آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي

الخميس 25 ربيع الثاني 1434 الموافق 07 مارس 2013
شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي
غلاف الكتاب
 

الكتاب:

شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي

المؤلف:

ياسر ثابت

الطبعة:

الأولى – 2012م

عدد الصفحات:

208 صفحة من القطع المتوسط

الناشر:

دار التنوير للنشر - القاهرة - مصر

عرض:

محمد بركة


صدر حديثًا في القاهرة كتاب تحت عنوان "شهقة اليائسين" للكاتب "ياسر ثابت"، يتناول فيه ظاهرة الانتحار في العالم العربي، ويكشف بالحقائق والأرقام مدى تفشي هذا الفعل الذي يعكس أزمة مجتمعاتنا في أوضح صورها.

والكتاب ينظر في أمر ظاهرة مقلقة، تستحق منا ما هو أكثر من الشعور بالأسى، وما هو أعمق من الإحساس بالأسف؛ لأن مَن يُقدمون على الانتحار ليسوا سوى إخوة وأحبة وأهل؛ ولأننا لا نريد أوطانًا مصنوعة من خدر، ومن مسئولين يتشبثون في كراسي مثبَّتة بأوتاد فولاذية، مغروسة في أعناق الفقراء.

إن إزهاق الرُّوح -وهي أمانة الله عز وجل التي اؤتمن عليها بنو البشر- خطب جلل، يستدعي البحث والرصد والتأمل والتحليل؛ حتى نتصدى للظاهرة، ونحول بين المرء ونفسه إن أراد بها سوءًا أو فكَّر في التخلص من نفسه بنفسه. وينبغي ألا ننسى أن الحياة هبة من الله ينبغي الاحتفاظ بها حتى يطلبها واهبها، وبالتالي فإن من واجب الفرد والمجتمع والدولة التكاتف لإعانة المرء على تجاوز المشكلات، والتغلب على الأزمات، وتقوية مناعته في مواجهة أي دوافع أو ميول انتحارية.

فالكتاب، كما يقول كاتبه: نداء استغاثة، وجرس إنذار، ودعوة للتفكر والنقاش الجاد والموضوعي، حتى ننقذ أرواحهم أو أرواحنا. وإذا نجح هذا الكتاب في أن يكون سببًا لإنقاذ رُوح بشرية واحدة فسيكون قد أحيا الناس جميعًا.

"جميعًا"! ما أجملها من كلمة، قد تكون درعًا واقية لحماية الفرد، بغض النظر عن اسمه وهويته وجنسه؛ فالفرد هو ببساطة نواة الجماعة، ولذا كانت هذه الوقفة الجادة مع قضية تؤرق كثيرين، وتمس المصريين والعرب بشكل عام في عالمنا اليوم.

كما يرى الكاتب أن الانتحار ينجم عادة عن كون المنتحر ترك نفسه ليحشر في فخ، حتى يبدو الانتحار بالنسبة للمنتحر حلاًّ أو مهربًا، سواء من الإخفاق أو العزلة أو الأزمات النفسية والجسمية والمالية، التي يرى الفرد أنه عجز عن مواجهتها أو التكيف معها. وبين هذا وذاك تكون النتيجة واحدة، وهي الموت. والعَرَضان الأشد خطورة للانتحار هما: الإحساس بفقدان الأمل، والإحساس بقلة الحيلة؛ فإذا اجتمعا معًا انهارت قلاع الإنسان، واستسلم لأفكار قد تقوده إلى إزهاق روحه، على رغم أن فطرتنا الحقة ترفض الإفناء الإرادي للذات.

ويسرد الكاتب  تفاصيل عن قرارات الانتحار لدى عدد من المبدعين في العالم، ويقول: إن بعض المنتحرين من المشاهير: من الكاتب الياباني "يوكيو ميشيما" (1970م) إلى المغنية الإيطالية "داليدا" (1987م)، ومن الروائي الأمريكي "إرنست هيمنجواي" (1961م) إلى الشاعرة الأمريكية "آن سيكستون" (1974م)، ومن الشاعر الروسي "فلاديمير ماياكوفسكي" (1930م) إلى المؤلفة والقاصة الإنجليزية "فرجينيا وولف" (1941م)، كلهم وجدوا أنها رسالتهم الأخيرة وردّهم على حياة لم تعد محتملة، لكنها الحياة، والبقاء فيها على رغم كل شيء فعل إرادة، وليس ترفًا يمكن الاستغناء عنه في لحظة يأس.

ويرى ياسر ثابت أنه في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وتضييق سياسي على المشاركة في الممارسة الديمقراطية، وغياب ملامح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في العالم العربي؛ يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى من يشعرون بالقلق والجزع وينشدون الخلاص، أو يريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم.

ويقدم ثابت صورة عميقة وتاريخية لحالات ومعدلات الانتحار في الدول العربية، ويتتبعها دولة دولة، مع استعراض نماذج لحالات الانتحار التي هزت تلك المجتمعات العربية في الماضي والحاضر.

الانتحار في مصر

ويتجول الكاتب في تاريخ مصر المعاصر، ويرصد حالات انتحار في عصر محمد علي باشا نتيجة سلسلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، مشيرًا لتكرار حالات انتحار المزارعين لنقص مياه الفيضان في أعوام 1824 و1825 و1833م، وخراب بعض القرى بسبب الجدب الذي أصابها.

ويوضح ارتفاع نسبة حوادث الانتحار، وعلى الأخص بين الطبقة الفقيرة الأكثر تعرضًا من غيرها لآثار أزمة الكساد العالمي التي كانت لها تداعياتها على مصر، ويحلل الكاتب أرقام حوادث الانتحار، لتبين أن حدة الأزمة كانت في عامي 1931 و1932م؛ إذ وصلت حوادث الانتحار في تلك الفترة إلى أعلى نسبة بالمقارنة بإجمالي حوادث الانتحار خلال الفترة بين عامي 1929 و1933م. ونجد أنه في عام 1929م وحده، سجلت في المدن المصرية الكبرى 105 حوادث انتحار، ذهبت أكثرها بأرواح شبان بين العشرين والأربعين من العمر.

ويتطرق الكتاب إلى حالات الانتحار في مصر حديثًا، لنجد أنها زادت بنسبة 12% في عام 2011م عن العام الذي سبقه، وأن نحو 18 ألف حالة انتحار وصلت إلى مركز السموم خلال عام 2011م، أغلبهم من الرجال، وأن مصر تشهد سنويًّا نحو 3 آلاف حالة انتحار لمن هم أقل من 40 عامًا، فيما تقول تقارير أخرى أن 5 أشخاص من بين كل 1000 شخص يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم، وأن عام 2009م وحده شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن‏ 5‏ آلاف منهم من التخلص من حياتهم‏. وتفيد الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن جريمة الانتحار في مصر أصبحت ظاهرة خطيرة تتصاعد يومًا بعد يوم، ثم ينتقل الكتاب إلى نموذج لافت هو التونسي "محمد بوعزيزي"، ذلك المنتحر الذي فجر ربيع الثورات العربية، بعد أن أنهى حياته احتجاجًا على صفعة تلقَّاها من موظفة أثناء عمله كبائع متجول.

ويمضي الكاتب متتبعًا حالات الانتحار المستمرة بعد يناير 2011م، والتي تمثل أكبر دليل على أن هذه الثورة ما زالت مستمرة، وأن أسباب اليأس لم تنضب بعد.

الكاتب

يعد ياسر ثابت من الباحثين والمؤلفين الذين يجمعون بين الدقة العلمية، والرصانة، وجودة الأسلوب، فضلاً عن غزارة الإنتاج. واللافت للانتباه هو تنوع موضوعاته وموسوعيته، وحرصه الشديد على أن تستوفي كتاباته معايير البحث المتعارف عليها دوليًّا؛ من لغة الكتابة، وطريقة التوثيق، والاستناد إلى المراجع والمصادر بدقة. وهو يركز عادة على التاريخ الضائع، والقضايا غير المطروقة، أو تلك التي لم تنَلْ نصيبها من الاهتمام.

ومن مؤلفاته:

قصة الثروة في مصر، هيا بنا نلعب: عن الأوطان والأوثان، فضة الدهشة، لحظات تويتر، فتوات وأفندية، حروب كرة القدم، جرائم بالحبر السري، كتاب الرغبة، فيلم مصري طويل، جرائم العاطفة في مصر النازفة، يوميات ساحر متقاعد، قبل الطوفان: التاريخ الضائع للمحروسة في مدونة مصرية، جمهورية الفوضى: قصة انحسار الوطن وانكسار المواطن ، إضافة إلى كتاب: ذاكرة القرن العشرين .

فتوى العلامة ابن باز في الانتحار

يقول ابن باز عليه رحمة الله:

الانتحار من أكبر الكبائر، وقد قال الله جل وعلا: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا}. [النساء: 29-30].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسَه بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيامةِ).

فالانتحار من أقبح الكبائر، لكن عند أهل السنة والجماعة لا يكون كافرًا إذا كان مسلمًا يصلي معروفًا بالإسلام موحدًا لله عز وجل ومؤمنًا به سبحانه وبما أخبر به، ولكنه انتحر لأسباب إما مرض شديد وإما جراحات شديدة، وما أشبه ذلك من الأعذار، فهذا الانتحار منكَر وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنه لا يخرج به من الإسلام إذا كان مسلمًا قبل ذلك، لا يخرج به الانتحار من الإسلام، بل يكون تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى كسائر المعاصي، إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة بإسلامه وتوحيده وإيمانه، وإن شاء ربنا عذبه في النار على قدر الجريمة التي مات عليها، وهي جريمة القتل، ثم بعد التطهير والتمحيص يخرجه الله من النار إلى الجنة، فينبغي لوالدته أن تدعو له كثيرًا، وأن تترحم عليه كثيرًا، وأن تتصدق عنه كثيرًا، لعل الله يلطف به، ولعل الله يرحمه إذا كان مسلمًا. أما إذا كان ليس بمسلم: لا يصلي، أو يستهزئ بالدين، أو يعبد القبور، ويتعلق بالأموات، ويدعو الأموات، ويستغيث بهم، هذا لا يُدعى له، وليس بمسلم في الظاهر، فأمره إلى الله سبحانه وتعالى.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف