آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التداول على الحكم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم - في عهد أبي بكر الصديق 4

الجمعة 10 ربيع الأول 1438 الموافق 09 ديسمبر 2016
التداول على الحكم  بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  - في عهد أبي بكر الصديق 4
 


رابعاً: تحليل خطاب أبي بكر بعد البيعة العامة:

كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في النظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه "أركان وضمانات الحكم الإسلامي"، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه "نظرية الدولة في الإسلام" وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إلٰهي، وتقرير المبادئ الدستورية الإلٰهية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء.

وكذلك أوردها توفيق الشاوي ضمن كتابه: فقه الشورى والاستشارة وقال: إن الفقه الإسلامي يكبح جماح سلطان الحكام، لأنه يحصر ولاية الحكومة الشرعية في نطاق التنفيذ، ويحجبها عن ميدان الفقه ويفرض الأساس التعاقدي للدستور الذي يفصل شروط البيعة الحرة ويقيد سلطة الحكام، وينظم مساءلتهم والرقابة على أعمالهم، ويحمي استقلال المؤسسات المستقلة عنهم في ميدان الفقه والعلم والتعليم والأوقاف وبين المال والزكاة.

ويظهر أن توفيق الشاوي يحدد أسس وضمان العدالة في الحكم الإسلامي فيما يلي:

ــ استقلال الشريعة والفقه على سلطة الدولة التنفيذية.

ــ اختيار الرئيس يقوم على أساس البيعة الحرة.

ــ الحد من سلطة الحاكم.

ــ مراقبة الحاكم ونقده وتقويمه.

ــ استقلال المؤسسات العلمية والتعليمية والمالية عنهم.

وقد جاء في خطبة الصّدِّيق حينما وُلّي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة.

فقد نص خطاب الصّدِّيق رضي الله عنه على الآتي:

أما بعد:

ــ أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم.

ــ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.

ــ الصدق أمانة والكذب خيانة.

ــ والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله.

ــ لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل.

ــ ولا يشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء.

ــ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.

فنص الخطاب يتضمن أهم شروط البيعة التي يلتزم بها الإمام.

وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها:

1 - أول حاكم بعد الرسول:

إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لا يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطىء ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة.

2 ـ التواضع الكبير:

إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمّت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه.

3 ـ البيان الوزاري للسلطة:

إن قول أبي بكر رضي الله عنه: «وُلّيت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معرّض للخطأ والمحاسبة وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يدّعون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية.

وهذه مدرسة الإسلام في تقديم النماذج القيادية للسلطة التنفيذية، من معالمها التواضع الجم، وإلا فأبو بكر خير الناس بعد محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء المرسلين بلا منازع بنصوص واضحة وصريحة من الكتاب والسنة، ولكن أبا بكر يؤسس لمنهج التواضع السياسي الذي ينبغي أن يسير عليه مواطنو الدولة الإسلامية وخاصة رئيسهم لأنه القدوة بالنسبة للآخرين.

إن التواضع المطلوب في الإسلام هو التواضع الشامل في الأخلاق والكلام والأفعال والملبس والمأكل والمشرب والمركب لا يُستثنى من شؤون الحياة شيء.

4 ـ حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته:

قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.

فهذا الصّدِّيق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الصّدِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ، ومن صفته باعتباره رسولاً يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُستمدَّين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم.

إن الأمة في فقه أبي بكر لها إرادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله تستوجب تبجيله وإحلاله، وإكرامه، إجلالاً وإكراماً لشرع الله الذي ينافع عنه ويدافع عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلا الله تعالى، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط».

والأمة واجب عليها أن تناصح ولاة أمرها قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» ـ ثلاثاً ـ قال الصحابة: لِمن يا رسول الله؟. قال: «لله عزَّ وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصّدِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقرّره والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الإسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إلا نتيجة لتسلط بغيض "ودكتاتورية" لعينة، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة وبذرت فيها وزرعت فيها الجبن والفزع إلا من رحم ربي.

ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الصّدِّيق الرشيده في إدارة الحكم.

5 ـ الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الصّدِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق.

ــ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة، آية: 119).

ومن التحذير من الكذب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر».

فهذه الكلمات: (الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكماً يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصّدِّيق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟.

حقاً ما زال الصّدِّيق يطل على الدنيا من موقفه هذا، فيرفع أقواماً ويسقط آخرين، وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم، إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات الأيام، ولا شك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم.

إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها.

6 ـ إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس:

قال أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله».

إن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.

إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل.

قال الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.

إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُبل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهداً أو مالاً، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة، آية: 8).

لقد كان الصّدِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام، فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداه، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ..... فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها.

وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر.

وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات، آية: 13).

إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء.

وجاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس.

وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرّقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها ... إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُؤمِّن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة.

لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل، آية: 90).

كان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى.

والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر.

وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض.

وما أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة .. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال.

7 ـ إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل»، لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم صلى الله عليه وسلم، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهوى، والشر والخير، ولقد ذكرت مواقف الصّدِّيق في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد فهم الصّدِّيق رضي الله عنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، أن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصّدِّيق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته.

ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.

8 ـ إعلان الحرب على الفواحش:

قال أبو بكر رضي الله عنه: ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، والصّدِّيق هنا يذكر الأمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا».

إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها.

فقد حرص في سياسته على طهر الأمة ونقائها، وبُعْدها عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو رضي الله عنه يريد بذلك أمة قوية لا تشغلها شهواتها ولا يضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.

إن علاقة الأخلاق بقيام الدول، وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدماء، والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما السلام، والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق، فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب بسوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفراً، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها.

إن الصّدِّيق رضي الله عنه استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزاولها، وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والانغماس في الفواحش والموبقات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَاَ تدْمِيرًا (الإسراء، آية: 16).

أي: أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحقَّ عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيناهم. وفي قراءة: ﴿أَمَّرْنَا.

بالتشديد أي: جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال  والسلطان من أسبابه، إلا أنه حالة نفسية ترفض الاستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترفاً.

إن سياسة الصّدِّيق في حربه للفواحش حَرِيُّ بحكّام المسلمين أن يقتدوا بها، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يرَبي أمته على الأخلاق القويمة لأنه حينئذٍ سيقود شعباً أحسّ طعم الآدمية، وجرى في عروقه دم الإنسانية .. وأما إن سُلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء، أشاع الفاحشة في قومه وعمل على حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة، ودفع بقومه إلى مستنقعات الرذيلة، ليصبحوا كالحيوانات الضالة والقطعان الهائمة لا همّ لها إلا المتاع والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزاماً، قد ودّعوا الرجولة والشهامة.

ويصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (النحل، آية: 112).

9 ـ رئيس الدولة وتطبيق الشريعة:

قال أبو بكر رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».

فمصدر التشريع عند الصّدِّيق:

أ ـ القرآن الكريم:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (النساء، آية: 105).

وهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بيّن القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.

ب ـ السنة المطهرة:

هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور الإسلامي أصوله، ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن.

إن دولة الصّدِّيق خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الإسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون، وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الإسلامية دولة شريعة خاضعة بكل أجهزتها لأحكام الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لا يتقدم ولا يتأخر عنها.

ففي دولة الصّدِّيق وفي مجتمع الصحابة الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم، ولهذا قيد الصّدِّيق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف»، والحاكم له على رعيته حق السمع والطاعة، ولكن في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عصى الله ورسوله ـ بتعطيل شيء من شرع الله ـ فلا طاعة له على الناس.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء، آية: 59).

وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر، ولو قال تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، لَوَجَبت طاعتهم مطلقاً كطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جلَّ شأنه لم يقل ذلك، وإنّما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر ﴿وَأَطِيعُواْ لتظل طاعتهم مقرونة دائماً بحدود ما أنزل الله.

وهكذا فهِم الخليفة الأول رضي الله عنه حين قال للأمة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».

فهذه هي حدود الأمر في الإسلام، فلا يتصور أحد أن يكون لولي الأمر حق مخالفة الله ورسوله والله يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب، آية: 36).

فليس للحاكم أن يتصرف في الشريعة بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال، لأن هذا الحق ليس لأحد على الإطلاق، لا الحاكم ولا المحكوم، ومحك الإيمان الذي بيّنه الله في كتابه المنزل هو التحاكم إلى شرع الله أو الإعراض عنه، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور، الآيات: 47 ـ 51).

فهؤلاء يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ ثم يزيدون على ذلك فيزعمون أنهم مطيعون لله ورسوله والله يقول عنهم ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ فينفي عنهم ما زعموه من دعوى الإيمان، ويبيِّن أن السبب في نفي الإيمان عنهم أنهم إذا دعوا إلى شريعة الله أعرضوا عنها، إلا حين يكون لهم مصلحة ذاتية في تطبيقها. ويبيّن الله تعالى موقف المؤمنين الحقيقيين إذا دعوا إلى شريعة الله فإنهم على الفور يقولون سمعنا وأطعنا، بصرف النظر عما يصيب ذواتهم من تطبيقها، إنما هي الطاعة المطلقة لله ورسوله، هي صفة المؤمنين، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة.

إن مدار العقد بين الرئيس والمواطنين في الدولة الحديثة المسلمة على كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يختص الرئيس بحفظ شرع الله دون الناس، بل حفظ دين الله موكل إلى جميع المؤمنين، وهو ما كان مفهوماً في العهد الأول قبل أن يطول الأمد فيُنسى العهد، ويمكن أن نجتهد بدورنا في كتابة ميثاق يجعل أولى نبوذه كون الشريعة مصدر التشريع وأن كل قانون يخالفها يعد باطلاً، فالبيعة عقد مؤسس لشريعة الحكم، كما أنه عن رضى وقبول من الأمة، وفيه تحدد صلاحيات الحاكم، وحقوق المحكومين، والمرجع شرع الله حتى تكون حياة المسلمين بالإسلام وعلى الإسلام وللإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.