آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الدولة في الإسلام بين التبعيّة واستقلال التصوّر

السبت 29 ربيع الثاني 1427 الموافق 27 مايو 2006
الدولة في الإسلام بين التبعيّة واستقلال التصوّر
 

تتميز التصورات الكلية في الإسلام بكمالها وشمولها واستغنائها عن سواها من النظم الأخرى. ومن ذلك النظام السياسي الذي تشترط فيه الشريعة الإسلامية أن يقوم على أسس محددة، ومن ذلك قوله تعالى:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ). [الحج:41]. ومنها قوله تعالى واصفا للمؤمنين: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)[الشورى: من الآية38]. وقوله:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ).[النساء: من الآية58].
وخلط أي نظام في الإسلام مع نظام آخر من غيره هو إخراج له عن حقيقته الإسلامية، أما تطوير التفاصيل والصيغ العملية مع المحافظة على روح النظام ومقاصده فلا شيء فيه، بل هو مما تركته الشريعة للناس ليجتهدوا فيه حسب معطيات عصرهم، فهو من مواطن الاجتهاد التي يُحمد لهم أن يجتهدوا فيها ويُغفر لهم ما أخطؤوا فيه.
والمفاهيم سواء في الإسلام أو في غيره من الأديان والحضارات إنما ترجع إلى إطار معرفي أو (paradigm) في الدين الذي تنتمي إليه، والتلفيق بين المفاهيم المأخوذة من أطر معرفية مختلفة ومتناقضة ينتج عنه لبس في المفهوم الملفق وجور على الإطار المعرفي نفسه.
مثلاً الدولة في الحضارة الغربية يمكن أن تُوصف بأنها مدنية (civil state) أو دينية (theocratic state)، وهذا الوصف له أصوله الفلسفية، وله خلفيته التاريخية الخاصة بالحضارة التي نشأت فيها المصطلحات. الدولة المدنية في التصور الغربي هي نقيض الدولة الدينية، وكلاهما يعكسان إشكالية كان يعيشها المجتمع الغربي في فترة مضت، ولاعلاقة للمفهومين بالنظام السياسي في الإسلام البتة. الدولة الدينية في الحضارة الغربية تعني تحديداً سلطة الكنيسة، وأن الحاكم إنما يعبر عن إرادة الله –عزوجل- ولا يحق لأحد مراجعته، وعلى الشعب التسليم بما يصدر عنه من قرارات، وهي بهذا تستبعد سلطة الشعب في محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه. والدولة المدنية نقيض ذلك تماماً فهي تؤكد سلطة الشعب أو سلطة الإنسان، وترفض أي سلطة خارج ذلك بما في ذلك سلطة الدين أو الكنيسة.
ووصف الدولة في الإسلام بأنها دولة مدنية أو دينية (ثيوقراطية) هو في الحقيقة وصف لها بغير ماهي به. إنها مع وجود مرجعيتها الدينية توجب على الشعب محاسبة الحاكم ومراقبة أدائه، وتعد ذلك من النصيحة الواجبة على المسلم لحاكمه. والمرجعية الدينية في الدولة الإسلامية نختلف عن المرجعية الدينية في المفهوم الغربي. المرجعية الدينية في الدولة الإسلامية تعني مرجعية القرآن والسنة، وهما ميسران لكل أحد، وبهذا يحق لكل فرد أن يراجع المفتي أو يراجع الحاكم، ويطالبه بمستنده الشرعي ويراجعه فيه، وهي بهذا مرجعية موضوعية (objective) ميسرة لكل أحد. وهذا يختلف عن مفهوم المرجعية الدينية في الحكومة الدينية في الحضارة الغربية؛ ذلك أنها قائمة على الإلهام (inspiration) ومايقذفه الله في قلب البابا أو الحاكم، فهي مرجعية شخصية (subjective) ترتبط بشخص الحاكم. وهذا النوع من المعرفة يُعدّ في الإسلام هرطقة وضلالاً، ولايمكن أن يكون معرفة دينية منسوبة لله عزوجل.
ومن يصف الدولة في الإسلام بأنها دولة دينية مشبّهاً لها بالدولة الدينية التي نشأت في أوروبا يقع في الحقيقة في خطأ عظيم، فهو مع افتراض حسن نيته يسيء إلى مفهوم الدولة في الإسلام بعرضه على غير حقيقته وتلبيسه بسواه.
والدولة الدينية في أوروبا دولة سيئة السمعة ارتبطت في تاريخها بالاستبداد والتسلط وظلم الناس. بينما الدولة في الإسلام بخلاف ذلك، هي دولة يأمن فيها الخائف وينتصف فيها المظلوم ويُقام فيها العدل.
ومن وصف الدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية وقع في خطأ لايقل عن الخطأ الأول، ذلك أن الدولة المدنية الحديثة تنكر حق الله في التشريع، وتجعله حقاً مختصاً بالناس، وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، بل إن هذا يخرجها عن كونها إسلامية، ويُسمّى هذا النوع من الحكم في الإسلام بحكم الطاغوت. وكل حكم سوى حكم الله هو طاغوت.
إن تحرير المصطلحات ومراعاة مرجعياتها المعرفية ضرورة يقتضيها استقلال المرجعيات المعرفية عن بعضها البعض.
وربما اشتبهت الدولة المدنية في ذهن البعض بالمجتمع المدني، فظن أنه يصحّ استخدام مصطلح الدولة المدنية في وصف الدولة الإسلامية. وفي الحقيقة بينهما فرق جوهري. الدولة المدنية -كما قلت- إنما نشأت في مقابل الدولة الدينية، أما المجتمع المدني فنشأ في مقابل المجتمع الذي تديره الحكومة الشمولية من خلال مؤسساتها. فهو مجتمع ينشئه المواطنون أو الأهالي ويرعى قطاعات لاترعاها الحكومة، كروابط المدرسين ونقابات العمال وأصحاب المهن، والمؤسسات الخيرية. هذا المجتمع يرعاه الأهالي، وينفق عليه الأهالي، ويديره الأهالي، وليس للحكومة علاقة به سوى علاقة الإشراف العام المتمثلة في وضع النظم واللوائح ومراقبة تنفيذها. والمجتمع المدني هو أقرب المجتمعات إلى المجتمع في العصر النبوي والخلافة الراشدة. فالحكومة في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي الخلافة الراشدة لم تكن شمولية تسيطر على كل جزئية في المجتمع، وإنما تركت الكثير من شؤون الناس لهم ليديروها حسبما يرون وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. بل إن التاريخ الإسلامي لم يكن يعرف الدولة الشمولية هذه التي نشأت في أوروبا، وكان الكثير من شؤون الناس ومصالحهم يديرونها هم من غير تدخل من الحكومة. وعلى هذا فالمجتمع المدني هو أحد الخيارات المتاحة أمام المجتمع ولا غضاضة في الأخذ به. وصفة المدنية لاتعني إلغاء حاكميّة الشريعة، كما هو الشأن في الدولة المدنية، وإنما تعني طريقة المجتمع في إدارة شؤونه من غير تدخّل من الحكومة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف