آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

في اقتصادياتنا ... حربائيون ! ومنفصمون !

الاربعاء 12 ربيع الأول 1437 الموافق 23 ديسمبر 2015
في اقتصادياتنا ... حربائيون ! ومنفصمون !
 

ما نراه بأعيننا، ونلمسه بأيدينا .. ليس هو دائماً الحقيقة! فالقمر نراه في السماء أكبر الكواكب والأجرام مع أنه أصغرها حجماً، والشمس نراها تدور كل يوم حول الأرض مع أنَّ العكس هو الصحيح، والسماء نراها فوق الأرض مع أنها تحيط بالأرض من جميع أقطارها، ولا يوجد فوق وتحت، والخدمة والمساعدة الإنسانية التي تصورناها مشروع صداقة، نكتشف في النهاية أنها كانت مشروع سرقة، والكلام المعسول و (الريق) الحلو الذي ظنناه مديحاً وتقديراً للذات، تبيَّن أنه جزء من عملية تكتيكية لتخدير (الممدوح) تمهيداً للسطو عليه، وما تكتب عنه الصحف على أنه (بطولة) يعلم البطل بطلان مفعوله، وأنه في الواقع (هزيمة) ... وما أصعب الكشف عن وجه الحقيقة !

بل إنَّ عقولنا وعواطفنا تهزأ بنا وتخدعنا أحياناً ! فنعتقد أنَّ المجد والارتقاء والهمة العالية والمصلحة العامة ... هو دافعنا، بينما هو الغرور وحب الذات والرغبة في الظهور، ونظن أنَّ العدالة هي التي تدفعنا إلى القسوة، بينما هو الحسد والحقد والتشفي .

تناقضات سلوكية :

نطالب بالقانون .. ونرفض سريان أحكامه على ذواتنا وأبناء عشيرتنا !

ندعو إلى ضبط الأعصاب، وشد حزام الأخلاق، وعدم الدخول في ممر الجهوية العشائرية، والمقارعة بالتي هي أحسن، فإذا اقترب (المدُّ) من حمانا، جزرناه بسد من حديد، واستأسدت أعصابنا، وتفلتت أخلاقنا .. وانزلقت إلى الهاوية، وما أدراك ما هي؟ ...

ندعو إلى إنصاف المواطن الضعيف، وتقديم حلول فاعلة ومنطقية لانتشاله من بحر الضرائب والأعباء المتلاطمة، وفي نفس الوقت تستقبل القرارات الضريبية غير المبررة (التي تشفط دخله) بالتزمير والتصفيق والحفاوة البالغة باعتبارها إنجازاً يصب في مصلحة الوطن والمواطن، ونترك المواطن في دوامة الصراع مع تلك القرارات التي تحاول انتزاع (معاشه) من بين يديه كلعبة (شد الحبل) التي لا يستوي أحد طرفيها مع الآخر في القوة وشدة البأس، وهو مسحول! ومسحوب! ومشدود! ومجذوب! ومغلوب! .. لا محالة .

والذي يتابع الأحوال والمواقف الاقتصادية في مجتمعاتنا يعرف جيداً كم يعاني البعض من انفصام خطير في الشخصية والسلوك بين مدٍّ وجزر، وأقصى اليمين وأقصى اليسار، وموالي ومناهض، وكل شيء صواب .. وكل شيء خطأ ! وكل شيء ممكن .. وكل شيء مستحيل ! وأنت حر .. وليس عندك ذرة حرية في نفس الوقت! ولا يعتمد الواحد من هؤلاء بل لا يحاول أنْ يجعل لنفسه لوناً وزياً ودرباً واحداً؛ لأنه يخيَّل إليه أنه إنْ فعل ذلك؛ سيصبح رصيده صفصفا، واسمه نسياً منسياً، وبلا وزن ولا قيمة، وسيغطُّ في سبات البطالة، وستمج أجهزة الصراف الآلي (ATM) بطاقته الإلكترونية كلما مضمضتها، وستشكو صالة جيبه خلال هذا الموسم من شح الإيرادات الزائرة ... ، ولذا يختار أنْ يكون مارقاً هشاً فاسداً مبتزاً ! على أنْ يتزيَّ بثوب أبي بكر، ويحمل درة عمر رضي الله عنهما .

يقول: إنه يملك موقفاً معارضاً للسياسات الاقتصادية، والخطط الموضوعة لتنفيذها، ويشجب وينكر ويحجب الثقة، ويصدِّعُ رأسنا بالكم الهائل من الانتقادات وسلبيات الأداء، وبصوت جهوري كالرعد القاصف، حتى إذا لاحت له في الأفق (هبرة) دسمة، تحول الضغط المرتفع إلى ضغط منخفض، والصوت الغليظ إلى صوت رفيع (خجول) كصوت الناموسة، وتبدَّل الموقف العصامي ذو الاتجاه الواحد إلى (أم أربعة وأربعين) اتجاه، ودبَّ في شريان ثوابته داء الرعاش، وانقلبت المعارضة إلى مسايرة، والمخالفة إلى موالفة، وعبارات الشجب والإنكار إلى قصائد التأييد والإطراء ومنح الثقة ...، ولكي يحفظ ما تبقى من ماء وجهه قد يعترض على استحياء (وهو يرتجف)، لكنه على الفور - وقبل وقوع الكارثة - يستدرك على اعتراضه بمبررات واهية : الديون متراكمة، والمساعدات شحيحة، والإقليم ملتهب، ونقف على مفترق طرق، ووعود الدعم جاري التحميل، والدخل القومي يتعرض لمنخفضات جوية متتالية، والمصروفات ضغطها مرتفع وغير قابلة للتنفيس، والعين بصيرة واليد قصيرة ... لكنها تصبح فجأة طويلة وبعشرة أصابع عند القبض والأخذ والأكل من الولائم الزفرة ...، وهكذا يلتمس الأعذار من هنا وهناك، ويكر ويفر، ويكسر ويجبر، ويرفع رأسه قليلاً ثم يدسه في التراب، ويُقْدِم ويتراجع سريعاً كمَنْ يقترف ذنباً، ولا تعرف له هوية .

وبالرغم من ارتفاع الأسعار، وانكماش الرواتب، وتآكل الدخل، وانتفاخ البطالة، وكبت الحريات، والضرب على رأس الإصلاح بمطرقة القاضي، وهراوة السجان، والطبطبة على قرود النفاق الاجتماعي، ومداعبة المحسوبية المتفشية في الوظائف القيادية، لا يتردد (الحربائيون المتأمعون المنفصمون) أنْ يخرج الواحد منهم بكل جرأة وخفة دم، وابتسامة باردة، في خطاب مهيب ليمطرنا بكميات غزيرة من القرارات المسكنة لآلامنا: (سيداتي سادتي) .... لقد سيطرنا على الأسعار الفارة من وجه العدالة، وسلطنا العدسات المكبرة على الطفيليات العالقة في الميزانية، وأحضرنا المبيدات والمنظفات اللازمة لجعل الوضع المالي أكثر نصوعاً وبياضاً، واستأصلنا سرطان الفقر، وأوقفنا نزيف الرواتب، ولطفنا الأجواء الحارة الناجمة عن ارتفاع مؤشر البطالة في مثل هذا الوقت من السنة، وانصفنا الكفاءات التي تورمت أقدامها وهي واقفة على طابور الانتظار لتركب قطار التوظيف، وفتحنا الأبواب المغلقة، ونزلنا أدراجنا من أبراجنا لنعيش مشكلة الشارع، والتذمر من سوء خدماته، ووضعنا سماعتنا (المعطوبة) على قلبه لنقيس عدد تغيظاته وزفراته ....، وبعد أنْ ينتهي سيادته من خطابه، يطئطئ  الميكروفون -المبلول من التفتفة- رأسه إجلالاً وتعظيماً لفخامة الخطاب، وتنطفئ الأضواء، وتحجب الرؤية، وتنقطع شبكة الاتصال، ويصبح (خطيب القوم) خارج التغطية، وتعود حليمة لعادتها القديمة .

الميزانية والألوان (الحربائية) المعكوسة :

من السهل جداً أنْ تنظر إلى إنسان من الناس في عرض الطريق، فتتعرَّف من هيئته ولباسه وأدواته أنه تاجر، أو وجيه، أو فلاح، أو طوبرجي، أو ميكانيكي، بل إنَّ عقائد الناس وأفكارهم تظهر من ملابسهم وأزيائهم، بينما الشخصية (الحربائية والانفصامية) فمن المستحيل الاستدلال على شخصيته المضطربة، ومشاعره السقيمة، وعلله وعقده المرسومة على صفحات قلبه من ملابسه وهيئته وأدواته المصطنعة؛ إذ يتلون بعدة ألوان، ويبدل ثوبه، ويصرف وجهه، ويغير كلامه، ويحول بوصلته بسرعة ضوئية خارقة، ويجسد دور البطولة في مسرحية (الخداع الاقتصادي) باحترافية (أوسكارية)؛ فيتقمص شخصية الفارس والبائس، وينتحل دور البار والضار، ويمثل الاتجاه المتزمت والمتفلت، ويصور لك المواقف بتقنية ملونة عالية الجودة : فيخرج الصورة باللون الأصفر الباهت ليفصح لك عن شح الموارد، وفقر الدم الذي أصاب الميزانية، ويلونها باللون الأحمر للإعلان عن حالة الطوارئ التي أصابت دماغ الميزانية بنزيف حاد وأدى إلى تكبدها خسائر من العيار الثقيل، ويستخدم اللون الأبيض ليعبر لك عن حسن النية، وسلامة الطوية في إدارة عجلة الميزانية، ويستعمل اللون الرمادي لإخفاء عورة الإخفاقات، وأما اللون الأزرق السماوي فيخرج بطاقته في وجه أصحاب العلاقة ككمادة باردة للتخفيف من حمى الانفعالات، ويسجل على ظهر البطاقة حفنة (لا تفك الضيق) من التطمينات والوعود البراقة، ورشة (لا تبل الريق) من النتائج الإيجابية المتوقعة، ويدثرها باللون الأسود الوقور ليبرز لك جديته وحديته وألمعيته في المواقف الصعبة، ويزينها باللون الأخضر ليغازل الجانب الاجتماعي للميزانية .

نبذة عن بعض خصائص الشخصية الحربائية الانفصامية :

  • يستطيع قبول أي شيء مادي يمكن أنْ يدخل في جيبه أو حسابه الذي تتوه في (مثلثه) الإيرادات المحلية والصعبة (الأجنبية)، ويرفض بإصرار تلويث يده بالفكة (القطع الدرهمية)، ويتيمم بصعيدها على أنْ تكون كاملة الدسم .

  • يصطاد فرائسه بلسانه بعد شحذه وبرمه، وتحليته بالإكسسوارات الكلامية الممغنطة، وبعد فحص محركه والتأكد من قدرته على إدارة عجلة اللسان بسرعة مذهلة لالتهام خزنة ضحيته، والعودة إلى الموقع قبل أنْ يفيق من غفوته المغناطيسية .

  • أبدان (أجسام) هائلة ذات هيبة ووقار، وأزياء أنيقة، وقلوب ضئيلة، وأرواح هزيلة، وموازين ومكاييل مختلة .

  • منتج متطور، يتلاءم مع جميع الأوضاع المتغيرة، وقد أثبت نجاحه في الأسواق، ويتم تصديره واستيراده لإنعاش الحركة الاقتصادية، وتعديل الميلان التجاري الناشئ عن انحراف الفقرة الوسطى من العمود الاقتصادي، والأهم أنَّ هذا المنتج ليس له تاريخ صلاحية، ومكتوب عليه تاريخ الإنتاج فقط .

وفي الختام أقول :

آفة الإصلاح الاقتصادي أنْ يكون إصلاحاً مسرحياً (كلامياً)، آفة الإصلاح أنْ نجعل منه (بهلواناً) يعمل للتأثير بالمظاهر والمناظر، ولا يعمل لتشخيص الداء ووصف الدواء، آفة الإصلاح أنْ ننظر إلى الحربائي المنفصم أخلاقياً واقتصادياً وهو يسبح في بحر من الأكاذيب والمواقف المتضاربة، ولا يعنينا منه إلا الإعجاب ببراعته في السباحة .

لا يمكن أنْ نذوق طعم الإصلاح ما دامت الروح الاقتصادية منفصمة وهائمة في أجواء توحدية مكفهرة تصرع جسم أي ميزانية تتلبس بها، وتجعلها تتخبط في مهاوي الإعسار، وتتردى في ظلمات الإفلاس .

إدراك الخلل، وضبط الأيدي العابثة بالمقدرات والثروات، وإيقاف الدحرجة الاقتصادية إلى قاع القرار، وتحريك الجمود بملعقة الجديد والتجديد .. جدٌّ لا هزل فيه، والعين (العكرة) لا تصلح للنظر إلى الماء المعكَّر ولا إلى الماء الذي يقطر صفاء ونقاءً .

في الحسابات الدنيوية قد تشذ الأرقام، وتغيب الإفصاحات ، وفي الحساب الأزلي .. لا تضيع نقطة من على رقم محيت، ولا كلمة من سطر مُسِحَت، ولا يغيب حرف ولا صرف ولا هدر بغير حق، قال تعالى :{فمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}.

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف