آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أنا

الاحد 28 ربيع الأول 1431 الموافق 14 مارس 2010
أنا
 

عندما تعجز عن رؤية الأشياء إلاّ من خلال ذاتك:  فالأمور انعكاس لمزاجك، والأشياء ما وُجدت إلاّ لتحقيق مصالحك.

ربّ أسرة، تنكر على أهلك حقهم في الوجود؛ فليس للزوجة حق إلاّ في خدمتك، وليس للأبناء حقّ إلاّ في برّك.

ربّ عمل، فلا رأي إلاّ ما تراه، ولا نجاح إلاّ ما تنجز، ولا نظام إلاّ ما يوافق هواك.

ربّ دولة، فأنت المشرّع والمنفّذ، وأنت الخصم والحكم، وأنت الممسك بلهاة كلّ مصلحة عامة أو خاصّة.

فرد عاديّ، لسان حاله يردّد مع أبي فراس: إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر

تلك هي الأنانيّة.

عندما لا تعود الفرادة ميزة، بل تمايزاً عن المجموع واستعلاء عليهم.

سنّة فرعون الذي حشر فنادى أنا ربّكم الأعلى.  فهو غير الآخرين، ما من علاقة تربطه بهم إلاّ استعلاؤه عليهم وتحكّمه بمصائرهم.

سنّة هتلر ونظرائه من العنصريين، الذين لا تربطهم بسائر الناس علاقة إلاّ ما يربط أوّل الصفّ بآخره.

أما أنبياء الله الصالحون، ومن سار على هديهم، فكلّهم قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ).

لقد انضمّوا إلى المجموع بجامع البشريّة، وأكّدوا على المثليّة والمساواة.

فرادة الأنبياء الحقيقية هي في قيامهم بالدور الذي كلّفوا به، وهو التبليغ.

إنّ كلّ واحد من البشر حالة فريدة من نوعها. له بصمته المميّزة التي يخلّفها حيث يحلّ وأيًّا يكن موقعه. إنّه يسدّ ثغرة لا يسدّها غيره من الناس، كما قال سبحانه: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً).

من هنا كانت فرادة المهتدين من الأنبياء والسائرين على نهجهم فرادة شورى لا استبداد، تكامل لا تباين (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ).

فرادة عدل لا أهواء (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).

فرادة تخصّص لا ادّعاء (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).

فرادة رحمة وتواضع لا استعلاء (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

فرادة وفاء لا خيانة (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).

فرادة تشريف بقدر ما تنجز من تكليف (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

إنّ أعظم منجزات البشريّة المتحضّرة اليوم، هو ليس قدرتها على اختصار المسافات بالطائرات، بل قدرتها على اختصار المسافات بين البشر، ليصبح الفرد مسؤولاً، متميّزاً، مبادرًا، ضمن فريق واحد. إنّه تأكيدها على أنّ التنمية الحقيقيّة هي التنمية البشريّة، التي تمرّ بتعزيز قدرات الفرد الفكريّة والجسديّة، داخل فريق جامع.

إنه اعترافها أخيرًا بأنّ فرديّة الفرد ليست فرادة ولا تميّزًا، وإنّما تميّزه لا يطرح ثمرته الأطيب إلاّ في بستان المؤسسيّة الأسريّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة الثقافيّة الإصلاحيّة.

ويبقى في آخر الركب أولئك الذين لم يفقهوا السرّ بعد، وتمحوروا حول أناهم؛ فاختصروا العالم في فرد واحد.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - سوالف مساءً 05:30:00 2010/03/14

    أحلى شي قصة هتلر ....بعضهم مسلمين لكن النازيه في دمهم .... أوف أستغفر الله وأستعيذبالله منهم .... مبروووك مقال من تطور لتطور يارب ....

  2. 2 - نور ًصباحا 10:40:00 2010/03/15

    جزاك الله خيراً وزادك من فضله مقال جيد وجهد مشكور ملحوظة : الأخت الفاضلة كاتبة المقال اسمها ( سنا محمد طوط ) وليس كما ورد

  3. 3 - طه بافضل ًصباحا 11:40:00 2010/03/15

    من لم يفقه معنى الحياة باجتماع الكون بمافيه من العوالم المتعددةوالخلائق المتكاثرة ورأى أنه يستحيل أن يكون بمعزل عن هؤلاء جميعاً لم يكن ليرفع عقيرته بالأنا . ومن رأى حقيقة تكوينه وضعفه وفقره ومآله وعبوديته لربه وخالقه سيستحي فعلا أن يقول أنا .. جزاك الله خيرا أ.سنا على هذا المقال الرائع ..

  4. 4 - أم أنس ًصباحا 11:51:00 2010/03/15

    سلمت أناملك وبوركت افكارك... رائعة هذه الاضاءات: فرادة عدل لا أهواء (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). فرادة تخصّص لا ادّعاء (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). فرادة رحمة وتواضع لا استعلاء (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). فرادة وفاء لا خيانة (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً). فرادة تشريف بقدر ما تنجز من تكليف (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

  5. 5 - أجل مساءً 12:07:00 2010/03/15

    ويبقى في آخر الركب أولئك الذين لم يفقهوا السرّ بعد، وتمحوروا حول أناهم؛ فاختصروا العالم في فرد واحد.

  6. 6 - شاكر باملهس مساءً 01:40:00 2010/03/15

    نشكر لك هذا المقال الرائع استاذة سنا والى الامام عجبتني العبارة: التنمية الحقيقيّة هي التنمية البشريّة، التي تمرّ بتعزيز قدرات الفرد الفكريّة والجسديّة، داخل فريق جامع. (أ.سناء طوط) تصلح ترسل كرسالة جوال

  7. 7 - سعاد احمد مساءً 01:50:00 2010/03/15

    جزاك الله خيرا نفخر فيك أ.سناء مقال رائع بورك فيكن بنات آل الإسلام اليوم :)

  8. 8 - عتيد مساءً 03:12:00 2010/03/15

    نفع الله بك وبقلمك التربوي أختنا الفاضلة أ.أم معروف.

  9. 9 - نخيل الاسلام مساءً 07:27:00 2010/04/18

    "إنّ أعظم منجزات البشريّة المتحضّرة اليوم، هو ليس قدرتها على اختصار المسافات بالطائرات، بل قدرتها على اختصار المسافات بين البشر، ليصبح الفرد مسؤولاً، متميّزاً، مبادرًا، ضمن فريق واحد. إنّه تأكيدها على أنّ التنمية الحقيقيّة هي التنمية البشريّة، التي تمرّ بتعزيز قدرات الفرد الفكريّة والجسديّة، داخل فريق جامع." يقول تعالى "نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ " سخريًا : اي كل واحد بإمكاناته المتفوقة ليخدم الآخر .. بارك الله فيكِ الأستاذة سنا ..

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف