فالشّذوذ: مصدر شذّ يَشِذُّ شذوذًا: وهو المنفرد عن غيره، أو الخارج عن الجماعة، وفي اصطلاح بعضهم: الشّذوذ هو: التّفرّد بقول مخالف للحقّ بلا حجّة معتبرة.
والشّاذّ يكون في اللّغة وفي القراءة وفي الرّواية وفي الدّين فكرًا وفقهًا، وهو مقصودنا هنا.
والحكم بالشّذوذ على الأقوال مقام العلماء لا غير؛ فهم أعرف النّاس بالخلاف والأدلّة قوّة وضعفًا، لكن يمكن رصد بعض الضّوابط التي يمكن اعتبارها في وصف القول بالشّذوذ فمنها:
- إذا كان على خلاف النّصوص الصّريحة الصّحيحة.
- إذا سُبق بإجماع.
- إذا انفرد به صاحبه، ولم يتابعه عليه أحد، وضعف مأخذه فيه.
- إذا لم يجرِ عليه عمل العلماء وهجروه.
- إذا كان مخالفًا لأصول الشّريعة وقواعدها العامّة.
الشّذوذ من حيث مصدره:
الشّذوذ قد يصدر من طائفتين:
الأولى: بعض أهل العلم من السّلف والخلف، حين يذهب أحدهم إلى رأي يخالف به الدّليل الصّحيح الصّريح، أو يخالف الإجماع لسبب من الأسباب المذكورة في أسباب اختلاف العلماء، وهؤلاء ولأنّهم من أهل النّظر والاجتهاد فقد تأذّن الله تعالى بالعفو عنهم، بل بالأجر لهم على اجتهادهم، كما صحّ بذلك الخبر عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في حديث عمرو بن العاص يرفعه: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد).
والأخرى: طائفة من أهل الزّيغ والأهواء أو ممّن قلّ علمهم، وزادت جرأتهم على العلم، وهم قسمان:
الأوّل: يصنع ذلك لهوى شخصيّ حبًّا في الصّدارة والرّياء والسّمعة، وهؤلاء قريبون إلى الحقّ إذا ذُكّروا .
والآخر: هم أهل الزّيغ من المنافقين الذين يظهرون التّعالم، ويوردون المتشابهات ليشكّكوا النّاس في دينهم، ويضعفوا مستوى التديّن في قلوبهم.
وكلا القسمين يتّفقان على إهمال أصول أهل العلم والاتّكاء على أصول محدثة، قد يمليها عليهم الواقع المرير الذي تعيشه الأمة بتتبّع أقوال العلماء، فما ناسب منها روح العصر – زعموا – أخذوا به، ولو كان هذا القول شاذًّا لا يقوم على نصّ من كتاب الله تعالى، أو من سنّة رسوله- صلّى الله عليه وسلّم- ولا على إجماع أو قياس صحيح.
والنّتيجة المتحتّمة من صنيع هذا الصّنف هي تنحية الشّريعة عن الحياة؛ إذ هي غاية التعلّق بالآراء الشّاذّة.
وقد نقل القرطبيّ -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) عن ابن عطيّة قوله: وهذه السّبل تعمّ اليهوديّة والنّصرانيّة والمجوسيّة وسائر أهل الملل وأهل البدع والضّلالات من أهل الأهواء والشّذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمّق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلّها عرضة لزلل ومظنّة لسوء المعتقد".
الشّذوذ من حيث محلّه:
الشّذوذ من حيث محلّه يقع في ثلاث جهات:
الأولى: الشّذوذ في الفروع وهو ما تمّ الحديث عنه أولًا، وأكثر تحذيرات المتقدّمين منه.
والثّانية: الشّذوذ في التّأصيل والتّقعيد الفقهيّ:
والثّالثة: الشّذوذ في الفكر والاعتقاد:
فأمّا الشّذوذ في الفكر والاعتقاد فقديم، وقد نشأت الخوارج والقدريّة في عهد الصّحابة -رضي الله عنهم- ومن بعده تتابعت الفرق، وهي المشار إليها في حديث الافتراق، وإن طعن في ثبوت الحديث فإنّ الواقع يصدّقه، بل إنّ العلماء اشتغلوا لكثرة هذه الفرق بكيفيّة تنزيلها على عدد ثلاث وسبعين، وحتى الشّذوذ الإلحاديّ الذي نرى ظواهره اليوم ليس بغريب على متقدّمي هذه الأمّة خاصّة بعد تداول كتب الفلسفة، والتّعامل مع هذه يكون وفق الشّريعة بالتّذكير بهداية القرآن وحججه العقليّة، وأيضًا من خلال النّظر الصّحيح والأدلّة العقليّة التي تزيل الشّبه.
وأما الشّذوذ في التّأصيل الفقهيّ، فالمقصود به الشّذوذ في القواعد التي تُبنى عليها الأحكام؛ كالدّعوة إلى انفلات الاجتهاد من القيود المتعلّقة بالمجتهدين، أو المتعلّقة بالأدلّة، وتشبيه تلك القيود التي وضعها الأئمّة باحتكار رجال الكنيسة النّصرانيّة لحقّ تفسير النّصوص الإنجيليّة، وبناءً على ذلك بنيت جعلوا لأنفسهم الحقّ في التّأصيل والتّقعيد للأحكام، ولا شكّ أنّ غاية ذلك هو التّنصل من الشّريعة وإن ألبس ثوب التّجديد والإصلاح، وقد تولّى كِبر هذا من يُسمّى بالعصرانيّين (نسبة إلى الاتّجاه المسمّى "العصريّة MODERNISM ")، يروّج لها عصابة من الكتّاب يتسترون بالتّجديد، وعامّة كتاباتهم صدًى لما يدور في الدّوائر الغربيّة المترصّدة للإسلام وحركته، وربّما يكشف الزّمن عن صلات أوضح بينهم وبينها – كلّهم أو بعضهم – على غرار ما جاء في بعض تقارير (راند)، وأصول فكرهم ملفّقة من مذاهب المعتزلة والرّوافض، وبعض آراء الخوارج، مع الاعتماد على كتب المستشرقين والمفكّرين الأوروبيّين عامّة، وهدفه هدم القديم أكثر من بناء أيّ شيء جديد.(1)
وتتلخّص أفكارهم في:
1- تطويع الإسلام بكلّ وسائل التّحريف والتّأويل والسّفسطة لكي يساير الحضارة الغربيّة فكرًا وتطبيقًا.
2- إنكار السنة إنكارًا كلّيًّا أو شبه كلّيّ، أو تقسيمها إلى تشريعيّة وغير تشريعيّة.
3- التّقريب بين الأديان والمذاهب .
4- تبديل العلوم المعياريّة "أصول الفقه، وأصول التّفسير، وأصول الحديث" تبديلاً تامًّا، وفرّعوا على ذلك إنكار الإجماع والاعتماد على الاستصحاب الواسع والمصالح المرسلة الواسعة – كما يسمّونها – في استنباط الأحكام واعتبار الحدود تعزيزات وقتيّة.
5- الإصرار على أنّ الإسلام ليس فيه فقه سياسيّ محدّد، وإنما تُرك ذلك لرأي الأمّة، بل وسّعوا هذا فأدخلوا فيه كلّ أحكام المعاملات، فأخضعوها لتطوّر العصور، وجعلوا مصدرها الاستحسان والمصالح الواسعة.
6- - تقديم المصلحة أو الواقع على النّص.
7- تتبّع الآراء الشّاذّة، والأقوال الضّعيفة، والرّخص والتّلفيق المذهبيّ، واتّخاذها أصولاً كليّة، والاستفادة من آراء كافّة الفرق والمذاهب التي نشأت في التّاريخ الإسلاميّ، على اختلاف توجّهاتها السّنيّ منها والبدعيّ.
وكمثال على هذا يدعو أحدهم إلى: (التّسليم بكل ما قالت به المدارس الفقهيّة على اختلافها وتناكرها حتى الضّعيف فيها، وبقطع النّظر عن أدلّتها، واختزانها في مدوّنة منسّقة حسب الأبواب كمجموعة (جوستنيان)، وأعني كلّ ما أعطت المدارس: الإباضيّة والزّيديّة والجعفريّة والسّنيّة من حنفيّة ومالكيّة وشافعيّة وحنبليّة وأوزاعيّة وظاهريّة ... وذلك يجعل هذه الثّروة الفقهيّة منجمًا لكلّ ما يجدّ ويحدث، ويتأسّس على هذا المقترح أنّه في حال ما إذا واجهتنا مشكلة من المشاكل اليوم، أو نازلة من النّوازل نأخذ الحلّ من هذا المنجم الفقهيّ بقطع النّظر عن قائله أو دليله، وبتغيّر الظّروف يتغيّر الحكم المعتمد) (2).
ومن مواليد هذا الطّرح التّلفيق وهو القول بالصّحّة أو الجواز في مسألة واحدة تشهيًّا بتقليد أكثر من مذهب، ويكفي في تصوير بشاعة هذا المسلك هذا الموقف الذي يشير إليه العلاّمة السفاريني حيث يقول: (وهذا باب لو فُتح لأفسد الشّريعة الغرّاء، ولأباح جُلّ المحرّمات، وأيّ باب أفسد من أن يبيح الزّنا وشرب الخمر وغير ذلك؟ فإن قلت: ما وجه إباحة الزّنا؟ قلنا: يمكن أن يصدق الرجل امرأةً لا زوج لها ولا عدة، أو بنتًا بالغة عاقلة، فيراودها عن نفسها فتجيبه لذلك، فيقلّد أبا حنيفة في صحّة عقدها على نفسها فإنّه لا يشترط الوليّ.... ثم يقلد مالكًا في عدم اشتراط الشّهود؛ فإنّه لا يشترط الشّهود كما نُقل عنه، فهذا الرّجل قد أمكنه أن يزني بحرمة، ولا جرم عليه ....وهذا لا يمكن أن يقول به عاقل)(3).
ثم ذكر العلاّمة السفاريني صنعة الشّاعر الفاسق أبو نواس حين أباح الخمر بالتّلفيق؛ حيث زعم أنّ الشّافعيّ لا يفرّق بين الخمر والنبيذ فيرى تحريم الجميع، وأبو حنيفة يرى التّفريق فأباح النّبيذ دون الخمر.
فقال – أي أبو نواس -: أنا أقول بقول الشّافعيّ في عدم التّفريق، ولا أقول بقوله في التّحريم، وأقول بقول أبي حنيفة في التّفريق، وأقول بقوله في إباحة النبيذ- أي فيُباح الخمر لعدم الفرق(4).
موقف المسلم من الشّذوذ الفقهيّ والمنهجيّ:
يختلف هذه الموقف باعتبار مصدري الشّذوذ المشار إليهما سابقًا، فإن كان الشّذوذ قد وقع ممّن هو من أهل الاجتهاد فللمسلم حيال ذلك أمران لابدّ منهما:
الأوّل: أن يحفظ لأولئك مكانتهم وقدرهم وسابقتهم في العلم والعمل ما داموا أهل نظر واجتهاد، فإنّ وقوع الخطأ منهم لا يُنقِصُ من فضلهم شيئًا.
الثّاني: ألاّ يتابعهم فيما استبان له أنّه خلاف الحقّ.
يقول الذهبيّ عن الأوّل: (ولو أنّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه، وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحقّ، وهو أرحم الرّاحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة))(5).
وقال القرطبيّ عن الثّاني: (وإذا زلّ العالم لم يجز اتّباعه، ورُدّ إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يُردّ من زلّ منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار)(6).
وقد جمعهما الصنعاني - رحمه الله تعالى- بقوله: (وليس أحد من أفراد العلماء إلاّ وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب)(7).
وقال عمر -رضي الله عنه- لزياد: (هل تدري ما يهدم الإسلام: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمّة مضلّون)(8).
وأما شذوذات المتعالمين:
الذين سمّاهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الرؤوس الجهّال في قوله: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتّخذ النّاس رؤوسًا جهّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا) (9). فهؤلاء مأزورون غير مأجورين، بل صنيعهم هذا من أكبر الكبائر كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ).
فهؤلاء أيضًا لا يُتابعون على شذوذهم لكن يغلظ عليهم في الإنكار، حتى وإن أبدوا في شذوذهم الاستدلال ببعض النّصوص، فإنّهم لا يعدمون نصوصًا من الكتاب أو السّنة يوردونها على النّاس ليلبسوا بها عليهم، ليس غرضهم منها إلاّ تقوية ما يهوون من ذلك:
وكم من فقيهٍ خابطٍ في ضلالةٍ وحجّتُه فيها الكتابُ المنزّلُ
وهؤلاء لا يأخذون الأدلّة مأخذ الافتقار للهدى، وإنّما لتقوية ما يهوون الذّهاب إليه(10).
العمل بالشّاذّ:
متى تحقّقنا من شذوذ القول فإنّ العمل أو الفتيا أو القضاء به لا يجوز، وقد نصّ على هذا الأئمة في مواضع من كتب الفقه وأصوله.
يقول الإمام القرافي: "كلّ شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد أو النصّ أو القياس الجليّ السّالم عن المعارض الرّاجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للنّاس، ولا يفتي به في دين الله تعالى". [الفرق 78 في كتاب الفروق].
وقد سعى طوائف من هؤلاء برغبة أو برهبة - في نشر فتاوى رخيصة يجمعها التحلّل من قيود الشّرع وتمييع الشّريعة، والبحث عن محبّة النّاس وثنائهم، نسأل الله الثّبات والعصمة من الفتنة، وصدق الله تعالى إذ يقول عن مروّجي الفتنة من قديم: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا).
قال الإمام القرافي بعد أن ذكر شروط التّخريج على أقوال الأئمة: "فالنّاس مهملون له إهمالاً شديدًا، ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى، والتّخريج على قواعد الأئمّة من غير شروط التّخريج والإحاطة بها، فصار يفتي من لم يحط بالتّقييدات والتّخصيصات من منقولات إمامه، وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممّن يتعمّده". انظر كتاب الفروق [الفروق 78].
الاحتجاج بالخلاف:
مجرّد الخلاف ليس عذرًا للتشهّي في الأقوال والأخذ بأيّ منها؛ إذ من المعلوم أنّ هذا ليس مسلكًا من مسالك التّرجيح عند العلماء.
وأيضًا؛ فإنّ في مسائل الخلاف ضابطًا قرآنيًّا ينفي اتّباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).
ومردّ من يصنع هذا أن يتتبّع رخص المذاهب الاجتهاديّة وتتّبعها والجري وراءها يعتبر هروبًا من التّكاليف، وتخلّصًا من المسؤوليّة، وهدمًا لعزائم الأوامر والنّواهي، وجحودًا لحقّ الله في العبادة، وهضمًا لحقوق عباده أمّا حديث: (إنّ الله يحبّ أن تُؤتى رخصه) فالمقصود ما تصدّق الله به على عباده، وجاءت النّصوص بالتّخفيف فيه؛ كالقصر للمسافر، والجمع للعذر، وأكل الميتة للاضطّرار، ونحو ذلك.
وقد اعتبر العلماء هذا العمل -أعني تتبّع الرّخص- فسقًا لا يحلّ(11)، وحكى ابن حزم الإجماع عليه(12). ونقل عن غيره: لو أخذت برخصه كلّ عالم اجتمع فيك الشّرّ كلّه(13).
وقال الإمام أحمد: (لو أنّ رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النّبيذ، وأهل المدينة في السّماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا)(14).
وقال الأوزاعي: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام)(15).
وروى الخطيب في الجامع بسنده عن إبراهيم بن أدهم قال: (إذا حملت شاذّ العلماء حملت شرًّا كثيرًا). [الجامع 2/160].
وقال ابن حزم - رحمه الله تعالى- في كلامه على أنواع الاختلاف: (وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدّين، وقلّة التّقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل؛ فهم يأخذون ما كان رخصة من كلّ قول عالم مقلّدين له، غير طالبين ما أوجبه النّصّ عن الله تعالى، وعن رسوله صلّى الله عليه وسلّم).(16).
ويقول الذهبي رحمه الله-:(من تتبّع رخص المذاهب وزلاّت المجتهدين فقد رقّ دينه)(17).
وقال الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ( ت 1293هـ) فيمن أجاز الاستنصار بالمشرك على الباغي المسلم: (ومن هجم على مثل هذه الأقوال الشّاذّة، واعتمدها في نقله وفتواه فقد تتبّع الرخص، ونبذ الأصل المقرّر عند سلف الأمّة وأئمّتها..... وما أحسن ما قيل:
والعلمُ ليس بنافعٍ أربابَه ما لم يفدْ نظرًا وحسْنَ تبصّر(18).
وهذا من منازل العبوديّة، أمّا تتبّع رخص المذاهب وشاذّ العلم فهو من نواقضها. قال الشّيخ الهرويّ – رحمه الله تعالى – في منزلة الرّغبة من منازل العبوديّة: (وتمنع صاحبها من الرّجوع إلى غثاثة الرّخص).
قال عبد الرحمن بن مهدي: (لا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشّاذّ من العلم، ولا إمامًا في العلم من روى عن كلّ أحد، ولا يكون إمامًا من روى كلّ ما سمع). (19).
ولو أنّ إنسانًا أخذ بكل شواذّ الأقوال وغرائبها لربما خرج من الدّين، وهو لم يخرج بعد من أقوال العلماء (20).
قال ابن القيّم – رحمه الله تعالى –شارحًا لذلك: (أهل العزم بناء أمرهم على الجدّ والصّدق، فالسّكون منهم إلى الرّخص رجوع وبطالة).
وليس كلُّ خلافٍ جاء معتبرًا إلاّ خلافٌ له حظٌ من النّظرِ
يقول الشّاطبي - رحمه الله -: (لا يصحّ اعتمادها خلافًا في المسائل الشّرعيّة؛ لأنّها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد".
ويقول أيضًا: "فأقوال أهل الأهواء غير معتدّ بها في الخلاف المقرّر في الشّرع".
استعمال الأقوال الشّاذّة في الأمور العامّة:
هذه من الإشكاليّات التي يُراد جرّ الأمّة إليها جرًّا، فإذا كان تتبّع الشّواذّ بالشّأن الذي رأيت لمن استهواها في خاصّة نفسه فكيف بمن يسعى إلى توسيع دائرتها وحمل النّاس عليها، كإلزام النّاس ببعض صور التّأمين المحرّمة، أو الرّبا المحرّم، أو حمل النّاس على التبرّج والاختلاط والسّفور، ونحو ذلك، وقد جرى شيء من ذلك عبر التاريخ كحمل بعض خلفاء بني العباس النّاس على القول بخلق القرآن.
الأقوال الشّاذّة بين الإهمال والتّرويج:
حكاية الأقوال الشّاذّة التي ليس عليها أثارة من علم، والاشتغال بها وبردّها مضيعة للوقت والجهد، وهو من التكلّف والخوض فيما لا طائل تحته، وإسقاطها أولى من الدّعاية لها، إلاّ أنّه متى اشتهر هذا القول الشّاذّ وسارت به الرّكبان، وتعلّق به أهل الأهواء، أو خُشي من ذلك؛ فإنّ في ذكره وبيان ضعف مأخذه من الكتاب والسّنة، ومن أقوال الأئمّة إسقاطًا له وإعذارًا إلى الله تعالى. كما كان الأئمّة يروون الأحاديث الموضوعة، ويُـدوِّنونها في كتبهم، ويُصرِّحون بكذب راويها تحذيرًا للأمّة، ولئلاّ تـُركّب الأسانيد الصّحيحة عليها.
بل إنّ في هذا المسلك حراسة للدّين، ودفاعًا عن حياض الشّريعة وسيرًا على نهج أوائل أهل السّنة والجماعة في ردّهم على كلّ مخالفٍ بمخالفته المذمومة، فلا يزهق الباطل إلاّ إذا قُذف بالحقّ كما قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).والله الموفّق.
للاستزادة يُنظر كتابي: الأقوال الشّاذّة في بداية المجتهد – وإرسال الشّواظ.

(1)هناك تنبّؤ بهذا في: ظاهرة الإرجاء للشيخ سفر الحوالي صفحة 85 –86.
(2)عبد الله العلايلي في: أين الخطأ ص 99.
(3)التحقيق في بطلان التلفيق ص 171.
(4)بتصرف من المصدر السابق ص174.
(5)سير أعلام النبلاء (14/40).
(6)تفسير القرطبي ج: 7 ص: 92 ( طبعة دار الشعب – القاهرة 1372 – تحقيق أحمد البردوني الطبعة الثانية).
(7)نقلا عن التعالم للعلامة بكر أبو زيد ضمن المجموعة العلمية ص 101.
(8)سنن الدارمي (1/167).
(9)متفق عليه، رواه البخاري، ك الاعتصام، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلّف القياس ، ورواه مسلم، ك العلم، باب رفع العلم وقبضه .
(10)الموافقات (3/77).
(11)الموافقات 4/140، شرح التنقيح ص 386، والمعيار 6/369، 381.
(12)مراتب الإجماع 175، الموافقات(4/134).
(13)الأحكام 6/179.
(14)جامع بيان العلم وفضله (2/927)، إرشاد الفحول (1/454)، عون المعبود (13/187).
(15)رواه عنه البيهقي في سننه الكبرى (10/211) طبعة الباز 1414هـ بتحقيق محمد عطا، وانظر إرشاد الفحول (1/454) .
(16)الأحكام في أصول الحكام(5/645).
(17) سير أعلام النبلاء (8/81).
(18) الرسالة التّاسعة من عيون الرّسائل للإمام عبد اللطيف آل الشيخ، وانظر الدرر السنية 9\295
(19) جامع بيان العلم وفضله (2/820) .
(20)ضوابط للدّراسات الفقهيّة للشّيخ سلمان العودة ص 84.