آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

علم نفس الزمن

الاربعاء 06 ربيع الثاني 1438 الموافق 04 يناير 2017
علم نفس الزمن
 

 

في حين أن الفيزياء تدرس ماهيّة الزمن، فإن علم النفس يدرس الشعور بهذا الزمن. وما بين الزمن والشعور به تناقضات عجيبة. خذ على سبيل المثال، الفرق بين عدد ساعات اليوم وعدد ساعات جسم الإنسان: (الساعة البيولوجية). جميعنا يعلم أن اليوم مكون من ٢٤ ساعة، ولكن أغلبيتنا لا يعلم أن الساعة البيولوجية أطول بــ ١١ دقيقة في اليوم (*١). أما إذا أضفنا عامل الشعور بالزمن، فإن المدة الزمنية تصبح اعتباطيّة. انظر الفرق بين الساعة التي يقضيها الإنسان المفعم بالفرح مع من يحب وبين الساعة التي يقضيها الإنسان في زنزانته. هنا، يكون الشعور بالزمن أهم من الزمن ذاته. في حين أن الفيزياء قد تُعرّف (الزمن) بحركة المكان، فإن علم النفس يُعرّف (الشعور بالزمن) على أنه الحركة في المكان. المتخصص في علم النفس، يُريد أن يفهم طبيعة حركتك، لكي يستنبط إحساسك من هذه الحركة. بينما الفيزيائي لا يدرس أحاسيسك حينما يكتب لنا عن الزمن. هذا لا يعني أن الفيزيائيين غير واعين بشعور الإنسان بالزمن وإنما المقصود أن الفيزياء لم تبحث علاقة الشعور بالزمن عند البشر.

ولأن الفهم والإدراك مبحث نفسي (سيكولوجي) لا علاقة -مباشرة- للفيزيائي بذلك. أود أن ألفت انتباه القارئ للعلاقة بين الإدراك والزمن في علم النفس؛ البُطء الزمني عقبة في طريق الفهم لدى الإنسان. بمعنى أن الحركة البطيئة تُعيق وتُضعف عملية الإدراك والفهم بما هو حولنا. مثال ذلك أن ملاحظتنا تكون أكثر دقة للأشياء السريعة. أو للتغيّر السريع. لذا نلاحظ ببساطة ونفهم وندرك حجم التغيّر بناءً على سرعة حركته. مثال ذلك، أنه حينما يلتقي بنا صديق بعد انقطاع طويل فهو يرى حجم التغير الذي طرأ على وزن هذا الإنسان، بينما من يعيش معه في المنزل لا يلاحظ هذا التغير في الوزن (إلا إذا كانت الزيادة هائلة وبذلك يكون معدل السرعة في التغير مرتفع). أضف لذلك، أن فهمنا للتّغيرات المفاجئة يختلف عن فهمنا للتّغيرات البطيئة. قد نتسامح مع المتغيرات البطيئة في حياتنا بالرغم من أنها خطيرة، بينما نخاف من التغير المفاجئ والسريع الذي لا يشكل خطراً علينا. حيث أن هذا يُشير إلى أن الشعور بالزمن يؤثر على الفهم والإحساس. نحن لا نشعر بالخوف والقلق أثناء التغيرات البطيئة، وبناءً على ذلك تكون قرارات الإنسان مرهونة بإدراكه للزمن. التجربة الشهيرة التي قام بها باحث إيطالي، حيث قام بوضع ضفدع في قدر به ماء ثم قام برفع درجة حرارة الماء ببطء إلى أن وصل لدرجة الغليان، فكانت النتيجة هي موت الضفدع!!! لأنه عجز عن أن يلاحظ التغيّر الذي طرأ على رجة حرارة الماء. لكن لو تم وضع الضفدع مباشرةً في قدر يغلي من الماء، فإنه سُرعان ما يدرك هذا التغير المفاجئ ليفر من هذا الماء المغلي. ولكن حينما كان التغير في درجة الحرارة بطيء (أي بمعدل: ٠.١٢ درجة مئوية لكل دقيقة)، لم يشعر الضفدع بحركة الزمن فتلاشى إدراكه للخطر وبدأ يحاول التكيف حتى فارق الحياة. ذلك الزمن والإدراك (*٢).

ومن آثار الوقت علينا، قدرته على تشكيل وصياغة سلوكياتنا اليومية. مثال ذلك، دراسة في علم النفس الاجتماعي. تم تنفيذها على طلاب راغبين بالانضمام إلى مشروع تطوعي في المدينة. ولكي يتم قبول الطالب في هذا البرنامج، يلزَمُه إلقاءُ خُطبةٍ بيانيّةٍ عن أهمية التطوع في حياته أمام لجنةٍ من أساتذة المشروع التطوعي في تلك المدينة، ثم بعد ذلك يتم تقييم الطالب بناءً على وعيه بمفهوم التطوع ودوره كمتطوع. وقبل أن يتم عرض الطلاب على اللجنة، تم استدعاؤهم ليتدربوا على الإلقاء في قاعة منفصلة. وبعد انتهاء كل طالب من التدريبات الخطابيّة يتم إخباره بأحد أمرين: ١) إمّا أن يقال له، لم يتبقى على وقت الإلقاء إلا عشرة دقائق فقط، وأن اللجنة في مبنى آخر بالانتظار. ٢) أو يتم إخبار الطالب أن اللجنة ستكون في المبنى الآخر بعد نصف ساعة. الطلاب الذين لا يمتلكون من الوقت إلا عشرة دقائق خرجوا مسرعين للقاعة الأخرى وتفاجئوا في طريقهم بشخص (ممثل مع الباحث) يتظاهر بالمرض الشديد وفي حالة حرجة وأنه يطلب المساعدة من هذا الطالب الذي لا وقت لديه. أليس هذا الطالب يطمح في أن يلتحق بنادي المتطوعين. أليس هو ذاهب ليلقي خطاباً عن أهمية التطوع في الحياة؟ ماذا إذاً عن الواقع العملي لهؤلاء المتطوعين مع حالة مفاجئة كهذه التي أمامهم؟ كانت النتيجة مفاجأة، حيث خلصت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين كانوا يمتلكون من الوقت نصف ساعة، جميعهم استطاعوا أن يقدموا العون لهذا الإنسان. بينما ٩٠٪ من أولئك الذين كانوا في عجلةٍ من أمرهم تجاهلوا هذا الإنسان المتظاهر بالمرض. الفرق بين المجموعتين هو عامل الوقت فقط. بل إن هناك دراسة أخرى أشارَت إلى أن الناس الذين يعيشون في المدن التي تتميز بسرعة إيقاع الحياة فيها، يكونوا أقل إيثاراً من أولئك الذين يعيشون في البلدان ذات الإيقاع الحياتي البطيء. أنظر لنفسك حينما تكون في عجلة من أمرك وقارن ذاتك بذاتك حينما تكون في هدوء وكأنك قد ملكت الزمان. في الحالة الأولى نراك عاجزاً عن قراءة ملامح الناس من حولك. وقتك المختنق يقف بينك وبين إدراكك لمن حولك. ووقتك المتناهي في البُطء أيضاً يُعرقل ويعيق عملية الإدراك بما هو مُحيط بك. فأنت لا تدرك حركة الزهور من انقباضها إلى انبثاق أزهارها. إنما تراها إمّا منقبضة أو منبثقة. وكأنك عاجز عن الملاحظة فيما بين البداية والنهاية. إحساسك بالزمن يحتاج إلى دُربَةٍ يومية. نحن في حاجة إلى تحقيق [التوازن في الشعور بالزمن]. ألاّ تقع في البُطء الزمني العميق فلا تُدرك أي شيء وبذلك لا تستطيع أن تشعر بمن حولك من الناس ولا تُؤْثِر لهم من وقتك شيئا. لأنه مع انمحاء إدراكك لا يصبح إيثارك ممكناً.  وكيف تُؤْثِر لأمر لا تُدركه. وأيضاَ، لا تقع في الزمن السريع فيضعف انتباهك لما هو حولك. الوعي بالزمن مهارة يجهلها الكثير. أتذكر يوماً، حينما أخذني أحد أصدقائي إلى المطار لرحلة دولية. وكنت متأخر جدا. وكان صديقي يُريد أن يشرح لي فكرة مهمة قد وقع عليها في كتاب ثمين. وفي منتصف شرحه توقف عن الاسترسال في الحديث. لأنه أدرك حينها أن إدراكي له وانتباهي لحديثه قد اضمحل. كل تركيزي كان على الوقت. كنت أتنفس السرعة.

وفي الزمن أيضاً تُخلق انتماءاتُنا وأفراحنا وآلامُنا. وتُصاغ هُوياتُنا. عليك أن تدرك أن الزمن لم يبدأ بيوم ميلادك ولن ينتهي بموتك. وأنه أيضاً لم يبدأ بتاريخ احتلال فلسطين أو سقوط بغداد أو حتى ببداية التاريخ الهجري. الزمن أيضاً كان موجوداً قبل ميلاد المسيح عليه السلام. بدايتك أنت وحدك في الزمن، تجعلك تنتمي إليه بطريقة تختلف فيها عن كل الآخرين. قد لا تنسى زمن تلك الفرحة في حياتك. وتذكر دائما زمن ذلك الألم الذي اليوم هو جُزء من حياتك. نحن ننتمي لهذا الزمن وتَتَحدّدُ هُويتُنا من خلال انتمائنا للوقت. ونصنع من ذلك التاريخ. ونحتفل بالذكريات كل عام حينما نَمُرُّ بخط الزمن مرة أخرى. ولكن عليك أن تحذر من أن تتفتت هويتك وتخسر ما تتميز به أزمانك عن أزمان الآخرين. ومع هذه السنة الميلادية الجديدة، أجد الكثير يحتفلون بها وانتماؤهم الزمني للتاريخ الهجري أكثر من أي تاريخ آخر.  لم يحسب الزمان يوما ببدء يناير أو بانتهاء ديسمبر. وإنما سنته دائما تبدأ بمحرم وتنتهي بذي الحجة. لست معترضاً هنا إطلاقاً على الاحتفال برأس السنة، ولكن سؤالي هنا حول هُوية الإنسان في هذا الزمان وبالنسبة إليه. أتفّهم دوافع الإنسان الذي يحتفل بالتاريخين: الهجري والميلادي معاً. ولكن سؤالي: كيف لإنسان، مثلاً، لم يعلم يوماً مّا بعيد الهالووين أو عيد الشكر أو عيد الكريسمس، ثم نجده يحتفل بكل عيد منها على الرغم من أنه لا يمتلك لكل عيد لحظة زمنية في حياته وتنشئته. لا يمتلك ذاكرة وجدانية لتلك التواريخ في مُخيّلته. ومرة أخرى، ليست المشكلة في احتفاله، وإنما المشكلة في عدم احتفاله بما ينتمي له هو. أهي نسيان منه بتاريخه النفسي؟ أم أن زمنه الذي يحياه أقل شأناً من الأزمنة الأخرى؟ أم هي مجرد دافع لمتابعة من حوله من المتأثرين بأزمنةٍ ليست من أزمنتهم؟ أترك هذا للتساؤل ولا أُقدم له جواباً. وختاماً، الزمن بحرُ الحياة، والإنسان في الزمن كالسمكة في الماء (*٣). في حين أن السمكة لا تدرك وجودها في الماء، كذلك الزمن في حياة الإنسان. يعيشه ولا يدرك حقيقته أو ماهيّته. ولا يصبح الإنسان واعياً ومدركاً بهذا الزمن إلا في لحظات قصيرة ومحددة. كموت صديق أو قريب. أو أن نشهد مأساةً ماحقةً كتاريخ حرب. هناك، دائماً ما نكون أكثر وعيا بالزمن. تلك هي لحظات وعي السمكة بالماء حين تغادره. تعلم حينها السمكة أن الماء هو الحياة. وكذلك زمن الإنسان هو حياته التي يقضيها على هذا الكوكب.

المراجع

(١) http://news.harvard.edu/gazette/story/1999/07/human-biological-clock-set-back-an-hour/

(٢) Seitz, R. (2008, April 22). Eureka Revisited. Wall Street Journal, p. 14.

(٣) The Time Paradox: The New Psychology of Time That Will Change Your Life

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف