آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

العنكبوت (مجتمع الشخص الواحد)

الخميس 07 صفر 1437 الموافق 19 نوفمبر 2015
العنكبوت (مجتمع الشخص الواحد)
 

عمل العنكبوت عملٌ شاق ودقيق لا يبلغه أمهر المهندسين قاطبة، لأنها لم تخطئ يوماً في نسجها، بينما أبرع المهندسين يخطئ في تقديره، ويغلط في هندسته، وتخونه مخططاته، ذلك لأنَّ معلمهم مخلوق مثلهم، ومعلم العنكبوت خالق المهندسين .

ولا شيء في الأرض أصيد من العنكبوت! لأنها لا تطير، وتصيد ما يطير، بل وتصيد صياداً شديد الحذر وأكثر عيوناً منها؛ فإنَّ العنكبوت يصيد الذباب، والذباب يصيد البعوض، وخديعة المخادع أعجوبة، والمكر بالماكر إبداع، وتتفوَّق العنكبوت على الليث والفهد وزمرة السنوريات في الحذق والمداراة والمواربة، ودقة الوثبة والتسديد، وسرعة الخطف، بحيث لا ترد لها طعنة، ولا تخطئ لها وثبة .

وقد قيل أحرص الحيوان الذباب، وأقنعه العنكبوت؛ لا يطلب الرزق، ولا يسعى له، وإنما ينتظره ليقصده في بيته، وقد جعل الله أحرصها (وهو الذباب) رزقاً ولقمة سائغة لأقنعها (وهو العنكبوت)، وكم فوَّت الحرص على صاحبه فرصاً، وخلَّف في نفسه عقداً مؤرقة، وأمراضاً وبيلة، وكم ساقت القناعة مع الضعف لصاحبها رزقاً غدقاً، وربّ ساع لقاعد، وفي هذا لفتة عجيبة لأهل الأرض ممن انغمس منهم في أوحال المادة، وممن أرهقتهم أثقال المعيشة، بأن يتطلعوا إلى السماء، وألا يتعلقوا بأسباب الرزق الظاهرة في الأرض وكأنها هي التي ترزقهم، وألا يجعلوها تحول بينهم وبين التوكل على العلي الأعلى الذي أنشأ هذه الأسباب، والعاقل يدرك أن المقصود بهذه اللفتة ليس هو إهمال الأرض والإعراض عن عمارتها، إنما المقصود ألا تعلق أنفسنا في شركها، وأن نأخذ بالأسباب ونحن موقنون بأن أرزاقنا في السماء، قال تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، وما وعده الله لا بد أنْ يكون .

وكم آية في القرآن تعالج كثيراً من المعوقات التي تجذبنا إلى الأرض من الجشع، والحرص، والرغبة العاجلة في الربح، وحب المال وأسبابه الملهية عن الآخرة، وذلك من خلال التحذير من الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، ومن أكل أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أنْ يكبروا، ومن الجور على اليتيمات واحتجازهن رهائن للزواج الجائر رغبة في أموالهن، ومن نهر السائل، وقهر اليتيم، ومن حرمان المساكين، ومن حب المال وشح النفس به، وغيرها من التوجيهات المتتابعة الدائمة التي تعالج النفس الإنسانية في كل بيئة وزمان، وتحميها من معارك الشر المتلاحقة .

ومن أجناس العنكبوت ما يشابه البشر في رداءة التدبير وسوء التخطيط؛ لأنها تنسج بيوتها على وجه الأرض بادية للعيان، مما يعرضها للمخاطر الأرضية الكثيرة، وأما دقيقة الصنعة، فإنها تبني خيامها، وتنسج خيوطها على ما لا تطؤه الأقدام، ولا تطوله الأيدي، ولا يكثر استعماله، وبخاصة الأماكن المهجورة، لتسلم من عبث الدواب الأرضية، وتهيئ مصيدتها بخيوط مشبعة بمادة صمغية لزجة تلتصق بها أي حشرة بمجرد مرورها عليها، وهي شديدة الحساسية لأي اهتزازات صادرة عن ارتطام أحد الأجسام الغريبة بها مهما صغر حجمه، ولطف وزنه، فإذا ارتطمت بها ذبابة وعلقت بفخها والتصقت بخيوطها، تبقيها العنكبوت مكبلة في أحضان شبكتها تجهد في محاولة تخليص جسمها من قيودها، حتى إذا أرهقها الوهن، وأعياها الضعف، انقضت عليها، فإنْ كانت جائعة امتصت رطوبتها وأنهت معانتها، وررمت بها خارج بيتها، وإلا أحكمت تغليفها وادخرتها في خزانتها، وترمم بعد ذلك ما تشعَّث وتمزق من بنيان نسيجها .

وتزاول العنكبوت في بيتها جميع أنشطتها الحياتية، وتتحوط للمخاطر المباغتة باتخاذ عش أو مخبأ سري (احتياطي) غير البيت ترتبط به بخيط يعرف باسم (خيط المصيدة)، وتلجأ إليه في حالات الخطر.

والعنكبوت بارعة في اختراع الحيل اللطيفة لاصطياد فرائسها؛ لأنها حين علمت أنها لا بد لها من قوت تعتاش عليه، وعرفت ضعف قوائمها، وأنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل لتحكم شأن معيشتها، وإناث العناكب هي التي تغزل وتنسج، أما الذكر (العنكب وكنيته أبو خيثمة) فأخرق ينقض ولا ينسج .

والعجيب في صنع العنكبوت أنه عندما تبدأ بنسج بيتها تعمل بجد وحركات سريعة ماهرة، ولا تتوقف إلا حينما ترى بيتها مكتملاً بصورة مثالية .

وتقوم العنكبوت قبل نسج بيتها بعملية مسح أولية لاختيار الموقع الاستراتيجي والذي يكون زاوية في إحدى الغرف المنزلية المسكونة أو المهجورة، أو باب غار، أو جحر ... .

وفي هندستها من العجائب ما يحير العقول، ويدهش الأذهان، وقد أتم الله خلقها، وأكمل صنعتها، وجعلها آية للعالمين، وأعجوبة الدهر، ومثال الجمال والكمال، وإذا رأيت في عالمها ثم رأيت مصنوعات ومنسوجات عنكبوتية مدهشة، (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)، لكن سقط التعجب منها لكثرة مشاهدتها، وما أغزر الحكم وأكثرها في هذا الحيوان (العنكبوت) الذي نزدريه ونحتقره، وكم من دلالة فيه على الخالق ولطفه ورحمته وحكمته، وكما قيل (المعنى النفيس يقتبس من الشيء الحقير)، وقد حملت سورة من القرآن اسمها للتنويه بأهميتها، وضرورة الاعتبار بحالها، والتأمل في الحكمة البالغة وراء خلقها .

وأما الوهن الذي وصف الله به بيت العنكبوت، وشبه به الأصنام التي اتخذت آلهة من دون الله؛ فمعنى ذلك أنَّ بيت العنكبوت لا ينفع في حرّ ولا قرّ، وكذا ما عُبِدَ من تلك الأصنام لا يملك ضراً ولا رشداً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا يرد بلاءً ولا يدفع داءً، ولا يأتي بخير .

ومجتمع العناكب الذي يشتمل على أكثر من ثلاثين ألف نوع متباينة الأحجام والألوان والطباع والغرائز، مجتمعٌ مغلق يوصد أبوابه في وجه أي تحالف أو تشارك، وتتفرد الأنثى في اتخاذ القرارات المصيرية دون الرجوع إلى أحد، فالسيطرة الكاملة لها وفي حدود شخصها، لهذا أسميته مجتمع (الشخص الواحد)، ولا يعرف دستورها مصطلح (العمل المشترك)، أو التعاون الموحد ونحوها من المفاهيم المطبقة في مملكتي النمل والنحل، وهو يعبر بصدق عن واقع المجتمع البدائي الذي تنعدم فيه المعاني الدالة على الاجتماع والتكافل .

البنية الاجتماعية :

مجتمع العناكب مفكك أسرياً؛ ذكوره فوضوية، ولا مأوى لهم، وغالباً يموتون قتلاً على يد إناثهم، وأما صغار العناكب فمشرَّدون (أطفال شوارع) يفرون بحياتهم من بطش أمهم وقسوتها، ولا يبيتون معها أو في بيتها ليلة واحدة؛ إذ لا مكان فيه لأبوة ولا بنوة ولا صداقة ولا قرابة ولا لشيء من المحبة والرحمة والمودة، وإنما يفرُّ بعضهم من بعض، ولكل واحد منهم شأن يغنيه عن الآخر .

ومجتمع العناكب قائم على المصالح الشخصية؛ فالأنثى تغازل الذكر، وتحاول إغواءه عندما تحتاج إلى سفاده (التلقيح) فقط، فإذا حصلت منه على مطلوبها، حاولت قتله وافتراسه، فيفرُّ من قبضتها خائفاً مذعوراً فرار الأرنب من مخلب الذئب .

البنية الاقتصادية :

يعتمد مجتمع العناكب نشاطاً اقتصادياً واحداً وهو الصيد، ويقوم به كل واحد من أفراد المجتمع بمفرده، ولا يسمح لأحد أنْ يشاركه فيه، فهو بعبارة ملخصة: مجتمع بطيء الاجتماع، سريع التفرق، قليل التشارك، كثير التعارك .

والعنكبوت صبور في طلب المعاش؛ ينصب شبكته، وينتظر رزق ربه، كصائد السمك يرمي شباكه في البحر، ويتوكل على الله، ولا يعرف متى يصطاد، لكنه ينتظر أنْ يسوق الله له من فضله رزقاً طرياً .

والشيء الغريب أن التجارب أثبتت أن العناكب تعلم مقدار كمية مادة الخيوط الموجودة في غددها (مخزون مواد البناء)، وتبرمج خططها الإنشائية وفقاً لموجوداتها المودعة في مخزونها، وعندما تنتهي من بناء نسيجها، وتضع عليه آخر لمساتها، تكون غددها فارغة تماماً، ولم يحدث أنْ فوجئت عنكبوت بفراغ مخزونها من مادة الخيوط قبل أنْ تكمل بيتاً باشرت في بنائه، وبهذا التصرف الموزون، والحساب الدقيق، والإنفاق المعتدل، استطاعت العنكبوت أنْ تقيم الحجة على مشاريع البشر الاقتصادية المنهوبة التي تستنزف أموالاً بأرقام فلكية وتبقى حبراً ورسومات ومخططات على ورق، أقامت الحجة على الحسابات المدفوعة بالطمع المفرط، والتي خصصت لإنشاء مصانع متردية، ومباني تراها متصدعة، وأنفاقاً كجحر الضب ضيقاً وتهوية، ومستشفيات تنافس المسالخ، ومدارس كالمعتقلات والزنازين، وشوارع مهترئة، ومشاريع نزرعها ونحصد ثمارها ديوناً بنكهات عربية وأجنبية.

نحن نعرف مشاكلنا جيداً، ونعلم مكامن الخلل، فقط نريد مَنْ يشمِّر عن ساعديه، ويعمل بجد واجتهاد وضمير، ويبتعد عن سلك الاستعراضات الممجوجة، والمجاملات والبروتوكولات والأمنيات والوعود اللفظية، لقد ملَّ الناس سماع التصريحات عن حلول عملية، ومشاريع قومية، ونهضة اقتصادية الذي تحقق منها نسبة أدنى من درجة حرارة القطب المتجمد .

وكلمة على الهامش: إنَّ المرابين الذين ملأوا أرجاء الأرض ظلماً وربا، وشيدوا الصروح الشامخة المسماة (بنوكاً)، لجديرون أنْ يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة، أنَّ عمليات الإغراء والإغواء التي يحاولون بها شراء ضمائر الناس، والعبث بمعتقداتهم، وسحق ثوابتهم، كلها في حساب الله، وفي حساب العقيدة، كبيت العنكبوت، وذلك حين تصح العقيدة .

وفي ختام ما تقدم أود أن أهمس في أذنك هذه الكلمة : إذا ظهر عجزك مع فضيلة عقلك، وقوة إرادتك، وإرادة تصرفك، عن تدبير معاشك، مثلما يفعله العنكبوت على مهانته، وضعفه، وصِغَر جرمه، فأنت إنسان واهن العزم والإرادة، ووهنك أوهن من بيت العنكبوت .


(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف