آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الهزيمة النفسية

الهزيمة النفسية

الجمعة 16 محرم 1429 الموافق 25 يناير 2008
الهزيمة النفسية
 

الهزيمة النفسية ظاهرة تخضع لما تخضع له أية ظاهرة من عوامل تمدها وأخرى تدفعها وتضعفها، وهي تظهر في وقت دون وقت؛ بسبب عوامل مكتسبة وليست أصيلة في بنية الأمة وتكوينها، أي أنها حدث طارئ يمكن تجاوزه.
وقبل الحديث عن مفهوم الهزيمة أنبه إلى أمور:
أولها: إن الهزيمة وإن كانت شيئًا بشعًا إلا أنه ليس من العدل أن نعزو كل خلل عند المسلمين إلى الهزيمة النفسية، ولاشك أن بعض ما يعانيه المسلمون من أمراض سببها الهزيمة النفسية، ولكن بعض ما يعانونه سببه سوء الإدارة، وقسم آخر سببه تسلط العدو، وقسم ثالث سببه غلبة الشهوات والفساد.
وثانيها: من المعلوم أنه ليس من العلم في شيء تفسير الظاهرة بعامل واحد، فنعزو كل مصيبة عندنا مثلا إلى الهزيمة النفسية أو العدو الخارجي أو العامل الاقتصادي. ولابن القيم في هذا كلام جميل يحسن إيراده يقول رحمه الله:"ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير، بل لا يؤثر سبب واحد البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه وانتفاء مانع يمنع تأثيره".
ثالثها: الهزيمة قد تكون سببا فيما يصيب الأمة، وقد تكون نتيجة لإخفاقات في السياسة والتربية والإدارة، أي علة من علل الأمة هي نتيجة لعلة أخرى سابقة عليها، وسبب لعلة أخرى نتجت عنها. فتسلط العدو المتكرر، قد ينتج عنه هزيمة نفسية وضعف في الأمة، ويأس من الانتصار عليه، وربما كان أيضًا موقظًا للأمة، ومفتقًا لطاقاتها الكامنة، وباعثًا للحمية في نفوس أبنائها، في دفعه والتخلص من سيطرته.
رابعها: إن الهزيمة النفسية كأي ظاهرة أخرى، هي نتيجة لأخطاء متراكمة عبر السنين، ولا يمكن أن تزول فجأة، فسنة الله في التدرج ثابتة، سواء في نشأة الظاهرة أو في رفعها.
خامسها: إن الهزيمة النفسية إذا وقعت فهي عبارة عن روح يسري في الأمة، فتصيب المطيع والعاصي والعالم والجاهل والمتبوع والتابع، بل إن العالم والمفكر يسخِّر كل منهما عقله وعلمه لترسيخ الهزيمة من حيث لا يشعران ويرى كل منهما أن ما يراه هو الحكمة والصواب.
سادسها: يبدو أن من أكثر الناس تأثرًا بالهزيمة النفسية واستسلامًا لها ودفاعًا عنها، ليس العامة وإنما هم رؤوس الناس وعلماؤهم والمتبوعون فيهم.

أما عن مفهوم الهزيمة النفسية فيظهر لي أن له مظهرين:
الأول: الشعور بهزيمة المبدأ أمام الواقع، حيث يشعر الشخص أن ما يحمله من مبادئ فشلت أمام ضغط الواقع، إما بسبب عدم واقعية المبدأ ولأن المبدأ يفتقد أدوات سليمة في التعامل مع الواقع، أو بسبب جموده وفقدان أهلية المجتهد الذي يستطيع تطويع الواقع للمبدأ. ومن صور هذا المظهر: حينما تتحول المبادئ إلى شعارات لا محتوى لها، فإذا واجه أصحابها الواقع وصاروا محتاجين لصيغ عملية من أجل تسيير الواقع لم يجدوا تلك الصيغ فيضطرون إلى التأول في استخدام ما كانوا ينكرونه بالأمس.
الثاني: هزيمة الذات أمام المبدأ، حيث يكتشف صاحب المبدأ أن ضريبة حمل المبدأ عالية وهو لا يستطيع الصبر عليها، إما لأن الضريبة تمنعه من بعض مصالحه وتحول بينه وبين طموحه، وإما لأنها تلحق به ضررًا في حياته، فيضطر تبعًا لذلك إلى التنازل عن مبدئه والتأول؛ ترويجًا لما كان يعارضه بالأمس ودفاعًا عن خيارات اليوم.
والهزيمة في كلا المظهرين لابد أن يصاحبها عدد من المشاعر؛ كي تكون هزيمة نفسية، الأول: هو الشعور بالعجز وضعف الإرادة عن التغيير، والثاني: الإعجاب بما عند الخصم من تراث وحضارة أو رغبة في تقليده، والثالث: احتقار الذات أو تخلٍ عن الهوية، ولابد أن يصاحب ذلك سلوك الاستهلاك.
أما كيف يُحدث الخصم فينا الهزيمة النفسية، فله في ذلك طرق، منها:
1. الدهشة الحضارية، حيث يبرز العدو حضارته و مافيها من جمال وقوة فيصاب من يراها من الإغراء بالدهشة ويستسلم له. وهذا الأسلوب يستخدم على مستويات عدة، وممن استخدمه نابليون لما استعمر مصر، فعرض على المصريين بعض الحيل الميكانيكية لإظهار قوة الأمة الفرنسية وضعف المصريين، وقد ذكر بعض هذه الحيل الجبرتي في تاريخه. وممن يستخدمه مؤسسات الدعاية والإعلان أحيانًا، فتبرز جوانب من قوة المنتج الجديد مما لا يتوقعه المشاهد، فيؤدي ذلك إلى دهشته. وممن يستخدمه ممثلو الشركات، في ترويج بضائعهم حيث يفاجئون المستهلك بجوانب من قوة المنتج وفوائده العملية لم يكن المستهلك يتوقعها، فيبادر إلى شراء البضاعة. والدهشة تعني حالة انبهار وجمود في الإرادة واستسلام لمصدر الدهشة.
وممن استخدم أسلوب الدهشة الحضارية القائد الفارسي "رستم" مع "رِبْعِيّ بن عامر" رضي الله عنه، قبل معركة القادسية، فأمر بوضع مفاتن الحضارة الفارسية في طريق ربْعي، ولكن أسلوبه فشل، وأدرك ربعي خطة رستم فتعامل مع مفاتن الحضارة الفارسية باستعلاء واستطاع المحافظة على إرادته والتمسك بخياراته.
2. تغييب السبل البديلة في الخيارات الحضارية، ويصور للطرف الضعيف أن سبيل النجاة واحد وهو سبيل الخصم فقط، فالتطوير الاقتصادي والتقدم الإداري لا يتم إلا من خلال الطرق التي سلكها الخصم.
3. التجهيل بالهوية والتاريخ. ومن يجهل هويته وتاريخ أمته لا يبالي بأي حضارة أخذ، ولا يجد فرقًا بينه وبين خصمه ممن لا يريد له الخير.

وبعض الفضائيات الآن تمارس بث الهزيمة النفسية؛ من خلال الرفع من شأن كل ما هو أجنبي والتقليل من كل ما هو محلي أو وطني. وقد شارك في صناعة الهزيمة بعض أبناء جلدتنا؛ فهاجموا قيمنا ومؤسساتنا ومفاهيمنا وتاريخنا، واكتشف هؤلاء فجأة، أن كل ما عندنا مما نفخر به، خاطئ ينبغي التخلص منه. والبديل الذي يقدمه هؤلاء هو تقليد الغرب والسير في تبعيته.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف