آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مهام الأنبياء[3] مكافحة (الفساد الاقتصادي).

الخميس 15 جمادى الآخرة 1437 الموافق 24 مارس 2016
مهام الأنبياء[3] مكافحة (الفساد الاقتصادي).
 

تردد اسم نبي الله شعيب عليه السلام على جنبات القرآن الكريم 10 مرات مخلدة ذكرى خطيب مفوه، ومحام ينتصر للحق، ويكشف الحقيقة، ويدافع عن الحقوق.

تركزت مهمة شعيب عليه السلام في تجفيف منابع الفساد الاقتصادي في كافة جميع أجهزة الدولة وإيقاف التشبع من المال العام والاعتداء على أموال البشر الذي دمر مظاهر الحياة وأرهقها في أرجاء مدين.

لم يخض شعيب معركة التوحيد فحسب بل تجاوز ذلك إلى تعديل حياة الناس وإصلاح الوضع الاقتصادي المتآكل.

شن شعيب حربا على الغش المتغلغل في تلك المدينة. وحذرهم من مغبة الغرق في هذا المستنقع الآسن، ﴿وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ {هود84/86}

كان يدرك جيدا آثار الفساد الاقتصادي وتبعاته على الشعب، فتدهور اقتصاديات الدول يعني زوالها وتقويضها سياسيا، فما حدث للرئيس النيجيري شيهوشاغارى عام 1983م، من انقلاب أطاح به وبحكومته، كان سببه الفساد الاقتصادي الذي اجتاح تلك البلاد. كما أدى الفساد أيضاً إلى سقوط نظام الحكم في الفلبين عام 1986م.

فساد متعدد الوجوه متنوع الأساليب؛ تطفيف في الكيل، وتلاعب في الميزان، ومصادرة حقوق الشعب، ومطاردة المستثمرين ورجال الأعمال، وتكتلٌ للإقطاع، تغلغل الأساليب النفعية الملتوية، وازدياد نشاط السوق السوداء، تلك صورة مصغرة لتفاصيل الحياة في تلك المدينة.

سلك شعيب طريق النضال السلمي المتزن، والحوار المنطقي الهادئ، وأطلق كل التحذيرات.

ذكرهم بازدياد أعداد السكان، وكثرة الأيادي العاملة المحلية، ونمو سوق العمل بشكل متزايد ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ .كثرة اقتصادية محمودة ترفد السوق الاقتصادي وتخفف أعباء القوى العاملة الأجنبية باهضة التكاليف ، وقدم رؤية مبشرة تدعوهم للمنافسة والاستمرار ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ .

تحت لافتة الإصلاحات الحقيقية وضمن حدود الاستطاعة، واستصحاب التوفيق، يكشف شعيب عليه السلام لشعبه ماذا يريد بالضبط وإلى أين هي وجهته. إصلاح ما أفسدوه في مدينتهم، وتطهير فطرتهم من أوساخ الأطماع. وإيقاف تلك الممارسات الاقتصادية القاتلة. ﴿إِن أُريدُ إِلَّا الإِصلاحَ مَا استَطَعتُ وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ﴾[هود: ٨٨].

كان يتمتع بقدرات خطابية مذهلة سبقت ما توصل إليه معهد (كارنجي) الشهير للخطابة بالولايات المتحدة الأمريكية بمراحل كبرى، فهو لم يكن ضمن متدربيه، لكنه نبي ملهم يخاطب العقل، ويقنع العاطفة، ويطرق تلك الأسماع.

لم يصل معهم إلى أي نتيجة!!.

انطلقت تلك الأبواق الإعلامية تحذر من شعيب، وتزور الحقائق، وتنثرها على عقول العامة عبر آلة إعلامية ضخمة تقول: ﴿ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾.

ويطلق شعيب آخر خطاباته التأريخية، وعدسات الإعلام ترقبه، وكاميرات التأريخ تنقل خطابا يتردد صداه عبر الأزمان ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ انظروا للقضية بإنصاف ولا تربطوها بشخصي، فهي مصلحة دينية وطنية خالصة وخط أحمر لا جدال فيه. يقول شعيب.

واستمروا في عنادهم الأرعن وقرروا احراق الحدائق الخلفية لـ(آل شعيب) وقطع العلاقات لولا ما يملكه من ثروة في أهله وقالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ هكذا يعيش الجهلة لا يدركون خطورة ما يفعلونه ولا يفقهون أيضا تلك الأقوال.

ودخل الصراع مرحلة اللاعودة فطالبوه بمناورات عسكرية متعددة وأن يظهر قوته ويستعرض مايملك من عتاد، قالوا: أسقط علينا كسفا من السماء.

انسحب شعيب ومن معه بعد أن أنهى مهمته فتجهيزات القضاء عليهم كانت قد اكتملت بعد إكمال المبررات. خرج من المدينة؛ لكن ليس على وقع تهديدهم ولكن بطلب من الله أن يغادر.

وحلت سياسة الأرض المحروقة على شعب قضى الشأن الإلهي عليه أن يزول من على وجه الكرة الأرضية وأن يمحى من ذاكرة الحضارة فهو لم يقدم شيئا يذكر في معارج السمو القيمي والعمارة الأخلاقية.

كانت خطة التدمير كما أشار الباحثون في تلك الحقبة على ثلاث مراحل عددها القرآن بطريقته.

مرحلة سلاح الجو الذي كان محرقا أليما تشكلَ في سحب ملتهبة تقذف نارا من أفواه كالتنين﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، تلاها مرحلة تدمير بسلاح نوعي عن طريق قنبلة ذرية مفجعة أزهقت الأروح وخلعت القلوب وصعقت كل الشخصيات. ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وكان آخرها تدخل بري كاسح يرسمه زلزال زاحف على جميع أطراف المدينة يهد المباني ويقضي على الطرقات، وصفه مراقبون أنه بقوة 10 درجات بمقياس (ريختر). ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وانتهت المدينة.

أقبل الصباح على جثامين ومومياء ومدينة رحلت من وجه الأرض ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾

ورآهم شعيب فوقف على تلك الأطلال، وخاطب تلك الأشباح ﴿لَقَد أَبلَغتُكُم رِسالاتِ رَبّي وَنَصَحتُ لَكُم فَكَيفَ آسى عَلى قَومٍ كافِرينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] لا مجال هنا للعواطف الرخيصة، والعزاء الكاذب، والمجاملات الدبلوماسية، والإنسانية المزورة ، نعم لا داعي لكل ذلك الآن فالحقيقة واضحة لا تحتاج لأصباغ التجميل وذكر المناقب الوهمية.

ويسدل الستار على دولة كانت سامقة في تلك الجنبات، متمتعة بكل مظاهر القوة والعزة لكنها لم تقبل نصح الناصحين، ولم تصخ لكلمات المصلحين، ومضت في عنادها الأعمى تتندر بهم وتواجه التبعات﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ صورة تختصر تلك الأحداث.

...نعم لقد خسروا.

ألا بُعداً لمدين ...بُعداً لشعبِ شُعيب.



تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.