آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

لا مشاحة في التسمية، ولكن ..

الاربعاء 06 جمادى الأولى 1436 الموافق 25 فبراير 2015
لا مشاحة في التسمية، ولكن ..
 

صياغة الاسم عملية صعبة ومعقدة، تقتضي اختزال المعنى والجوهر وضغطهما في قالب صغير يطلق عليه (الاسم)؛ فالاسم هو الوعاء الذي يختزن المعنى، والمادة التي تحتضن الجوهر، والجسم الذي تمتطيه الروح وتنظم حركته، ولذا لا بد أنْ يكون الاسم دالاً على المعنى المراد، لا أنْ يكون الاسم في واد، والمعنى في واد آخر، لا يجتمعان ولا يلتقيان .

ومن هنا كان لزاماً أنْ تكون بين الأسماء ومسمياتها مناسبة ومطابقة، أما المطابقة؛ فهي أنْ تكون الأسماء كالقوالب لمعانيها، فلا تزيد عليها، ولا تنقص منها، وأما المناسبة؛ فهي أنْ يكون الاسم دالاً على المسمى، وأنْ يكون خالياً من التعقيد اللفظي، بسيطاً مفهوماً، دقيقاً يوحي إليك بالمقصود بلا تكلف ولا تصنع ولا بهرجة زائدة تبتعد بالاسم عن مسماه، وكما يقولون: "على بلاطة" .

وعملية الاصطلاح والتسمية في المعاملات المالية ضرورة ملحة؛ لأنها وسيلة مهمة من وسائل التواصل والتفاهم والتعامل بين المتعاقدِين، وجمع كلمتهم والتقاء إرادتهم على معاملة مخصوصة، وعقد محدد، ودلالات معينة، وندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى لو يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، إنها مشقة هائلة، لا تتصور معها حياة، وإنَّ الحياة الاقتصادية ما كانت لتمضي في طريقها لولا القدرة الإلهية التي أودعت في الإنسان خاصية تمييز العقود بأسمائها، والمعاني بألفاظها، والمقاصد بمبانيها، ومن هنا يزول العجب بمعرفة السبب الذي لأجله علم الله آدم الأسماء، وجعل الامتحان الذي أجراه للملائكة مقتصراً عليها .

لولا الأسماء لابتعدت المسافة بين المعاملة والمتعامل، ولما استطاع استحضارها عند طلبها، ولاضطرب اختياره لها، فما يريده لا يسعفه الاسم في استحضاره، فالاسم عنوان التعامل، وهو للأشياء كالاسم الذي يطلق على المولود ليعرفه الناس به، ويعرِّفهم به على نفسه .

وقد جرى الخلاف بين أهل كل فن في مصطلحاتهم، إلا أنه اختلاف تنوع لا تضاد، لأن الدلالات واحدة إلا أن التعبير عنها هو الذي اختلف، ومن أمثلة ذلك: عقد السَلَم: سماه بعضهم (عقد السَلَف)، وعقد الإجارة: سُمِّيَ (عقد الكراء)، وعقد المضاربة: سُمِّيَ (عقد القراض)، وعقد المساومة: سماه بعضهم (عقد المفاوضة) .

وهذا التعدد الاصطلاحي للمعنى الواحد إما أنْ يكون سببه الأعراف اللفظية السائدة، أو الاصطلاح الجبري (القانوني) الذي يفرض نفسه (عنوة) في لغة الناس، فمثلاً: عقد (الأجير المشترك)، وعقد (الاستصناع) درج الناس في عصرنا على تسميتهما معاً بـ (عقد المقاولة)، وأصبح هذا العقد يرمز لهما جميعاً، لأنَّ التسمية القانونية تجمع بينهما تحت هذا الاسم، بينما يفرق الفقه الاسلامي بينهما تسمية ودلالة (أحكاماً)، وكذلك عقد (الأجير الخاص) في الفقه الإسلامي أصبح يعبر عنه في الفقه القانوني الحديث بـ (عقد العمل) لاعتبارات حقوقية تتعلق بكرامة الإنسان وآدميته، فهل ترتب على تغيير التسمية الفقهية (القديمة) أي تحسين في النظم الاجتماعية والاقتصادية؟ .

وقد يكون من أسباب التغيير الاصطلاحي: التداخل الثقافي واستجلاب صيغ تمويلية مستوردة، بحيث تحتفظ تلك الصيغ باسمها ولقبها الأجنبي بعد ترجمته إلى العربية على الرغم من إصلاح الجوهر والمضمون، وصقله وتهذيبه، ووضعه في قالب إسلامي أصيل، ومثال ذلك : عقد التأجير التمويلي ... .

ومهما أثير من اعتراضات حول التسمية (الأجنبية) اللصيقة ببعض الصيغ والعقود الإسلامية، فإنه بتنزيل هذه الصيغة على قواعد الشريعة وأحكامها، يزول الاعتراض، ويتوحد الرأي بشأنها .

وإنْ كنت أدعو إلى عدم الإقبال على الأسماء التي يحدثها البشر للمعاملات المستجدة، وما أكثرها! لئلا يتبادر إلى الأذهان كلما طرأت تسمية جديدة أنها تمثل عقداً مستحدثاً، مستقلاً بأحكامه الخاصة التي يتميز بها عما سواه من العقود القديمة، في حين تمثل المعاملة عند التمحيص عقداً قديماً لا تخرج عن إطاره، بل هي جزء منه، وفرع عنه .

وقد وقع في هذا المزلق أكاديميون وباحثون، فاضطربت تخريجاتهم، وتناقضت أحكامهم، وتعقدت المسائل، وتهنا في بحر متلاطم الأمواج من الأسماء المعاملاتية، والآراء الفقهية ، ولو ألحقنا الفرع بأصله، وألصقنا (النوع) بجنسه، لسلمت أسماء العقود من التعقيد والاضطراب، ولبرئت أحكامها من الخطأ والتناقض، وإذا كان لا مناص من لفظ جديد فخير لنا أن نختار ما يطابق المعنى المراد ، من أن نضع مصطلحات لا تدلّ على معانيها .

وقد حفلت الصناعة المالية بعدد وافر من الأسماء المحورة والمعدلة والمهجنة، وبرزت بشكل لافت جعلها تطغى على ما عداها .

وبعض هذه الأسماء خرجت عن السيطرة، وتجاوزت الحدود، وتمردت على القوالب اللفظية المعتادة، ولم يعد للأسماء دلالتها المعروفة، وصار كل شيء قابلاً لأنْ تطبع عليه ما شئت من الأسماء، بحيث غدت بعض الأسماء جوفاء بلا معنى، ولا طائل من ورائها لمَنْ يستمع إليها، بل للأسف أصبحت وسيلة للخداع وتمييع الحقائق وجعلها أكثر اضطراباً وتمويهاً؛ ليسهل التلاعب في عقول الجماهير وعواطفهم، والتأثير في قراراتهم الاستهلاكية، وكم من سموم لفظية غُمِسَت في الرسم اللفظي (الاسمي) غمساً .

لقد صرفتنا ضبابية الأسماء عن رؤية المعنى الحقيقي، بل شردته وأضاعته، وتركت لمَن يتعامل مع هذه الأسماء عناء محاولة العثور والتعرف عليه .

لقد أدت المغالطة -التي تقوم على تسمية الأشياء بغير أسمائها- إلى غبش في فهم العقود، وعدم وضوح الرؤية لكنهه ومقاصده، بل أدى هذا التلاعب في الأسماء إلى التباس كثير من المفاهيم واضطرابها في أذهان المتعاملين أو فهمها على غير وجهها .

إنَّ الأسماء الفريدة (لبعض العقود المالية) ذات البريق والرنين الإعلامي لا يدرك أسرارها حتى من تذوَّق الفقه، وسبر أغواره، فكيف بمَن لا يمكنه التفرقة بين مرابحة، وإجارة، ومشاركة، وقرض؟!

ومن هنا يجب عند تحديد أسماء العقود مراعاة أنْ تكون واضحة الدلالة، صريحة المعنى، بعيدة عن التعقيدات الشكلية، حتى لا يفضي الغبش فيها إلى التباس المفاهيم، وضياع المضامين .

إنَّ تبديل الأسماء لا يغير الأحكام والحقائق؛ فمَنْ شرب الخمر آثم وتجب معاقبته بالحد الشرعي، ولو سميت (مشروبات روحية)، ومَنْ تعاطى الربا أخذاً وعطاءً، أو أعان عليه كتابة أو شهادة أو كفالة، غارق في الإثم ولو سمِّي (فائدة)، ومَنْ قبض الرشوة تجب محاسبته لفساده، ولو سُمِّي ما أخذه (هدية)...، فهذه الأسماء لم تخرج الأفعال الدائرة تحت شعارها عن حقيقتها وماهيتها، وإنَّ مَثَل مَنْ يتعامل مع الأسماء ولا يلتفت إلى معانيها ومراميها، كمَثَل رجل قيل له: وبِّخ فلاناً ولا تضربه، فوبخه وقتله ولم يضربه، وكمَنْ قال لابنه: خذ هذه النقود ولا تشتري بها (سجاير)، فشرب بها (أرجيلة) .

صحيح ما يقوله العلماء: أنَّ العبرة بالحقائق، وأنه لا مشاحة في الأسامي، وأن الأصل في الاصطلاحات الإباحة، بل ما زال العلماء يضعون الاصطلاحات في كل علم وفن من غير نكير من أحد، ولم يقل قائل بأن كل اسم أو اصطلاح نستعمله لا بد أنْ يكون مدللاً عليه بالنصوص الشرعية (كتاباً وسنة)، لأنهما ليسا معجماً لغوياً، ولا قاموساً للمصطلحات، فالاصطلاحات والألقاب ليست من رسم الدين ولا من حكمه، فسمِّ العقد بما شئت من الأسامي؛ لكن احذر وبالغ في الحذر! أنْ تكون التسمية زائفة لا تمت إلى واقع الحال بصلة .

وعليه فالقاعدة التي تقول: (لا مشاحة في الاصطلاح) إنما يصح إعمالها إذا اتفقنا على المضمون واختلفنا في الاسم، أما إذا اختلفنا في المعنى، أو أدت التسمية إلى مفسدة الخلط بين المعاني، أو تعسر استيعاب مضمونها، أو خرجت التسمية عن الدلالات المنطقية، فهذا محل التنبيه! لأنه يؤدي إلى المشاحة والمنازعة، ولهذا يقول ابن القيم: (الاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة).

وأخيراً؛ ينبغي بذل الجهود الجادة لتوحيد أسماء العقود والمنتجات ليسهل تداولها، ولا بد من نشرها وتثقيف الناس بمدلولاتها لدفع البلبلة والالتباس .

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .



د. علي محمد أبو العز


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف