آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

(النملة) المرشح الأقوى للتربع على كرسي الرئاسة الاقتصادية !

السبت 09 صفر 1437 الموافق 21 نوفمبر 2015
(النملة) المرشح الأقوى للتربع على كرسي الرئاسة الاقتصادية !
 

أخي القارئ: أريد بهذا المقال أنْ استثير انتباهك لأدعوك إلى التدبر بهذا المخلوق العجيب الذي لا يعدل وزن ذرة، ويدعى (نملة)، لتبصر بعين اليقين أعاجيب ما أودع الله فيه من دقائق الحكمة، وعجائب القدرة، وإحكام الصنعة، وروعة التدبير ... ما يبهر العقول، أدعوك لتأخذ نفساً طويلاً وأنت تتأمَّلُ ذكاءه (الاقتصادي) الوقَّاد في استشراف المستقبل، وحسن اهتدائه في التحوط لعواقب الأمور، وكيف أنه يشاكل الإنسان، بل ويتفوق على حذاق الرأي، ودهاة الاقتصاد !

  • تجمع النملة الغذاء في الصيف (وقت الذروة) وتحرص على أنْ يصل الفائض في مخزونها الاحتياطي من الغذاء إلى مستويات ضخمة لكي تحمي مملكتها من خطر الانحدار في ركود اقتصادي عميق، ولكي لا تضطر في الأزمات والأوقات العجاف إلى شرائها بأسعار باهظة، أو اقتراضها بفائدة مرهقة تزيدها فقراً وغرماً، أو بفائدة رمزية  تأسرها رهينة في يد مقرضها يستغلها عند الحاجة، وهذا من أهم ما يقتضيه نظام الأموال لدى أي أمة، لتكون في غنى عن طلب النجدة والمساعدة من غيرها؛ لأن الحاجة شكل من أشكال العبودية المقيتة  .

  • يُحسِنُ النمل التخطيط للمستقبل، ويجيد تصنيع المنتجات الحقيقية، ولا يستهويه التنظير الأجوف، ولا يخفى أنَّ التخطيط المبني على المعرفة يحتل المرتبة الأولى على سلم النجاحات الاقتصادية .

  • النمل اقتصادي حَذِر؛ يودع مدخراته في أماكن مأمونة، ويتعهدها بالعناية الحثيثة، وإذا ما أصابت الطعام رطوبة، وخاف عليه من التعفن والتسوس، (أو خشي عليه من النقص والتلف)، قام بنقله من بطن الأرض إلى ظهرها، (وحركه)، لييبس ويجف، وينمو ويزيد، فإذا زال عن الطعام ما يفسده، وأمِنَ عليه من الخطر، أعاده إلى مطرحه، حتى صار في ذلك مثلاً فقيل: (أضبط من نملة)، ومن فطنته أنه يخلع خلايا الإنبات من بذرة القمح؛ فيفلق الحبة من وسطها (موضع القطمير) إلى نصفين، لأنها إنْ نمت دمرت مساكنها، وإذا كانت البذرة من حب (الكزبرة) فلقها النمل أرباعاً؛ لأن حبة الكزبرة بالذات تتميز من بين جميع الحبوب بأن أنصافها قادرة على النبات بإذن الله تعالى، وإذا كانت الحبةُ عدساً أو شعيراً أو باقلاء قشرها ولم يفلقها؛ لأنها بالتقشير تفقد قوة الإنبات، فهي من هذا الوجه الذي تصلح به حياتها، وتدبر به معاشها من أذكى الحيوانات .

  • النملة مع لطافة شخصها، وخفة وزنها، حازمة! بل أحزم من كثير من الناس، حتى قيل (أحزم من نملة)! وتتمتع بإرادة قوية، وإصرار عنيد، وهمة فائقة، وكأنه لا يعتريها كلل، ولا يختلجها ملل، ولا ينقطع لها نفس، (وكم من همّة أحيت أمة!)، وتملك جرأة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرة وأكثر، ولا يوجد مخلوق يمتاز بهذه الخاصية سواها، حتى قيل: (أقوى من نملة)، وتعرف جيداً أن الممكن لا يمكن أنْ يكون مستحيلاً، ولذلك دعا رجل لأحد الملوك فقال: (جعل الله جرأتك جرأة ذباب! وقوتك قوة نملة! وكيدك كيد امرأة! فغضب الملك من قوله، فقال له الرجل : على رسلك أيها الملك، إنه يبلغ من جرأة الذباب أنْ يقع على أنف الملك، ويبلغ من قوة النملة أنْ تحمل أضعاف وزنها، والفيل لا يستقل ببعض ذلك، ويبلغ من كيد المرأة ما لا يبلغه دهاة الرجال) .

  • النملة متعاونة مع زميلاتها ولا تعرف الأنانية، فإذا عثرت على (غنيمة باردة) لم تختلسها، وإنما تحاول بكل جهدها حملها وجرها، فإذا عجزت بعد أن بذلت غاية ما في إمكانها، رجعت إلى جحرها وعادت وخلفها سرب من صويحباتها كالخيط الأسود (الممدود) يتبع بعضهن بعضاً، حتى يتساعدن على حملها ونقلها، ويدركن بفطرتهن أنَّ الأنانية الضيقة والأثرة المفرطة مرض فتاك يصيب عصب الاقتصاد، ويعيق حركته، ويبطئ نبضه، ويخل بميزان الأداء والعطاء، وأن الحياة الرخية السخية لا تحصل إلا بالتعاون والتنافس لا بالتصارع والترافس، وبالتسامح والتقارب لا بالتخاصم والتضارب، وأن الأيدي بأصابعها، ويد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وألا نغتر بكبير الحجم من صغيره فالعبرة بالمعرفة والعلم، ولا بطويل القامة من قصيرها فالعبرة بالأمانة والاستقامة، ومن الأمثلة الرائعة على التضحية التي يقوم بها مجتمع (النمال) أنه إذا اعترضت حفرة طريق النمل، وأعاقت سيرها، فإن أعداداً من أسراب النمل (الفدائيين) تلتحم ببعضها لتصنع من أجسادها جسراً متيناً يعبر النمل من خلاله إلى برِّ الأمان، وهذا هو الفداء (الطاهر) في أجمل صوره وأبدعها، في حين أن البشر لو أرادوا أن يبنوا جسراً مماثلاً فإن ذلك يتطلب حسابات هندسية معقدة، وميزانية (بيل غيتس) .

  • النملة صادقة في أخبارها لا تعرف الكذب، فمجتمع النمال قائم بكليته على الصدق والتصديق، فإذا أخبرت النملة أختها بشيء تلقت خبرها بالقبول دون أنْ تطالبها ببينة أو برهان على صدق دعواها، وأنت ترى ذلك بعينك، وتدرك ذلك بقلبك .

  • النملة في أوقات الشدائد الاقتصادية، وأزمنة القحط والجدب تستسقي الفرج من الله القدير، فقد جاء في الأثر عن أبي الصديق الناجي: " خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" (صححه الحاكم ووافقه الذهبي ورواه غيرهما)، أما بنو البشر (إلا مَنْ رَحِمَ ربي) فإنهم إذا نزلت بالواحد منهم شدة، فإنَّ آخر الأبواب التي يطرقها باب (الرزاق المقيت) .

  • النملة تجتهد في سيرها، وتنهمك في طلب المعاش، وتحصيل الزاد لنفع نفسها وغيرها من أبناء جنسها، معرضةً حياتها للهلاك، ومصايد الأشراك، فإما أنْ تهلك عطشاً أو جوعاً، أو تقع في متاهة فتضل طريق العودة، وقد تختطفها حشرة، أو تطئوها دابة، وعلى الرغم من كل هذه الأخطار المحدقة بها في رحلتها الشاقة (اليومية) لا تراها تطالب ببدل (أوفر تايم) أو (مخاطر مهنة) بل إذا ظفرت بشيء اقتسمته مع أفراد أسرتها الكبيرة دون أن تطلب حصة زائدة، وهذا هو الإخلاص المقدس .

  • النملة في ساعات العمل تعمل وفق نظام دقيق كأنَّ قائداً يرشدها (توزع الأدوار على حسب التخصص)، وإذا رأيت هضبة سكنها النمل، وهم آلاف مؤلفة، ترى نملة ترمم بناءً متهدماً أو تبني أبراجاً ضخمة من الطين في غاية الدقة والإحكام كالأهرامات وناطحات السحاب (قطاع المقاولات)، وأخرى تنقل زبالة (قطاع البلديات)، وثالثة تشكل الدهاليز ، وتهندس الطرق، وتقسم الحجرات تقسمياً عجيباً حسب المنافع والأغراض (قطاع المهندسين)، ورابعة تجمع القوت للادخار، وتأتي بمواد البناء، وتجلب مستلزمات المملكة (قطاع المستوردين)، وخامسة تنقل الأطفال التي لا تحتمل تأثير النور إلى الوكر المظلم وتطعمهم (الحضانة)، وسادسة تقيم الحدائق، وتزرع فيها الحب الذي لا تجده في كل مكان لتجتني منها طعامها، وتقوم بتسميد أوراق الأشجار المقطعة ببراز نوع معين من الفراشات, وعندما ينمو عليها نوع من الفطريات يسمى: (خبز الغراب)، تتغذى عليه (قطاع الزراعة)، وسابعة تربي حشرات (المن) لتتفكه على رحيقها، كالبقرة الحلوب بالنسبة للإنسان (قطاع تربية المواشي)، كلٌّ منها موكَّل بما يناسبه من العمل، قائم به على أتم وجه .

نتيجة هامة :

لو أن في رأس النملة عقلاً (كعقل البشر) لكانت أجدر أهل الأرض بالتربع على كرسي (الرئاسة الاقتصادية)، إلا أن الإلهام الذي حباه الله لها طبقة فوق العقل وفوق الإرادة، فالنملة لا تتصرف من منطلق إرادي، وإنما من وحي إلهي، فهي مسلوبة الإرادة، أما الإنسان فهو حر الإرادة يتجه بعقله إلى الوجهة التي يوليه إليها، ولو نظر الإنسان في هذا الكائن الملهم اقتصادياً، والناجح اجتماعياً، وأخذ عنه، واهتدى بهديه، وتصرف بالإلهام (الصادق) والفطرة (الهادية) كما تصرف بالعقل لصلحت أحوالنا الاقتصادية واستقامت .

إن أمة لا تصل في تدبير اقتصادها إلى مثل ما يفعله هذا الحيوان الأعجم متناهي الصغر، لهي أمة تائهة في أودية الضلال المهين، وهي أدنى حالاً منه، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم .

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف