آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

بين الامامين الباجي وابن حزم

الجمعة 23 جمادى الآخرة 1437 الموافق 01 إبريل 2016
 بين الامامين الباجي وابن حزم
 

لد  الامام  أبو الوليد الباجي سنة 403 بمدينة بطليوس في جنوبي غرب الأندلس، ثم انتقلت أسرته إلى باجة Baja، جنوبي البرتغال اليوم، ثم سكنوا قرطبة، وكان من أهل بيت عرف بالصلاح والتدين والعفاف والتصاون، وكان والده خَلَفْ تاجراً في القيروان ارتحل إليها للتجارة من بلده، وكان وافر الصلاح والتدين والتورع والتعبد، منقبضا عن الدنيا متقللا منها مع جاهه وحاله واتساع ثروته، وفي آخر سنينه أقبل على العبادة والاعتكاف إلى أن توفي، رحمه الله –

في التاسع عشر من رجب من سنة 474 هجريه

طلب أبو الوليد العلم مبكراً توفيقاً من الله وتحقيقاً لرغبة والده، ودرس على شيوخ الأندلس من أمثال القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث الصفار، المتوفى سنة 429، والذي تولى القضاء للخليفة هشام بن محمد المرواني سنة 419، وقد زاد على الثمانين من العمر ؛ وهو ذو ذهن ثابت، وعقل راجح , جزل الخطابة، حاضر المذاكرة؛ وكان من أهل العلم بالفقه والحديث، على اصول المدرسة المالكية , كثير الرواية، وافر الحظ، قائلاً للشعر النفيس في معاني الزهد وما شابهه، بليغاً في خطبته، كثير الخشوع فيها، لا يتمالك من سمعه من البكاء، مع الخير والفضل، والزهد في الدنيا، والرضى منها باليسير؛ وله كُتب حِسان في الزهد والدقائق، منها: كتاب فضائل المنقطعين إلى الله.

درس الامام  أبو الوليد على الإمام المقرئ أبي محمد مكي بن أبي طالب المولود في القيروان سنة 355 والمتوفى بقرطبة سنة 437، وكان علماً في القراءات والتفسير والعربية، وأخذ أبو الوليد عن قاضي سرقسطة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن فورتش، المولود سنة 381 والمتوفى سنة 435، وكان ثقة في روايته، ضابطاً لكتبه، فاضلاً، ديناً، عفيفاً راوية للعلم، وأخذ عن عالم وَشْقة  وقاضيها أبي الاصبغ الوشقي، عيسى بن خلف بن عيسى ابن أبي درهم، ثم رحل إلى المشرق قاصدا الحج  في سنة 426 مخلفاً زوجته وولده، فحج والتقى هناك بالحافظ أبي ذر الهروي، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير، المولود سنة 356 والمتوفى بمكة سنة 434، وكان مالكياً ايضاً، له تصانيف منها تفسير القرآن، ومستدرك على الصحيحين، وكان قد جاور بمكة المكرمة وتزوج من عرب جبال السروات وأقام فيها، فكان يحج كل عام، ويحدث، ثم يرجع إلى أهله، وكان ثقة ضابطا دينا، وقد لازمه أبو الوليد 3 سنوات يسافر معه إلى السراة ويخدمه، وأخذ عنه علم الحديث والفقه والكلام. ثم ارتحل إلى دمشق فسمع من محدثيها، ثم ارتحل منها إلى بغداد فسمع الحديث بها، وتفقه على كبار علمائها، مثل القاضي أبي عبد الله الصيمري، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي عبد الله الدامغاني .

لما عاد من الرحلة إلى الأندلس بعد ان ادى الفريضة ونهل من علوم المشرق واخذ الحديث والفقه من كبار العلماء الذين لزمهم اثناء رحلته العلمية  وجد الامام  علي بن حزم المولود بقرطبة سنة 384، يتصدر الميدان الفقهي بدعوته لمذهبه الظاهري، ولمهارته في المنطق وحضور ذهنه ودربته على المناظرة قصرت ألسنة الفقهاء والعلماء  عن مجادلته وكلامه، فبرز نجمه واتبعه على رأيه جماعة من أهل الأندلس ، وحل بجزيرة ميورقة بعد سنة 452، فرأس فيها، واتبعه أهلها، فلما قدم أبو الوليد، وكان متمرساً بعلم الكلام والمنطق والجدل، كتب الفقيه محمد بن سعيد الميورقى إلى أبي الوليد الباجي بخبره، وندبه إلى مناظرته، فسافر الباجي إلى ميورقة واجتمع بابن حزم بين يدي أميرها العالم والفقيه المحدث أبي العباس أحمد بن رشيق، وناظره وأظهر خلل رأيه، وكان كثير من الناس قد نفروا منه لشدته على أئمتهم وتخطئته لهم بأقصى  عبارة، واعنف  محاورة، فتقوى خصوم ابن حزم بعد هذه المناظرة، وصار الملوك يقصونه عن بلادهم، وأحجم الناس عن كتبه، وأحرق بعضها بإشبيلية ومزق علانية، وانكفأ ابن حزم إلى موطنه الأصلي في بادية لبلة، حيث وافته منيته في سنة 456 فريداً معزولا.

ومن طرائف ما جرى أن أبا الوليد لما انقضَت مناظرة قال لابن حزم: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كان على سُرُج الحراس، فقال ابن حزمٍ: وتعذرني أيضاً، فإن أكثر مطالعتي كانت على منائر الذهب والفضة – وفى قول الامامين رحمهما الله فائدة ان الفقر لا يحول دون تحصيا العلم والا الغنى يلهى عن العلم وإن تفاوت التحيل يبنى على  الاخلاص وقوة العزيمة .

توفى، عن 71 سنة، في المرية بالأندلس ، القاضي أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف بن أيوب بن وارث الجيبي الأندلسي القرطبي الباجي، الإمام العلامة المحدث الرحالة المناظر، الذي مثلت حياته وحدة الأقطار الإسلامية في المشارق والمغارب، ودفن في رباط المرية على شاطئ البحر.

رحم الله الامامين الجليلين الباجي وابن حزم على ما قدماه من علم لهذه الامة وكل عالم يؤخذ من علمه وقوله  ويرد عليه الا المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم الذى علم العلماء وتقدم بإمامة الانبياء .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.