آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

صعود دبلوماسية طالبان والسباق الجيوسياسي بين الحركة والحكومة الأفغانية

الاحد 10 ربيع الثاني 1438 الموافق 08 يناير 2017
صعود دبلوماسية طالبان والسباق الجيوسياسي بين الحركة والحكومة الأفغانية
 


ذا ديبلومات

منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الأفغانية، بلغ السباق بين طالبان والحكومة ذورته. ووسعت طالبان دائرة علاقاتها مع روسيا والصين وإيران وبعض دول وسط آسيا والشرق الأوسط، كذلك المنظمات الدولية، لعكس تأثير المقترح المضاد للإرهاب، من الرئيس الأفغاني أشرف غاني.

وهناك عدد من الدوافع البينة، خلف تواصل طالبان: لتقليل المفاهيم الخاطئة والقلق بشأن طالبان، ولتغيير الرأي العالمي حولها، ما يعد حاليا ضدهم، وللحصول على الدعم في حربها ضد احتلال أمريكا، وللتفاوض بشأن استبدال السجناء، والنقاش بشأن عملية السلام الأفغانية.

كانت طالبان ناجحة في كسب قلوب وعقول الصين وروسيا. واتفق ثلاثة دول (روسيا والصين وباكستان)، خلال اجتماع عُقد في موسكو أواخر ديسمبر الماضي، على اتجاه مرن، في إزالة بعض الأشخاص من قائمة العقوبات، كجزء من الجهود لإحلال محادثات السلام بين “كابول” وحركة طالبان. وقبل شهرين، استعجل غاني الأمم المتحدة، لإضافة قائد طالبان لقائمة المعاقبين. ومؤخرًا أكد السفير الروسي في أفغانستان شائعات تواصل موسكو مع طالبان.

لفهم السباق السياسي بين طالبان والحكومة في كابول، هذا المقال يركز على ثلاثة مستويات للسياسة الدبلوماسية للرئيس الأفغاني أشرف غني، ورد فعل طالبان، والوضع الحالي لعلاقات طالبان مع دول مهمة في المنطقة.

ثلاثة مستويات للسياسة الدبلوماسية للرئيس الأفغاني

بافتراض أن السياسة الدبلوماسية على ثلاثة مستويات للرئيس الافغاني، تهدف إلى ضمان بقاء حكومته، وتدمير المتمردين مثل طالبان، أو جلبهم لطاولة المحادثات.

المستوى الأول: إصلاح العلاقات مع الغرب

على عكس الفترة الماضية لحامد كرازي، فإن السياسة الخارجية للغني أصبحت موالية للغرب خصوصًا لأمريكا. وقّعت حكومة الوحدة الوطنية تتفاقيات إستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو خلال 24 ساعة من تشكيلها. علاوة على ذلك أعطيت القوات الأمنية الأجنبية إذن إعادة بدء الغارات الليلية.

إضافة لذلك، فإن حكومة الوحدة الوطنية ظلت صامتة على الهجمات العسكرية الأمريكية على المدنيين وقوات الأمن الأفغانية. على سبيل المثال، لم تنتقد العسكرية الأمريكية على ضرباتها ضد مستشفى أطباء بلا حدود في كندوز في أكتوبر 2015، أو على استهداف المدنيين في نوفمبر 2016. كذلك أصدرت الحكومة الأفغانية تصريحًا بشأن أحد التفجيرات، التي اعتذر عنها أوباما . إذا حدثت هذه الأفعال تحت حكم كرازي، كان سنرى رد فعل وانتقاد للولايات المتحدة الأمريكية.

في المقابل، فإن حكومة الوحدة الوطنية أثرت في قرارات أوباما، بشأن خطط الانسحاب وعدد القوات التي ستبقى في أفغانستان. واستمرت واشنطن والاتحاد الأوروبي في الدعم المادي والعسكري والدبلوماسي لحكومة الوحدة الوطنية. على سبيل المثال، قبل زيارة غني الأولى للولايات المتحدة في مارس 2015، فإن أحد كبار المستشارين بشأن أفغانستان وباكستان لدى مجلس الأمن، قال إن علاقات أمريكا وحكومة الوحدة الوطنية، تختلف عن تلك العلاقة خلال فترة حكم كرازي. وقال أوباما – في أثناء وقوفه بجانب نظيره الأفغاني في أحد المؤتمرات المشتركة- إن هناك علاقات احترام وصداقات متبادلة بين البلدين. وعبر أيضًا عن أمله أن زيارة غاني ستكون فرصة لبدء صفحة جديدة بين الأمتين. ولاحقًا في يوليو 2016، أشاد السكرتير الصحفي لدى البيت الأبيض بـ”غني”، ووصفه بأنه شريك أفضل من كرازي.

ولم تكن حكومة الوحدة الوطنية ناجحة فقط في التأثير على القرارات الأمريكية في الانسحاب، لكنها حصلت على تعهدات إضافية للمساعدة للقوات الأمنية الأفغانية في مؤتمرات بروكسل ووارسو والتى أقيت في 2015 و 2016.

المستوى الثاني: تشكيل توافق إقليمي ضد الإرهاب.

بعد تقارب العلاقات، وتمهيد الطريق لمستقبل علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة والناتو، حاول غاني الحصول على الدعم من دول المنطقة بشن حرب كابول ضد طالبان “وجماعات متمردين آخرين”. مع هذا الدافع، قام غني بزيارات غير رسمية للسعودية، ثم إلى أول زيارة رسمية خارجية له للصين، ثم باكستان وإيران وروسيا.

زيارات غاني والتواصل الإقليمي والأهداف الأربعة الرئيسية.

أولاً لإقناع باكستان، ثم طالبان، للجلوس على طاولة الاتفاقيات. سعى غني لاستغلال الصين والسعودية وتركيا، لإقناع باكستان، لجلب طالبان في محادثات سلام. حتى لو لم تنضم طالبان للمحادثات، أمل غني أن باكستان ستحاول التأكد من أن الجماعة لن تستخدم أراضي باكستان ضد أفغانستان.

ثانيًا: أراد غني التأكيد لشركاء المنطقة، أن الحرب المستمرة في أفغانستان، ليست حربًا أفغانية، لكنه صراع نُفذ في الدولة. هناك العديد من الجماعات غير الأفغانية الموجودة في أفغانستان، الذين يأتون من روسيا والصين وباكستان ووسط آسيا ودول الشرق الأوسط. وبالتالي يجب على جميع دول المنطقة أن تساعد أفغانستان في حربها ضد المتمردين. سعى غني أيضًا لإقناع دول المنطقة أن الإرهاب وعدم الأمان، يمثلان عائقًا لتطور المنطقة.

ثالثًا: ظهور داعش في أفغانستان، كان عاملًا آخر جذب انتباه دول المنطقة. طموح داعش يمتد حدود أفغانستان ويصل إلى باكستان وإيران ووسط آسيا والصين.

أخيرًا: محاولة غاني جلب الدعم من كل تلك الدول للأمن الأفغاني، ومنهم روسيا والهند. علاوة على ذلك، فإن غني جلب علاقات أمنية مع الصين إلى مستوى جديد.

خلال السنة الأولى لحكومة الوحدة الوطنية، فإن الحكومة الأفغانية بدت كأنها ناجحة في جلب الدعم من دول المنطقة، لكن أشارت الأحداث الأخيرة إلى انتكاسات، ربما بسبب نظريات المؤامرة، التى تزعم أن الحكومة الأفغانية وواشنطن كانا خلف ظهور داعش في أفغانستان، لزعزعة استقرار الصين وروسيا. مؤخراً فإن روسيا والصين وباكستان عقدوا مؤتمرًا ثلاثيًا بشأن أفغانستان، دون وجود للحكومة الأفغانية، ما يؤدي لظهور تساؤل: هل يستطيع غني جلب الدعم من هذه الدول مرة آخرى؟

المستوى الثالث: التخلص من قرار طالبان الديني

يعد مستوى مهمًا في إستراتيجية أشرف غني، بسبب أن الدوافع الدينية لطالبان تعد عاملًا لحرب طالبان المستمر. يعتبر ذلك أمرًا دينيًا ونداء للجهاد، الذي يساعد في تجنيد المزيد من الجنود في طالبان، ويعد أمرًا مهمًا في التمويل. ورفضت الحكومة الأفغانية دعوات طالبان الدينية للقتال ضد الاحتلال الأجنبي، لكنها تعلم مدى قوة وتأثير هذه الدعوات في الحرب المستمرة. لذلك فإنه بدءً من حكم كرازي، حاولت كابول تنظيم مؤتمرات دولية لشخصيات إسلامية، للتركيز على الحرب في أفغانستان، على أمل أن هذه الشخصيات سترفض وتدين الحرب المستمرة، خصوصًا وجود الجنود الأمريكيين في أفغانستان.

لكن هذه الجهود فلحت الآن. منذ عدة أشهر تم تخطيط أن الدول الإسلامية ستدعو لمؤتمر سلام بشأن مسألة الجهاد في جدة، لكن بعد رد فعل طالبان القوي، تم تأجيل هذا المؤتمر.

علاوة على ذلك، آملت حكومة أفغانستان أن اتفاقية السلام مع حزب الإسلامي، ستؤثر على تبريرات طالبات الدينية للقتال المستمر. لكن هذه الاتفاقية لم تؤثر كثيرًا على طالبان.

رد فعل طالبان على تحدى أشرف الغني

أسرعت الجماعة من جهودها العسكرية والدبلوماسية. وكان رد فعل طالبان على توقيع اتفاقية أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة والناتو دموي.ا وقاتلًا. خلال 12 يومًا من هذا التوقيع، نفذت أكثر من تسع عمليات انتحارية في كابول، على الرغم من عدم تحمل طالبان مسؤوليتهم جميعًا. وفي الأعقاب أوقفت طالبان التفريق بين هجماتها في الربيع والشتاء. هذه التغيرات التكتيكية أصبحت مسؤولة عن أرقام تاريخية في الخسائر، سواء على مستوى الأمن الأفغاني، أو المدنيين.

من جهة دبلوماسية، من أجل تقليل تأثير مبادرات الغني، زار ممثلون عن طالبان، الصين وإيران وبعض دول آسيا، وقابلوا مسؤولين روس هناك. وحاولت طالبان اجتناب باكستان للابتعاد عن الاعتقالات.

في ذات الوقت، بعد ظهور داعش ومنافسته مع طالبان، فإن الحركة الأفغانية أصدرت بيانات مكررة بشأن أفغانستان. ولطمأنة جيرانها القلقين، أكدت طالبان أنها تحترم بشكل تام الحدود الجغرافية والسيادة، مؤكدين أنهم لن يشنوا هجمات على دول المنطقة. ووفقاً لبعض المصادر، أينما قابلت طالبان دول المنطقة، مثل روسيا وإيران والصين، فإن قادتهم يشيرون إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان ضد مصالحهم، لذلك فإنهم يساعدون طالبان.

هذه المناقشات كانت عامل جذب للدعم الروسي والإيراني وحتى الصيني. عندما يأتي الأمر للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، كذلك بعض الميليشيات التي تريد ما هو أكثر من أفغانستان، فإن هذه الأمم يتشاركون في المصالح مع طالبان.

عندما يأتي الأمر لأهداف غني من عقد مؤتمر سلام بشأن القرارات الدينية في الحرب المستمرة في أفغانستان، فإن طالبان أعطت ردًا معاكسًا قويًا. أصدرت طالبان خطابًا ووجهت قلقها لمنظمة الدول الإسلامية، بشأن عقد مثل هذا المؤتمر. علاوة على ذلك، فإن طالبان أصدرت بيانات أخرى قبل مؤتمرات بروكسل ووارسو، أن الدول الغربية لا يجب أن تدعم الحكومة الأفغانية، عسكريًا أو إقتصاديًا.

الموقف الدبلوماسي النشط لطالبان

من خلال اللجنة السياسية لطالبان، ومؤخرًا من خلال مكتبها السياسي بقطر، تمكنت من إنشاء عدد من الاتصالات والعلاقات مع المنطقة، وما هو أبعد مثل ألمانيا (التي مهدت الطريق لافتتاح مكتب قطر) وفرنسا والنرويج والصين وروسيا وإيران وتركيا والسعودية وتركمانستان. بعض من هذه الدول لديها تواصل مع الحكومة في كابول، كذلك طالبان.

السعودية

من المثير للاهتمام أن علاقات الحكومات الأفغانية مع السعودية، أفضل من علاقات الأخيرة مع طالبان. أولاً وفقاُ لمصدر من طالبان في 2009، فإن طيب أغا، الذي كان رئيس اللجنة السياسية لطالبان حينها، زار السعودية وطلب أن توافق الرياض على إقامة مكتب سياسي بها، لكن الرياض وضعت شرطين: أولا قطع طالبان علاقتها مع القاعدة وتنديد أفعالهم، كذلك الاعتراف بالدستور الأفغاني والمشاركة في الانتخابات. رفضت طالبان كلاهما، بالتالي فإن العلاقات بينهما لم تكن جيدة. كذلك فإن روابط طالبان مع إيران، عدو السعودية، أثرت بشكل كبير.

على جانب آخر، فإن غني زار السعودية ثلاثة مرات، وأصدر بيانات دعم لحرب السعودية في اليمن، كذلك يعد جزءًا من تحالف السعودية ضد الإرهاب. بالتالي عندنا يأتي الوضع للسعودية، فإن الحكومة الأفغانية تتفوق على طالبان. لكن تهديد داعش وتزايد التأثير الإيراني في أفغانستان، يمكن أن يُحسن العلاقات بين السعودية وطالبان.

روسيا

يمكن للجيوسياسة فعل الأهوال، الحالة الغريبة للعلاقات الروسية مع طالبان، مثال قوى على ذلك. مؤسس طالبان فقد عينيه خلال صراع ضد الروسيين، وجرح العديد من جنود طالبان. واجهت طالبان أيضًا معارضين مسلحين بدعم روسي، التي بدورها أجبرت طهران على الاعتراف بالشيشان، وإعطائهم الإذن لفتح السفارة الوحيدة في أفغانستان.

لكن الآن بعد 14 عامًا على الوجود الأمريكي في أفغانستان، أصبح الروسيون وطالبان أقرب من ذي قبل. ومن أحد عوامل انخفاض الثقة الروسية في كابول، قتال الحكومة ضد داعش. حيث اتهم عضو في البرلمان الأفغاني، مستشار الأمن القومي الأفغاني، للسماح بتزايد تهديد داعش في أفغانستان، ما يُمثل تهديد محتمل لروسيا.

في الوقت ذاته، الحرب الأمريكية الباردة مع روسيا في سوريا، أدت إلى تزايد علاقات روسيا مع طالبان، في الوقت الذي يزيد فيه علاقات أمريكا مع الحكومة الأفغانية.

إيران

بعد الميل تجاه السعودية، زار غني طهران، من أجل إعادة التوازن بين طهران والرياض في أبريل 2015. ومؤخراً زار مسؤول أفغاني إيران مرة آخرى. في أعقاب اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، رحبت أفغانستان بطهران، والجهود المتزايدة لتوقيع اتفاقيات ثلاثية مع إيران والهند. لكن على الرغم من كل هذا التقدم، فإن طهران تواصلت مع طالبان، بسبب تزايد تهديد داعش للشيعة، التي هددت مصالح إيران في سوريا والعراق.

الصين

تمتلك الصين سياسة محايدة تجاه أفغانستان، لكنها تميل أكثر تجاه الحكومة الأفغانية. العلاقات الثنائية بين أفغانستان والصين، تحت حكومة الوحدة الوطنية، أسهل وأكثر استقرارًا وأوسع. تحت حكم غني وافقت الصين للمرة الأولى على تقدم الدعم العسكري لأفغانستان، لكن كان الدعم معظمه غير قاتل. على جانب آخر، فإن ممثلي طالبان قاموا بزيارات عديدة للصين.

تركيا

زار إردوغان كابول، بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية . وزار غني ونائبه تركيا عدة مرات. تعتبر تركيا شريكًا في ممر عبور أفغانستان، ووقعت مشروع هذه الاتفاقية. في الوقت ذاته، تعتبر تركيا مأوى لبعض قادة طالبان كذلك تمتلك تركيا وجود عسكري في أفغانستان، لكنها لا تقاتل ضد طالبان. تمتلك تركيا علاقات مع الحكومة الأفغانية.

خاتمة

لم يكن تأثير حكومة الوحدة الوطنية، السبب الوحيد لتوسيع طالبان من علاقاتها مع دول المنطقة. حيث إن لدى طالبان هدفًا آخر منذ تشكيل مكتبها السياسي في قطر. لكن تحت حكم غني زادت علاقات طالبان مع دول المنطقة، وزادت جهودها الدبلوماسية.

استغلت طالبان الوضع الجيوسياسي، وأصبحت لديها علاقات جيدة مع إيران وروسيا والصين وغيرها. وتمتلك الحكومة الأفغانية علاقات ثنائية أكثر من طالبان، لكن تمكنت الجماعة من تخريب محاولات غني، لكسب دعم عسكري وأمني من جيرانها. لكن تعد الهند استثناء من ذلك.

(التقرير)

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف