آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

فتات!

الاثنين 02 ذو القعدة 1436 الموافق 17 أغسطس 2015
فتات!
 


من طبيعة الإنسان البحث عن التجديد والتغيير، وهو في عملية اكتشاف مستمرة لأسرار هذا الكون والحياة، ولأن في كل مجتمع أناسا لديهم هاجس تغيير الآخرين من حولهم والتأثير فيهم بما يحملونه من أفكار ومعلومات وطاقات وتقنيات سواء كان ذلك للخير أم للشر؛ فإنهم لا يفتؤون غشيان الناس في نواديهم ومجالسهم.

ولعلي أركز في مقالي عن الأفراد الذين لديهم اهتمام بالشأن العام، و يكثفون الطرح في القضايا الفكرية والثقافية، وليكون التركيز دقيقا سأحاول الحديث عن الحقب الثلاث الماضية في السعودية.

كان الطرح يأتي: إما مشافهة على شكل محاضرات علمية في الجامعات أو محاضرات في المساجد، أو الدورات العلمية الشرعية، وثمة  لقاءات ثقافية وفكرية تقام في بيوت بعض أهل الأدب والثقافة، أو عن طريق النتاج العلمي من خلال البحوث والكتب المؤلفة، وكان على الجماهير المتطلعة للتغيير وزيادة الوعي تلقي هذا النتاج بحجمه الكبير؛ دون أي تذمر أو هروب بسبب طول المحتوى وعمقه، وبطبيعة الحال فإن الطرح كان علميا وعميقا وفي الغالب مؤصلا .

ثم ظهرت وسيلة (الفاكس) على الخط؛ لتزيد من سرعة وصول ما يريد الملقي قوله للجماهير، وهنا بدأت أولى مراحل الاختصار، ثم تلا ذلك البريد الإلكتروني، والمنتديات، والمجموعات البريدية، وقد حافظت هذه التقنيات نوعا ما على بقاء الطرح موضوعيا -وإن بشكل أقل من سابقه- لكنه لم يخرج عن دائرة إعطاء كل موضوع حقه في الطرح، ولن أتحدث عن موجة المثقفين الذين ركبوا موجة القنوات الثقافية؛ لأنها تجربة متفاوتة بين سلب وإيجاب .

ثم بدأت سلسلة مواقع التواصل الاجتماعي بالانهيال علينا بداية من الفيس بوك / تويتر / إنستقرام / سناب شات، ويصاحبها على طول الخط الواتس آب، والبلاك بيري، ولك أن تلاحظ أن كل من ركب هذه الموجة ممن قلنا عنهم أن لديهم اهتماما بقضايا الشأن العام سرعة التحول نحو اقتضاب الطرح واختصاره، وربما في كثير من الأحيان مسخه، ثم ظهر جيل جديد فتح عينه وذهنه وقت ظهور هذه البرامج التواصلية، وأخذ يبني ثقافته من خلال ما يطرح فيها فقط، وشعر بنشوة العلم والمعرفة الموهومة، وظن أن بإمكانه الخوض في أية قضية تطرح أو نازلة تنزل بنا، و يا لها من مصائب تهطل علينا يوما بعد يوم بسبب هؤلاء!

إذن من الواضح جدا أن هذا الطرح أخرج أناسا يعلمون القشور، ويجهلون اللب، ويعلمون ظاهر الفن، ويجهلون باطنه وأصوله، وأنت ترى صاحب/صاحبة حساب يتابعه الآلاف، وتظن أنه على قدر عال من المعرفة والعلم، وما إن تبدأ بمناقشته، أو محاورته، أو الاحتكاك به حتى يتبين لك أن بضاعته مزجاة، وأن معرفته قائمة على فتات العلم، لا على أصوله وموائده من خلال الطرق المعروفة لطلب العلم والمعرفة والجد والاجتهاد في البحث والتحري.

ومع ذلك ما زالت هناك بقية باقية؛ لديها من الهمة والجد والاجتهاد في الطلب ما تحمي به حوزة العلم والمعرفة، وتحافظ على ثقافة الأمة وهويتها من عبث الطرح المقتضب السريع في مواقع التواصل الاجتماعي، وكم هو جميل أن تتأمل في نفسك يا طالب العلم والثقافة، وتنظر إن كنت ممن يضيعون أوقاتهم في الهرولة حول تغريدة تبث هنا وهناك، أو سنابات تلفظ المعلومة بسطحية ساذجة؟

أو ممن وضع له خطا واضحا للسير عليه من خلال التتلمذ والقراءة والسماع للطرح العلمي المؤصل والمنهجي، و الاحتكاك المباشر بالعلماء والمتخصصين من أهل الفن الذي تريده، وحضور الندوات والمؤتمرات العلمية والدورات النافعة؟

أعود؛ لأذكر القارئ أن الحديث هنا عن شخص يريد النبوغ والتميز في مصاف أهل العلم والمعرفة والثقافة.


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - عبدالرحمن العمر سدير مساءً 08:20:00 2015/08/17

    بورك في طرحك وفي منتهى المصداقيه وهاهو الواقع الذي نعيشه نتلقاه من قلم مبدعنا ابو محمد فأسأل الله لي ولك التوفيق ولجميع المسلمين

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف