهم وأساس وهو إلا يهبط الكاتب إلى التصوير الحسي الخارجي للمرأة بطريقة مبتذلة وسرد جافٍ سطحي فينصرف القارئ إلى تلك الصور الحسية المثيرة ، فيكون الاغتيال للعمل الأدبي ، كما يمارسه بعض الكتاب والروائيين ممن حرموا التصور الحقيقي للأدب والحياة . ولعلي أسجل نموذجاً سريعاً ، وهو الشاعر الفرنسي الشهير " مودلير " فهو يغوص في تصوير الملذات الحسية ، ولا ترد المرأة في خياله إلا جسداً يتمطى ، وشكلاً مرمرياً يتموج ، محتقراً عواطفها وفكرها ، لذا يقرّ بأنها غبية بل يمتدح غباءها فيقول : ( إن البلاهة هي زينة الجمال في المرأة في أكثر الأحيان ) [ وسوف أتناول صورة المرأة في الأدب بشقيه بشيء من التفصيل في وقت لاحق بإذن الله عبر نافذة " ثقافة ونقد وإبداع " ]
ولنا في قصص القرآن الكريم والسنة المطهرة خير نموذج للتصوير الراقي للعواطف المختلفة ، فلا تزال الذاكرة تنبض بصورة " امرأة العزيز " والمرأة في قصة " الكفل " والمرأة مع أحد شخصيات قصة " أصحاب الغار الثلاثة " نساء يتعرضن لموقف حاد : فامرأة العزيز تتحدى القيم والمواضعات الاجتماعية تحت ضغط قاتل ، وجسد يحترق تحت نار الرغبة ، فتلهث وراء نبي الله يوسف ( عليه السلام ) لتطفئ ظمأها ولما تمنع نبي الله أعلنت في تبجح فريد أمام نسوة المدينة إصرارها على الإثم والبغي . لقد سطر القرآن تلك المشاعر المتأججة بأسلوب بديع لم يجرح مشاعرنا ولا ذوقنا . والمرأتان في قصة " الكفل " و" أصحاب الغار " تتعرضان لصراع نفسي رهيب يهز كيان هاتين المرأتين العفيفتين إذ تجدان نفسيهما تجران قسراً إلى ارتكاب الفاحشة تحت ضغط الحاجة . وفي النهاية تتكشف القصتان عن لحظة الانتصار المدوي ، مناسبة لصبرهما ، وحرارة تعبيرهما عن الفاجعة التي دبّت في أوصالهما ، تصوير مترع بالحركة ، متحفز بالإمتاع ، بأسلوب راقٍ مقتدر .
قصة " امرأة العزيز " تجسد نموذج المرأة المنحرفة الراغبة في الحرام .
وعلى النقيض تماماً " المرأتان " في قصة " الكفل وأصحاب الغار " فتجسدان نموذج المرأة الضعيفة المغلوبة على أمرها ، النافرة من الحرام . ونستطرد قليلاً لتكتمل الصورة بذكر نموذج للمرأة الصامدة القوية القادرة على الثبات على المبدأ إذ لا تزال قصة " ما شطة فرعون " تدق في الأعماق وهي تتحدى أكبر قوة في عصرها ، تتحدى الموت في أبشع صوره ، تتحدى كل ذلك وتقول كلمة " التوحيد والإيمان " ويمارس عليها كافة الضغوط النفسية والمادية فتصبر وتعتصم بربها ؛ لذا استطاعت أن تواجه صراعاً متراكماً ، فليس هي وحدها في العذاب بل أولادها ؛ إذ تراهم أمامها تتقافز عظامهم من القدر فلا تتحرك ولا تتراجع ؛ بل كان لها رجاء واحد كلنا ندركه ، ولكن الضعف الإنساني يكاد ينبش أظفاره في عقلها وقلبها فتقف برهة ، لكن الذي عصمها – سبحانه – ينطق رضياً لها من بين يديها ، فتتكسر الأظفار ويتلاشى الخوف ، وتقتحم ، تقتحم ، هاتفة بلسان الحال : نموت وتحيا العقيدة . صورة مشرقة للمرأة المسلمة ، إنه شرف محلق ، يصعد ويصعد حتى يخترق السحاب ، شرف يحق لكل امرأة من بنات حواء أن تفاخر به ما شاءت وشاء لها الفخر .
ومن خلال هذه النماذج المشرقة نستنتج بعض الضوابط في تصوير مشاعر المرأة ، والتي ينبغي على الكاتب مراعاتها ، منها :
1-عدم الوقوف الطويل عند لحظات الضعف والسقوط . والتأمل في لحظات التنوير والتجلي .
2-توظيف الألفاظ الحسنة البعيدة عن الإثارة ، كلمات وألفاظ تحمل في طياتها دلالات تفي بتوضيح المغزى ولا تخدش قارورة الحياء .
وأفضل طريقة لعرض تلك المشاعر في الأدب السردي هو [ أسلوب ضمير المتكلم ] بحيث يفتح الكاتب المجال أمامها بأن تفضي بمكنونها وشجنها ، ورقيها ، أو ضعفها ، ويمنحها فرصة الانعتاق من الهم الضاغط على قلبها ، أو الفرح المطل من عينيها ، كل ذلك مباشرة دون تدخل الكاتب إلا في حال الضرورة الفنية ، ولعل أقرب نموذج لهذا الأسلوب من حيث الزمن [ قصة " رائحة أحمد ] المعروضة حديثاً في زاوية ( سر ديات ) من نافذة ( ثقافة ونقد وإبداع ) .
أما الشق الثاني من السؤال :
فأسألك يا عزيزي ما الذي يلجئك إلى الكذب ؟ فالواقع يموج بمئات القصص والأحداث المتناقضة ، كل يوم يقذف لنا صوراً مترعة بالتنوع ، فما عليك إلا أن تشنف أذنيك ، وتحدّ بصرك ، وتسترعي انتباهك ؛ لتلتقط القصة التي تناسبك ، ثم تقوم بعملية جراحية عليها من تحوير وتشذيب لتناسب الفن القصصي [ سوف نتناول - بإذن الله - كيفية اختيار أفكارٍ مناسبة وأحداث مثيرة للقصص ضمن سلسلة بعنوان " كيف تكون قاصاً " في نافذة ثقافة ونقد وإبداع ]
ثم إن كانت من الخيال فأنت لم تمارس عملية الكذب على القارئ ؛ لأنك لم تسجل فوق القصة كلمة ( قصة واقعية ) ثم تكذب عليه ، بل سجلت ( قصة قصيرة ) فقط ، فتكون المسألة مفتوحة تحتمل هذا وذاك ، ثم وإن كانت من الخيال – أيضاً-ً فقد تكون قد وقعت فعلاً وأنت لا تعلم ...
بذلك نخرج من اختلاف المعاصرين في هذه القضية ...
فلننطلق إلى فيضة الإبداع مسلحين بالقراءة ثم التيقظ ثم الحدس الصادق ...
ودم – عزيزي - مبدعاً من أجل مبدئك الخالد .
هذا و يسعد مشرف نافذة ( ثقافة ونقد وإبداع ) باستقبال أسئلتكم واستفساراتكم الثقافية والأدبية على بريد النافذة التالي :
adab@islamtoday.net

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.