آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

غاية المأمول من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

الاربعاء 26 ربيع الأول 1437 الموافق 06 يناير 2016
غاية المأمول من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم
 

مما لا يعزب عن العلم أنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذكاء والفطنة والإدراك الثاقب، فإنه لا محالة يعتريه النقص والجهل، وقد تلعب به الأهواء، وتميل به الظنون، فكان من لطف الله الرؤوف الرحيم أنْ وضع على ألسنة رسله مبادئ وقواعد أساسية وافية بجميع المصالح التي تصبو إليها النفس البشرية، وهذه المبادئ كالزنبرك؛ إذا انحلت أو قطعت عراها طيَّرت العابث بعيداً عن رحابها .

وقد أحاط التشريع الإسلامي (قرآناً وسنة) وبعبارات عربية مقدسة (فخمة) بالشرائع والمكارم التي يمكن للعقل البشري بلوغها، ولا يوجد في محتواه ما يصادم علوم العصر الحالي .

فالإسلام لا يعارض التمدن العصري، وليس ضداً لنظام الحريات المدنية، ولقد سيطر وحكم مساحة كبيرة على خريطة العالم، وأسهم أنصاره وأبناؤه بمؤلفاتهم العديدة في كثير من الاختراعات والاكتشافات العلمية التي استفاد منها غيرهم استفادة جمة، وما الحركة الاستشراقية التي زحفت إلى بلاد الإسلام، وتفرغت للبحث والتنقيب في المكنونات العربية، والتصانيف الخطيرة الغنية بالمعارف النادرة، واقتطاف ثمارها، إلا برهان ساطع على ما كان في أيدينا من مصادر ثرية انتبهوا إليها وغفلنا عنها!

ولم يكن تشريعنا الإسلامي يوماً عقبة في طريق التقدم، ولا حجر عثرة في سبيل التطور التشريعي المدني، ويظهر هذا بوضوح من خلال نصوصه وقواعده التي تدعو إلى التيسير على الخلق، وجلب المصلحة لهم، ودرء الضرر عنهم، وارتكاب أهون الشرين إذا كان لا بد من أحدهما، وتحكيم الأعراف المقبولة، ومراعاة الأصلح، ورفع الحرج، وذم الغلو والتزمت والتعسير والتشدد في غير موضعه ... فلماذا تراجعنا وتقدَّم غيرنا ؟

السرُّ في ذلك أنه لما كان الإيمان بهذا التشريع قوياً متغلغلاً حبه في أفئدة متبعيه، يتعاطونه دراسة وتعليماً وعملاً، وتحركهم معاييره ولا يحركونها، حققوا في فترة وجيزة المنجزات المذهلة التي ما زالت محط الإعجاب، فالإيمان يصنع المستحيلات، ولمَّا فترت العزائم، وخمدت الهمم، واستُدبرت المعايير الإسلامية، واستقبل الشرق والغرب، بدأ الانحطاط السريع .

ولو سألتني ما الذي تراه من حولك اليوم؟ لأجبتك: أرى الحيلة في كل كلمة، في كل نظرة، لقد أصبحت حياتنا غابة اسمنتية، وكلماتنا مخالب جارحة، وحواراتنا أنياب حادة، وأفكارنا معاول هدم، وأما معاملاتنا فمعارك ضارية حتى على مستوى الأسرة الواحدة، وأصبحت العلاقات الشخصية علاقات مصالح بامتياز، تدار بالريموت الكونترول؛ سريعة الابتداء سريعة الانتهاء، كالعلكة ما أنْ تتذوق حلاوتها حتى تلفظها خارجاً .

لقد اجتاح تسونامي الغرب والشرق ثوابتنا، وغشينا من جبروته ما غشينا، فازدادت الأخلاق رداءة، وارتمينا في محيط الضلالة، وتقاذفتنا أمواج الانحلال، واختلَّ مركز التوازن، وضاعت البوصلة، وفقدنا جاذبية الوسطية، ورمت بنا التيارات الجارفة إلى آماد بعيدة عن الروح الإنسانية، والقيم والتعاليم الإسلامية.

أقولها بكل صراحة: لم يسترع اهتمام أكثرنا من الحضارات الوافدة إلينا إلا الرذائل والمعاكسات التشريعية التي فرقت المسلمين وجعلتهم أشتاتاً كالغنم الطريدة في الليلة الشاتية، ولقد اختلقت الاقتباسات عنها فوضى دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية مرعبة، انفجرت براكينها فحرقت شظاياها أرواحاً بريئة، ولوثت أبخرتها أدمغة سليمة، وكلما نصبح نسمع أخبار الهدم والقتل والإبعاد، وكلما نمسي نسمع عن هجمات شرسة كالزلزال تزيد الخرق، وتبتلع بفاها الفاغر الخيرات والثروات تاركةً ما على ظهرها خراباً ودماراً وتشرداً وضياعاً .

ولو وجد المسلمون العلماء القادرين على كشف المستور، وتفنيد الأباطيل، وصد الأراجيف، وإيضاح المبهمات، وتبيين المشكلات، وإزالة الأردية القاتمة التي عتَّمت دنيا الحقائق، لبُنيَتْ من الأطلال المتبقية سدود منيعة تحمينا من الانجرار إلى هاوية ما لها من قرار .

ما معنى العلماء ورثة الأنبياء، وكعبة العقول الحائرة، ومطمح الآمال .. إذا كانت اتجاهاتهم متنافرة، وأفكارهم متبلبلة، وآراؤهم متناحرة، ومواقفهم مضطربة، هل العالم وريث الرسالة النبوية (البيضاء النقية) هو الذي يبزغ كالشمس في الأجواء اللطيفة! ثم يغيب بل يفتقد وجوده في الأجواء المدلهمة بقضايا حالكة، وشؤون غامضة؟! ولماذا يغرق البعض في سبات عميق، ونوم طويل - وكأن الأمر لا يعنيه - وكثير من الناس يحترقون بنيران الأصوات الباطلة التي التهمت المعتقدات، وهيمنة على الإرادات الحرة، وأصبحت في قبضتهم سهلة التوجيه يتحكمون فيها عن بعد كما يتحكم الصبي في الدمية عبر جهاز التوجيه .

يا علماءنا! ألا يعزُّ عليكم ما نحن فيه من ضعف الإنتاج، ووهن العزائم، وضحالة التفكير، والجمود والخور والتراجع والركود السرمدي الذي أصبح طابعنا؟ ألا تغارون لذلك العقوق واشئم به من عقوق ولذلك الازدراء وأبشع به من ازدراء لثوابت الإسلام ومسلَّماته؟ يا ليتنا نسمع من يقف شامخاً كالطود العظيم ليصدع بالصوت عالياً : أينقص الدين وأنا حي ؟! أيتضاءل نوره الأبهر ونور القرآن لألاء؟ أينكس علمه المرفوع، ولواء السنة رفراف ؟

يا علماء الشريعة! خذوا بأيدينا إلى سفينة النجاة، شقّوا لنا طريقاً وضَّاءً في عالم الحياة المليئة بالأهوال الجسام ..! ادفعونا من زوايا الخمود الذي غيَّر ملامحنا إلى عرصات الهداية الرقراقة بالأخلاق النبيلة والتعاليم السامية ..! فكّوا أغلال الهوى وقيوده التي أسرتنا وجعلتنا عبيداً ..!

يا علماء الشريعة! يا شعلة الهداية! وأشعة النور! لئن أكلتنا المخططات الفاجرة، ونجحت في تكبيلنا وأسرنا، وأنتم عصبة! إنكم إذاً لخاسرون!

اخلعوا عنا سربال الوهن، وأزيلوا قناع الخنوع، وأميطوا الأغبرة التي غطت معدننا، وانثروا بذور الخير فينا لعلكم تفلحون ..!

انفخوا فينا روح الإسلام، وأشربونا حبّه لتحيا تلك الجثث الهامدة، والأبدان الراقدة في غيبوبة عميقة ما لها من فواق..! فكّوا يد المعتدي التي أحكمت خناقنا بحيث لم يعد الواحد منّا قادراً على الإدلاء بكلمة واحدة إلا بشق الأنفس .. ويا ليتها مفهومة !

إنَّ الإصلاح لن يصنعه أبداً جبابرة، بل ناس فضلاء ، وكما أنَّ في السماء نجوماً وضاءة، فعلى الأرض مصابيح لا تنطفئ؛ هم أنتم أيها الصالحون الصديقون، والمسلمون التائهون في أرض وعرة أخلاقياً، ومتدهورة اجتماعياً، ومتصادمة سياسياً، مشتاقون بلهفة حارة إلى أصواتكم الندية الصادقة لتضيء طريق الإصلاح .. مشتاقون إلى مواقفكم الجريئة الهادئة لتفتح أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً .

الامتحان صعب، والوقت محدود، ولا يعلم أحد متى يرفع قلمه، وتجمع صحفه؟!

نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأنْ يوفقنا إلى الأحسن لتشرق شمسنا ويلمع نجمنا من جديد، والحياة أمامنا .. والله من وراء القصد .


(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.