آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

جهاد الترباني والعظماء المائة

الثلاثاء 19 ربيع الثاني 1438 الموافق 17 يناير 2017
جهاد الترباني والعظماء المائة
 

اطلعت على بعض حلقات العظماء المائة للأستاذ جهاد الترباني ، وأهنئنه على هذا الإنجاز الكبير، فنحن بحاجة إليه، وليس الشباب والاطفال فقط، بل كل مثقف. ومشروعه بحمدالله له قبول بين الناشئة، وأول من نبهني إليه أحد ابنائي فهو متابع له، وينشره بين زملائه.

‏ثم حصلت على الكتاب في طبعته الأولى، فطالعته مطالعة سريعة، وقرأت بعض السير التي أوردَها.

‏ومشروع العظماء المائة وإن كان للمؤلف فيه شرف السبق والبحث؛ إلا إني أراه مشروعنا جميعاً، فهو مشروعي يسرني نجاحه وانتشاره وقبول الأمة له. ‏وأراه أحد مشاريع استعادة الهوية المستلبة فبارك الله في جهد كاتبه، وسدده، وزاده بصيرة.

‏ ولشعوري بأهمية الكتاب للناشئة وعامة المثقفين دونت بعض الملحوظات والاستدراكات، وهي لاتنقص من الكتاب ولامن مؤلفه، بل هي دعوة للشد على يده في مشروعه في التعريف بأبطال الأمة المسلمة والبحث في الزوايا المنسية من تاريخنا.

ولعل هذه الملحوظات مما يزيد المشروع نجاحاً ويجلو عن وجهه ما يشعثه من خطأ. ومن يهديك خطأ - في الحقيقة - أنفع لك من المثنين؛ لأن الناقد يرتقي بك الى أفق أعلى في الصواب والإحسان، وأما المثني فقط فيقول لك بلغت المنزلة العليا فابق حيث أنت. ولا سواء بين من ينشد لك النمو والتقدم وبين من يقول لك بلسان الحال إنه لا منزلة أعلى مما بلغت، ولا إحسان أسد مما نلت.

وهذا المقال في كان الاصل رسالة أرسلتها للأستاذ جهاد منذ زمن، ثم رأيت نشرها ليعم النفع بها، ولإحياء خلق التناصح مع الرحمة والشفقة بين طلاب العلم.

وما أورده من ملحوظات لست أقصد به الاستقصاء وإنما التنبيه على بعض ما أصادفه في الكتاب مما لي فيه وجهة نظر، وأبدأ بعون الله:

لعل الملاحظة الأكبر التي يتفرع عنها كثير مما أحسبه خطأ في الكتاب هو عدم التوثيق والتحقق من بعض ما ورد في الكتاب من معلومات ومن ذلك :

  1. ماذكره المؤلف عن موريس بوكاي يحتاج إلى إعادة نظر فعلاقة موريس بوكاي بالقرآن قديمة وبدأت من خمسينات القرن الماضي وفي عام 1969 بدأ في تعلم اللغة العربية من أجل أن يقرأ القرآن باللغة التي نزل بها وفي عام 1976 أصدر كتابه الموازنة بين الكتب المقدسة والعلم وتحدث فيه عن فرعون وأن الله نجاه ببدنه (ص 263/ من ترجمة حسن خالد)، والمؤلف ذكر قصة شائعة في الانترنت نسجها أحد المتحمسين؛ ولكنها ليست صحيحة وملخصها أن موريس بوكاي أجرى بحثا بعد عام 1981على جثة فرعون فاكتشف أنه مات غرقا وفوجئ لما أخبره المسلمون بذلك ثم اتجه إلى الأزهر وناقش علماءه ثم أعلن إسلامه وهذا جعله يدرس القرآن ثم يصدر بعد عشر سنوات من البحث كتابه عن القرآن والتوراة والانجيل والعلم الحديث. المعلومة الوحيدة الصحيحة في هذه القصة هي أنه أجرى بحثا على جثة الفرعون والباقي زيادات لا أصل لها. وكتابه صدر بالفرنسية عام 1976 ثم ترجمه مفتي لبنان الشيخ حسن خالد رحمه الله إلى العربية عام 1978 ونشرت له ترجمة أخرى في مصر في الفترة نفسها. ولموريس بوكاي ترجمة كاملة في وكيبيديا يمكن الاطلاع عليها.
  2. جاء في ترجمة الحسين رضي الله عنه أنه تزوج بنت يزدجرد وهذه خرافة لم يروها أحد معتبر من علماء السنة وإنما يرويها بعض الشيعة وقد نقضها وبين عوارها أكثر من باحث.
  3. ذكر المؤلف في ترجمة معاوية رضي الله عنه أنه خال المؤمنين ، ومع التسليم بمنزلة معاوية وصحبته ومحبتنا له وترضينا عنه وعلمنا بما يبثه الرافضة ومن في قلوبهم مرض على الإسلام والسنة والصحابة؛ إلا أنني أقول إن هذه الخؤلة لم تثبت عن الرسول ﷺ ولا الصحابة، وهي ربما نشأت في وقت الصراع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. وفضيلة الزواج بالرسول خاصة بالزوجة، فتصبح أماً للمؤمنين، ولاتسري إلى أقاربها من أم أو أب أو أخ او أخت، فلا يقال عن أخيها خال المؤمنين، ولا عن أمها جدة المؤمنين ، ولا عن أبيها جد المؤمنين. وأمهات المؤمنين لهن أخوان ومع ذلك لم يوصف أحد منهم بأنه خال للمؤمنين، فعبدالله بن عمر أخو حفصة، وعبدالرحمن ومحمد ابنا أبي بكر أخوا عائشة رضي الله عنهم ولم يوصف أي منهم بأنه خال المؤمنين. ونفينا لهذه لا تنقص من معاوية رضي الله عنه فضله، فهو كاتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاه عمر بن الخطاب، ولم يعزله كما عزل غيره.
  4. ذكر المؤلف يزيد بن معاوية ضمن العظماء المائة، وأورد أقوالاً لعلمائنا في الثناء عليه؛ ولكنه غفل عن أقوال أخرى لهم في ذمه، وربما تكون الأقوال في يزيد متضاربة؛ لكن ذكره ضمن عظماء الأمة يحتاج تأملاً لأمور:

أ. لم يذكر المؤلف في سيرته شيئاً من أعماله التي استحق بها الذكر ضمن العظماء، ولعله لم يجد ما يذكره.

ب . شانَ عهدَه مصيبتان عظيمتان: واقعة الحرة، ومقتل الحسين رضي الله عنه.

ج . ورَدَ لبعض علماء السنة ذمٌ له، فالذهبي في سير أعلام النبلاء يقول :

"افْتَتَحَ دَوْلَتَهُ بِمَقْتَلِ الشَّهِيْدِ الحُسَيْنِ، وَاختتمها بواقعة الحَرَّةِ، فَمَقَتَهُ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَارَكْ فِي عُمُرِه"

ويقول ابن كثير في البداية والنهاية:"قلتُ: الناس في يزيد بن معاوية أقسام: فمنهم من يحبه ويتولاه، وهم طائفة من أهل الشام من النواصب، وأما الروافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه، ويتهمه كثير منهم بالزندقة، ولم يكن كذلك، وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه؛ لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقاً؛ كما تقوله الرافضة، ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة والأمور المستنكرة البشعة الشنيعة، فمِن أنْكَرَها قتلُ الحسين بن علي بكربلاء؛ ولكن لم يكن ذلك من علم منه، ولعله لم يرض به ولم يسؤه، وذلك من الأمور المنكرة جدا ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبوية على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى".

د. ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه الاستعاذة من عام الستين، وإمارة الصبيان، والبعض يحمل ذلك على ولاية يزيد.

  1. أورد المؤلف ثابت بن قرة ضمن عظماء المسلمين، وثابت من العلماء ومن عظماء التاريخ بسبب نبوغه في الرياضيات؛ ولكنه ليس مسلماً، وإنما هو من الصابئة.قال عنه الذهبي في السير:" ثَابِتُ بنُ قُرَّةَ الصَّابِىء الشَّقي، الحَرَّانِيّ، فيلسوفُ عصره... قَالَ ابْنُ أَبِي أُصَيْبِعَة: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يمَاثلُه فِي الطِّبّ وَجَمِيْعِ الفلسفَة... قُلْتُ: كَانَ عجباً فِي الرِّيَاضي، إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيْم رَأْسَ الأَطباء، وَكَذَلِكَ حفيدُه ثَابِت بن سِنَانٍ الطَّبِيْب،صَاحِب (التَّارِيْخ) المَشْهُوْر. مَاتُوا عَلَى ضَلاَلهُم،وَلهُم عَقِب صَابئة، فَابْن قُرَّة هُوَ أَصل رِئاسَة الصَّابِئَة المتجددَة بِالعِرَاقِ فَتَنَبَّهِ الأَمْر".

وثابت بن قرة في الحقيقة هو من منتجات الحضارة الإسلامية ومن مفاخرها، فهو تعلم في ظلها ونبغ في أفيائها، فهو يعد من العلماء في الحضارة الإسلامية؛ ولكنه ليس من علماء المسلمين.

عجبت من قول المؤلف عن ثابت: إنه تعلم القرآن والسنة في المساجد والتحق بحلقات الجامع الكبير بحران، وللقارئ أن يسأل: أين وجدَ المؤلفُ هذا؟ ومن ذكره قبله؟

  1. لا يبدو لي في الكتاب ضابط للعظمة فأحيانا يورد مجاهيل وأثرهم محدود وربما كان غيرهم أولى منهم وهذا قليل في الكتاب ولكنه موجود. كما لايوجد ضابط بالمقصود بالمسلمين ، هل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم جميع أتباع الأنبياء فهو أوردت عظماء من المسلمين في الأمم السابقة كآسية بنت مزاحم وماشطة بنت فرعون ولم يذكر مثلا أولي العزم من الرسل وهم في القمة من العظمة. ضبط المصطلحات مهم.
  2. وربما بعض ما أورده المؤلف يمكن أن يصنف ضمن صفحات منسية من حضارتنا، والباب في هذا واسع؛ لكنه يحتاج قدراً أعلى في التوثيق.



تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - متفرج ًصباحا 02:49:00 2017/07/18

    الزبدة ان اخوة امهات المؤمنين كلهم اخوالي, وان لم يكونوا اخوال غيري, ويزيد صبي وصل بجيشه القسطنطينية ونفذ وصية ابو ايوب الانصاري رضي الله عنه, هذا الصبي احسن من صبيان الخلايجة انصاف الدول كما سماهم السيسي. قال امارة الصبيان قال, وما يحتاج المرء يبايع صبيان الخلايجة.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف