في تونس.. الشّريعة والدّستور

في تونس.. الشّريعة والدّستور
 

الخلاف الحاليّ داخل التّيّارات الإسلاميّة في موضوع التّنصيص على الشّريعة هو خلاف بين المكتفي بالحدّ الأدنى(بند الإسلام دين الدّولة) وبين المطالب بالحدّ الأعلى(إضافة بند جديد ينصّ على الشّريعة).. المطالبة بالحدّ الأعلى(التّنصيص على الشّريعة) يستجيب لحماس الشّباب ويستجيب لطمأنة المخاوف العميقة للمتديّنين بسبب تجربة ما بعد الاستقلال، من استهداف للدّين وأهله.. والاكتفاء بالحدّ الأدنى(التّنصيص على الإسلام دين الدّولة) يستجيب لفهم الواقع التّونسيّ-محل تنزيل الأحكام الإسلاميّة موضوع النّقاش- ومحاولة التّدرّج به والرّفق به نحو قيم الدّين شيئًا فشيئًا.. التّنصيص على الإسلام دين الدّولة يراعي مشاغل عموم التّونسيّين..

والتّنصيص على الشّريعة فيه مراعاة أكثر لمشاغل المتديّنين.. ومراعاة العامّ أولى من مراعاة الخاصّ، مع الإشارة إلى أنّ العامّ هنا يحتوي الخاصّ ولا يناقضه.. الاكتفاء بالحدّ الأدنى في هذه المسألة هو الأقرب لمنهج النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الذي (ما خُيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما) كما قالت السّيّدة عائشة رضي الله عنها..

النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا امتنع المشركون عن قبول كلمة(رسول الله) في صلح الحديبيّة، واكتفى بالتّنصيص على(محمد بن عبد الله): هل تخلّى عن الإسلام أو على صفته النّبويّة أو خذل أصحابه؟ وقد ردّ الصّحابة الفعل، وحزنوا حزنًا شديدًا، ولم يمتثلوا لأمر النّبيّ في تكملة شعائر العمرة، إلاّ بمقترح ذكيّ من أمّ المؤمنين أمّ سلمة رضي الله عنها، والحادثة يمكن الرّجوع إليها في كتب السّيرة النّبويّة في باب صلح الحديبية.. وقال عمر بن الخطاب وقتها: يارسول الله، أنعطي الدّنيّة في ديننا؟ بعد ذلك ظهرت نتائج هذه المرونة في التّعامل مع الواقع بانتشار أكثر للإسلام، بحكم طمأنينة النّاس واستتباب الأمن بفضل الهدنة.. والخلاصة: ثوابت الدّين واضحة ولا تبديل فيها.. لكنّ التّمكين لها في الواقع يحتاج للفهم والفقه النّبويّ..

الاستناد في النّقاش حول الشّريعة والدّستور على بعض ما جاء في صلح الحديبية، تمّ الاعتراض عليه بأنّ صلح الحديبية كان لعقد هدنة في حرب مع المشركين، ونحن لسنا في حرب، وليس بيننا مشركون.. فالمقارنة إذن لا تصحّ .. والتّوضيح أنّ المقارنة بصلح الحديبية ليست من جهة الحرب أو من جهة طبيعة الطّرف المقابل.. بل من وجوه أخرى: منها أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لم يركزّ على التّسميات مادامت حقيقة المسمّى قائمة.. و منها أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان مرنًا مع المشركين، ومن باب أولى المرونة بين مكونات الشّعب التّونسيّ المسلم.. ومنها أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قبل بالحدّ الأدنى، وهي عبارة(باسمك اللهمّ) مادامت تؤدّي الغرض، ولم يتشبّث بالحدّ الأعلى، وهي عبارة (بسم الله الرحمن الرحيم).  (وفي موضوعنا: التّنصيص على الإسلام دين الدّولة حدّ أدنى.. و إضافة التّنصيص على الشّريعة حدّ أعلى).. ومنها أنّ النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أعطى الأولويّة للهدنة ونشر الأمن؛ بهدف فتح الباب للدّعوة الإسلاميّة لتشتغل بأكثر أريحيّة، ومن باب أولى السّعي للهدنة الاجتماعيّة والسلم الثّقافيّة في تونس، مع الهشاشة المعروفة لأوضاعها بعد الثّورة .. هذا ما تحتاجه تونس اليوم.. وهذا ما يحتاجه الدّين بعد أكثر من (50) سنة من الانغلاق أمام العمل الإسلاميّ..

ونختم بحادثة معبّرة من التّاريخ تعطي إضاءة عمليّة لتجربة فيها تشابه بما يحدث الآن عندنا.. تجربة الخليفة عمر بن عبد العزيز في الرّجوع إلى الإسلام الأوّل بعد انحراف الأوضاع قبله: (ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة و قد انحرف النّاس عن منهج الرّاشدين، وارتكبوا مظالم، ضيّعوا بها حقوق النّاس، وتعدّوا حدود الله. فدخل عليه ابنه التّقيّ الصالح عبد الملك، وقال له في حماس متوقّد: يا أبت، ما لك تبطئ في إنفاذ الأمور؟! فوالله ما أبالي لو أنّ القدور غلت بي وبك في الحقّ! فقال الأب الحكيم الموفّق: "لا تعجلْ يا بنيّ، فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين، وحرّمها في الثّالثة، وإنّي أخشى أن أحمل النّاس على الحقّ جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة).. تأمّل الفرق في تناول الموضوع بين علم وحكمة عمر بن عبد العزيز من جهة، وبين حماس واندفاع ابنه الشّاب من جهة أخرى.. ولا ننسى أنّ عمر بن عبد العزيز ليس مجرّد حاكم مسلم، بل كان عالمًا ومن أهل الحديث ومن رواته.. وخلافًا لما يراه البعض من انقطاع التدرّج في التّطبيق بعد انقضاء فترة النّبوّة فإنّ هذا الموقف من عمر بن عبد العزيز بمكانته العلميّة والسّياسيّة دليل على أنّ التّدرّج في تطبيق وتنزيل الأحكام الإسلاميّة منهج مؤصّل.. وهو منهج مستمرّ حتى بعد انقضاء فترة النّبوّة..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - فيصل ًصباحا 01:28:00 2012/04/15

    مقال يستحق الاشادة .. الى الامام .. ينقصه بعض الاستشهدات الاخرى لتثبيت المعلومه

  2. 2 - أبو عبدالله ًصباحا 01:34:00 2012/04/16

    للأسف موضوع مثل هذا يتكلم به كل أحد ولو عرض على عمر رضي الله عنه لجمع له أهل بدر. موضوع يتعلق بمرجعية الأمة ويفتي فيه ( بالحد الأدنى ) ويرجح أيضا!!. عزيزي الكاتب هون عليك فوالله لايفتي بمثل هذا الأمر الجلل الا مجاميع من الفقهاء في مجامع فقيه معتبرة وليس أفرادا ولو كانوا فقهاء فاحفظ رأيك كما أحفظ رأيي ولنترك الخبز لخبازه.

  3. 3 - خالد ًصباحا 10:23:00 2012/04/16

    التعليق رقم 2: التهيب مطلوب لكن دون التأخر عن البيان في وقت الحاجة، وفي تونس تم تقريبا حسم الموضوع ولن يبقى الناس في انتظار مجاميع غير موجودة أصلا أو غير فاعلة، والقضية وإن تعلقت بالشريعة فهي أيضا متعلقة بالدستور أي قضية سياسية، والسياسة لها فقهاؤها ومختصوها من اهل الدين والعلم مثل أن الطب له فقهاؤه ومختصوه، أما حفظ الرأي فلا أدري على أي دليل استند وقد كان الرجل المغمور يراجع النبي صلى الله عليه وسلم أو المرأة المغمورة تراجع عمر رضي الله عنه ويتم جوابهم ولم يأمروهم بحفظ الرأي.

  4. 4 - زائر مساءً 01:05:00 2012/04/16

    مثل هذه المواضيع الحساسة والبالغة في الأهمية ما تتخذ بهذا الشكل ولا ينبغي أن يكتب فيها أي - مع بالغ احترامي لكاتب المقال - لكن كما ذكر الأخ رقم 2 ، فهذه قضايا مصيرية للأمة وليس بالسهل الخوض فيها ، وقد يقول صاحب المقال لا أقل من أن تكون وجهة نظر وهذا صحيح لكن ما يطرح للناس ويحدث نوع من القيل والقال [ولو ردوه إلى الله والرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه]فكثير من قضايانا التي حدث بسببها كلام وأخذ ورد من أسبابها أن الجميع يتكلم وكل يصدر بيان وكل يصدر قرار.المفروض تكون لجنة من علماء تونس ورجالها مع نخبة من علماء المسلمين في أسرع وقت - ووسائل الاتصال الآن متيسرة أكثر من قبل - وعليه يصدر قرار . وأرى والله أعلم أن كثرة الكلام في هذا الموضوع من هنا وهناك وفي القنوات والمنتديات ما يخدم القضية ، بل نمتثل لأمر الله لرد الأمر لعلمائنا ومن له علاقة بالموضوع . ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

  5. 5 - Abdikarim Somali مساءً 07:02:00 2012/04/16

    منشاءالله، تونس! راية التوحيد، النصر توالى.

  6. 6 - أبومريم عبدالحق ًصباحا 09:50:00 2012/05/01

    كلام جيد من الكاتب التدرّج منهج مستمر ! لكن ماالداعي للثورات أصلا إذا كنا مقتنعين بالتدرج! لماذا لاننتظر ونغيّر مابأنفسنا حتى يغّير الله حالنا ؟!!