السّكينة... في عالم يموج

السّكينة... في عالم يموج
 

لكلّ عصر روح وشرور، ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره ـ كما يقول فولتير ـ وفي عصر نحن نتاجه، عصر المعلوماتيّة والانفتاح التّواصليّ، عصر تغلّبت فيه جغرافيّة المعرفيّة على جغرافيّة المكان، وأصبحت القوّة لمن يحسن فنّ رسم الخرائط في واقع سريع ومعقّد ومصلحيّ. يتضاعف التّعقيد على مجتمعات بطيئة في قراراتها وأفعالها، ناقصة في حرّيّاتها، مأسورة بعقبات التّخلّف، ومسكونة بهواجس الخوف والاستلاب، تتسلّى بهويّة تشظّت إلى هويّات من نسج الأوهام.

عالم يموج بالحروب والنّزاعات، وتفتك به الأمراض والآفات، انتشر فيه الظّلم وغابت العدالة... عالم أصبح فيه الإنسان منزعجًا قلقًا مضطّربًا، لا تشير بوصلته إلى الاتّجاه الصّحيح في كثير من الأحيان، ولا أضرّ على إنسان هذا العصر من غياب المفاهيم والسّلوك لأعظم مبادئه وقيمه ومقدّراته، كالحبّ والعطاء والتّسامح والسّلام.

في ظلّ هذا العالم الجامح فإنّ مجموعة من الشّباب والفتيات بدؤوا البحث عن طريق للعيش بسلام، واكتشاف عمقهم الرّوحانيّ، ليتجاوزوا حروب الكلام، ومعسكرات الأيديولوجيّات والمعتقدات، وليخرجوا من سجون العقل المحدود، إلى فضاءات النّفس وآفاقها، ومن أوهام الأنا الزّائفة إلى نزاهة الأنا الحقيقيّة، في حال لا تختصم مع العقل، ولكنّها تفهم أدواره الشّريفة، من دون أن يكون له سلطة مطلقة يحاكم فيها الرّوح، ويمنطق كلّ الوجود.

لقد لفت انتباهي في المعرض الدّوليّ للكتاب، وعلى صفحات «تويتر» شغفهم للحديث عن السّكينة والنّجاح الرّوحيّ، فكانت التّغريدات في هذا الموضوع تجد صداها وتفعل أثرها، كما كان الإقبال في معرض الكتاب شديدًا على الكتب الروحانيّة للحكماء والمعلمين من أمثال «أوشو الحكيم الهندي»، التي زخر المعرض بمجموعة مما تمّ تدوينه من حكمته؛ لأنّه -كما يعلم البعض- أنّ «أوشو» لا يؤلّف كتبًا، وإنّما يدوّن عنه أتباعه ـ كما كان من الكتب الأكثر اهتمامًا مؤلّفات المعلّم الرّوحانيّ: «إيكهارت تول» لاسيّما كتبه الثّلاثة «قوّة الآن - أرض جديدة - حديث السّكون»، إضافة إلى كتب لمؤلّفين ومعلّمين آخرين، والشّاهد من حكاية الحال أنّ الجيل الشّاب، يستأنف ما فات على من قبله ممّن استخدمتهم عقولهم بدل أن يستخدموها، أولئك الذين تركّز اهتمامهم كيف يمتلكون، ولم يتركّز اهتمامهم كيف يكونون، فأصبحت الحياة لا روح فيها حين تحوّلت إلى حركة وإرادة للمادّة، وما نتج عن ذلك من أمراض النّفس وضغوط الحياة.

لعلّ ذلك يأذن بفجر جديد لعصر الحكمة حين يهدأ العقل بسكينة النّفس، ويستطيع الإنسان أن يتدبّر حاله، ويعيش فرحته وسعادته، ويحقّق إنسانيّته.

إنّ السّكينة والحكمة يجب أن تكون مشروع العصر الرّاهن عبر التّعليم والإعلام والخطاب الثّقافيّ العامّ، وعبر منتجعات الاسترخاء والتأمّل، مشروع يقوم به المعلّمون الحكماء من علماء الدّين المتبصّرين، ومن أهل الحكمة والرّأي والتّجربة السّديدة، وهو خيار بات ملحًّا، وأيّ تأخّر فيه فإنّما هو تجاهل للحقيقة، بل وعداء لها، وهو ما سيجنيه المجتمع وبالاً حين يكون النّزق هو سيّد الموقف في القرارات والتّحوّلات، وحين يطغى الزّيف والمزايدات في كلّ الخطابات، المجتمع هو ضحيّة الظّلم والنّزق والكراهية والبغضاء والتفكّك وكلّ مخرجات اللاّروح واللاّوعي.

إنّ الخطاب الدّينيّ يجب أن يكون واعيًا أكثر من غيره، وأن يكون يقظًا من أن يُشغل ويُستغلّ للصّراعات والشّعارات، وعلى علماء الدّين عبء الوعي الذّاتيّ الذي يدركون من خلاله رسالتهم في فهم التديّن كنور مشكاة النّبوّة ـ هدًى ورحمة ـ يجد النّاس فيه مستراحهم من متاعب الحياة، فيجدون سكينتهم في المساجد التي ـ مع الأسف ـ لم يعد بعضها كذلك، حين فقدت روحانيّتها وجاذبيّتها لضعف الاهتمام بها، ونقص ما يُلقى فيها من الحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ تحوّلت خطبة الجمعة إلى نشرة أخبار وتحليل أحداث، وانقلبت الموعظة زجرًا، والفقه خلافات وترجيحات لا تنتهي إلى ما يهذّب السّلوك ويهيّئ النّفوس، وإصلاح المساجد مشروع يحتاج إلى جهود أكثر وأكبر.

ولا يكتفي مشروع الحكمة والسّكينة على علماء الدّين، لكنّهم حجر زاوية فيه، وعلى كلّ أحدٍ مسؤوليّته؛ فـ«كلّكم مسؤول»، والخير مقبل بإذن الله؛ فالحول له، والقوّة به.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - ايمن زكريا مساءً 06:13:00 2012/04/09

    احبك يا شيخ لكن لم تات بصراحة بجديد السكينة موجودة بسهولة عند كل مسلم تجدها في قراءة القران ولو كانت بشكل تقليدي ستجدها في الركوع والسجود برغم انف من ينكر ذلك كل مسلم هو بالتاكيد مريض نفسيا اذا لم يقرا القران او يقيم الصلاة الــــــــــــكينة انها اقرب اليك من حبل الوريد

  2. 2 - حارث الشوكاني مساءً 06:47:00 2012/04/09

    كلامك جميل لكن حديثك عن النفس والسكينة وسجن العقل والمعتقدات والحروب الكلامية قد يفهم منه انك تدعوا الى الاعقلانية كما فعل الغزالي بعد رحلة عقلية طويلة غير متوازنة بقوله اللامعقول (اللهم ايمانا كإيمان العجائز ) فهل السكينة التي تقصدها هي ايمان العجائز فهذا الايمان الاعقلاني اللا علمي يخالف قوله تعالى (فاعلم اته لا اله الا الله) الانسان في وجهة نظري مركب من ثلاث قوى هي (العقل والنفس والجسد)ولاصلاح له الا بتزكيتها جميعا وبصورة متوازنة تزكية العقل بالعلم والنفس بالايمان والجسد بالعمل الصالح ولامدخل لاصلاح النفس الاعبر العقل والعلم أما ذوي السكينة النفسية ممن لايستخدمون عقولهم فهم المظلمون والسذج والعجائز الذين يستغلهم ذوي العقول الشيطانية ارجوالاأكون قد فهمتك فهما خاطئا مع العلم انني من المعجبين يعقليتك في الجملة وان اختلفت معك في هذا التفصيل

  3. 3 - يا حارث ..إيش هذا ؟ ًصباحا 10:48:00 2012/04/10

    أخي حارث خليك من الكلام اللي ما تعرفه خلك في حقيقة آل البيت بالمنظور القرآني واصل واصل واصل تحتاج خمس سنوات حتى تفهم سطر من كلام الشيخ و يمقن تفهم و يمقن لا ؟!

  4. 4 - اين السكينه مساءً 12:04:00 2012/04/10

    موضوع جميل ..لكنه لم يصل الى مفهوم حقيقي للسكينه ؟؟ لم ييؤكد دور الايمان بالسكينه

  5. 5 - زائر مساءً 02:19:00 2012/04/10

    لا يمكن ان يحصل السكينة من يتطلبها عند الهنود الوثنيين او الغربيين الملاحدة فالسكينة والروحانية موجودة في الايمان والقرآن وسكينة الهنود والملاحدة لو وجدت هي سكينة محدودة تنقلب الى شقاء لانها بعيدة عن الله، (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ) الخليط الفكري في كلام الكاتب تدل على ضعف المنهجية الشرعية والتأصيل العلمي والمنطلقات الايمانية في خطابه وكنت في غاية الاستغراب من مطالبته بتجاوز معسكرات المعتقدات !! وهذا تأثر بالليبرالية التي تقول بنسبية العقيدة

  6. 6 - حسن مساءً 02:52:00 2012/04/10

    للأسف مازلت تتعمد الغموض في كلامك فأنت بأختصار تدعو الى التصوف وهذه مصيبة , وفي كلمك متناقضات يدركها القارئ , ثم الاجدر ان توجه الشباب الى كتاب الله وسنة نبيه ففيها السكينة والوعي والثبات ,ولكن التوجيه الى حكماء الهند او الصين هذا يشعر ان ثقافيا مفلسون والحقيقة انا اغنياء بكتاب الله وسنة رسوله وعلماء الامة التي كتبهم تحتاج الى قراءة وتدبر ولكن للأسف دائم مبهورين بالتقليد وبثقافة غيرنا ولو كانت ضحلة ,ثم يغلب على كتاباتك الدعوة الى الحداثة وهذا امر خطير يدركه المثقف المسلم , كثير هم من يريدون ان يطلق عليهم مثقفون او مفكرين ولكن قليل هم من يكون كذالك ,الموضوع في الحقيقة الاجدر عدم طرحه لضعفه مضمونا وشكلا ولغموضه وعدم احتوائه على المفيد.

  7. 7 - حسن مساءً 02:57:00 2012/04/10

    ايها الاخوة الاعزاء هناك من يطلق كلمة شيخ على كل من هب ودب لانه ملتحي يا اخون هذه الكلمة لا تطلق الاعلى من زكوه العلماء وكان شيخ عالم فقيه متبع الكتاب والسنة ,او تطلق على كبير السن شيخ ,ولكن انا اقصد مشيخة العلم

  8. 8 - يماني حر مساءً 05:20:00 2012/04/10

    رقم 3 ارجو ان تفهمنا ايش معنى (ويمقن تفهم ويمقن لا) على العموم قال الله سبحانه وتعالى((قد بدت البغضاء من افواهم وما تخفي صدورهم اكبر)

  9. 9 - حارث الشوكاني مساءً 06:02:00 2012/04/10

    القرآن الكريم يؤكد العلاقة المترابطة بين العلم والسكينة في قوله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء

  10. 10 - عادل سلمان مساءً 07:29:00 2012/04/10

    أخي ان الامر أسهل مما نتخيل،،وأحكم مما ندرك،،وأعظم مما نعتقد،،ان إيمانا بالله تعالى،في حكمه،،وعدله،،وحكمته،،وعلمه،وقدرته،،وكل صفات الكمال فيه،،يهب المؤمن،،المؤمن بقلبه،،لابلسانه،،((امنا))لاخوف يزاحمه الا بقدر ما يزاحم الشرك الايمان فيه،،وذاك من كمال عدله سبحانه وقسطه،،((وهداية)) لما تبتلى به العقول قبل إيمانها ،،قال تعالى((ان الذين وآمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون))الاية ،،وهي حجة بالغة لله على كل من فقد الامن،والهداية،،قالها موسى لما أدرك غيره الخوف,,وانقطع سبب الهداية الى طريق النجاة,,,((....كلا ان معي ربي سيهدين))الايةوهذا مثل لانقطاع الهداية الحسية بالعين المبصرة،،قس عليه انقطاع اسباب الهداية للعين العاقلة،،فوالذي خلقنا ،، لنبتلىينا حتى يعلم من آمن بلسانه او بقلبه,,,لن نعتدي الا بالإيمان به.

  11. 11 - تصحيح مساءً 07:34:00 2012/04/10

    ولن نهتدي الا بالإيمان به،

  12. 12 - حنصالي بن تاشفين مساءً 11:29:00 2012/04/10

    اه هنا يا احبابي يدخل علم "جغرافيا المعرفة" التى ذكرها لنا الدكتور -ان شاء الله ولمالا- وهنا يؤتي دور التقنى .. يا جماعة السكينة هي ميزة تتسم بها النفس المطمئنة التى ذكرها لنا القرءان وتذكروا هي ميزة وليست صفة فهى تابعة او نتاج وليست كيان .. لماذا او كيف تميزت النفس المطمئنة بهاته السكينة وماهو الزمن التى استغرقته حتى انتجت هاته الميزة موضوع معقد صعب لاكن اتناوله بسطحية وهى ان المعرفة الحقيقية بملكوت الله والحياة والمعرفة الحقيقية للوجود وبالتالى هى تعرف اساليب وفن التعايش مع الحياة وبهذا اكتسبت ميزة السكينة او الهدوء والنفس المطمئنة هى نفس خالية من العيوب والشوائب وبالتالى هى نفس سليمة صحية امنة.. شكرا يا شيخ على "جغرافية المعرفة "احتاجه هذا المصطلح

  13. 13 - ابوطارق ًصباحا 12:18:00 2012/04/11

    مقالة جميلة واسلوب ادبي رائع يدعو لمراجعة النفس ليسأل كل منا اين هو من واقع مرير خطر ..ترك لنا الكاتب مايدعو الى فك بعض الشفرات لمن سبح في بحر الماديات وقطع اشواطا بحيث كاد ينسى التاريخ وما سجله ابطال الامة في عصورها الزهية ويذكر من هم اهل المسؤولية ومن بقي من حس ان يشحذ هممه ويصحح تاريخا من اجل ان يعلو بمجد امته ...اسال الله لكاتبنا ان يجزيه الخير ويسدد كم

  14. 14 - طاهر أبوجبل ًصباحا 11:04:00 2012/04/13

    عقيدة – أخلاق ، وحدة أمة – وحدة هدف ، حكم - شريعة ـ ( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿4﴾ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿6﴾ ص ) ـ شق إسلام عمر بن الخطاب على قريش ، فأرسلوا رهطًا منهم إلى أبو طالب وكان مريضا ، فاستدعى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال له : ما بال قومك يشكونك ؟ يزعمون انك تشتم اّلهتهم وتقول وتقول ، وهم يسألونك السَوَاء ( أى الشراكة فى السيادة والحكم ) ، فقال ( أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم ، أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم ؟ ففرحوا وقالوا : ما هي وأبيك ؟ لنُعطِيكَنَّها وعشراً ، فقال : قولوا لا إله إلا الله ) ، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، وهم يقولون ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾ ) . وروي أنهم قالوا : سلنا غير هذا ، فقال عليه الصلاة والسلام : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها ، فقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا - فالمسألة ليست فى النطق بالكلمة ، بل فى اتخاذها منهج حياة بحيث يستشعر كل منا قيمته الحقيقية فى إتقانه لما يقوم به من عمل أيًا كانت نوعية هذا العمل ( طب ـ هندسة ـ حلاقة ـ نظافة ) وفق كلمة التوحيد التى هى شريعة الله فى خلقه ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴿64﴾ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿65﴾ النساء ) ـ إن الإسلام دين ومنهج حياة ، فلم يُرسل الرُسُل للوعظِ على المنابرِ ثم يمضى كل منهم غير آبهٍ بما يَستهترُ به المُستهترونَ أو ما يَبتذله المبتذلونَ ، إن تاريخ الإسلام كما كان ويجب أن يكون على الدوام ( دعوة وبلاغا ، عقيدة وأخلاقًا ، وحدة وتعاون ، حكما وشريعة ) ـ هذه المعانى لم تكن غائبة بحال عن زعماء السياسة والاقتصاد فى قريش وهم من فصحاء العرب الأقحاح فقد علموا علم اليقين أن هذه الكلمة الواحدة التي عُرضت عليهم تعني ترك ما هم عليه نهائيا من معتقدات وأفكار ومفاهيم وشرائع ( شركية ، إلحادية ، ليبرالية ) والاحتكام إلى الدين الإسلامى وشريعته بعد الإيمان القطعى به . ـ إن كلمة التوحيد لا تعنى فقط اعترافك بأفعال الرب ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿38﴾ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿39﴾ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿40﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿41﴾ الزمر ) ـ إن كلمة التوحيد تُوجب علينا أن نُخلص أعمالنا كلها ( عبادات ومعاملات ، سياسة واقتصاد ، دين ودنيا ) لله وأن تكون هذه الأعمال مُتقنة وموافقة لكتاب الله وسنة رسوله . ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿2﴾ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴿3﴾ الزمر ) ـ كَذَبوا على الله مَن صنعوا الأصنام الحجرية والسياسية والإعلامية بأيديهم وعبدوها تقربًا ، وكَذَبوا على الله مَن نسبوا إليه سبحانه بنوة الملائكة و بعض الرُسل ، وكَذَبوا على الله مَن استحسنوا شرع غير شرع الله المنزل . ـ إن التوحيد المطلق لله سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرُسُل للبشر ، وتحكيم شريعته التى هى رحمة للعالمين . ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴿150﴾ أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿151﴾ النساء ) ، ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿19﴾ آل عمران ) ، ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿85﴾ آل عمران ) فالكفر كفر ، والإيمان إيمان ، ولا يصح البتة البحث عن قواسم مشتركة فيما بينهما لاستحالة وجودها أصلا ، ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿71﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿72﴾ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿73﴾ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿74﴾ الزمر ) ـ ( وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿52﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿53﴾ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿54﴾ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿55﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿56﴾ المؤمنون ) ـ ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿49﴾ المائدة ) ـ مصرُنا بحاجة لكل وطنى مخلص ، قوى فى إيمانه وتخصصه ، أمين فى أداء عمله ، متعاون متكامل مع الأخرين من حوله ، مقتصد فى إنفاقه واستهلاكه ، غزير فى إنتاجه المُتميز ـ ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿103﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿104﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴿105﴾ ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴿106﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿107﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿108﴾ الكهف ) ـ ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه . البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ) ، ( يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، وفي قلبه وزن ذرة من خير . البخارى عن أنس بن مالك ) طاهر أبوجبل 6 / 4 / 2012