آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

امـرأةٌ مـن ألــم

السبت 08 ربيع الأول 1437 الموافق 19 ديسمبر 2015
امـرأةٌ مـن ألــم
 

هكذا كان الناس في بياض نهارهم أعداداً و جموعاً تهدر من الرجال والنساء والولدان تزخر بهم الشوارع والطرقات يتزاحمون بسيارتهم وأجسادهم .
وقفتْ هــي منفردة على قارعة الطريق ولكن جرار الألم الذي بان على صفحات وجهها لم يتركها وحيدةً ، وكأن هذا الصباح الذي يرسم تباشير جديدة ينحت أيضاً معالم الشقاء على وجوه أناس آخري ..

كانت تنظر تلقاء وجهها لا تحيد يمنة ولا يسرة ولكنها تبعث تاريخاً من الحسرات والآلام ، لقد أطبقت عليها رحاب الدنيا والتصقت بخناقها فتركتها بقية من روح تخفق بين جنبين أكلهما الشقاء.
عندما تراها يهيج منك الفكر لينطق بأسرار القلوب المكلومة ، وتستعلي منك الروح لتنثر من مكنون المعاني الدفينة ، وينشط منك العقل لمحاولة فك ألغاز قفلها الدهر .

وقفتْ على قارعة الطريق ككتاب يقرؤه كل مستعرض وناظر ، ويبكي حرمانها واحتراقها كل مشفق و راحم .
إن في قسمات وجهها معنىً احتار في معرفته عقلي فكيف يستطيع التعبير عنها قلمي ..... 
تُـرى في أي روضٍ قـد شبّت ؟ وفي أي بيتٍ ترعـرعت .. وما حال هذا البيت وأهـلـه ؟!
هل تراها تعيش غبرات الزمن في ظل زوج لا يرعى لها حقاً ، ولا يقيم لها وزناً ؟!
أم تعاني نظراتٍ شزرة من أب يضغط بكل ما أوتي من قوة ليشعرها بأن وقت مـكـوثها بالبيت قد طال ؟!
أم أنها تعيش قهراً مدمراً في ظل رأسمالية هوجاء ترى أن الجسد مقابل الغذاء ؟!
أم أنها أُبعدت عن الأهل والأوطان واقتلعت من بين الرفقة والأصحاب ؟!
أم أن قلبها المسكين قد كواه ألم الفراق وضاق به الوجد ، أم سحقته مكائد ودسائس الخديعة ؟!
أم تُـراه اعتصرته يد ظالم كما تُـعتصر الوردة الناعمة في كف غليظة قاسية ؟!

أجزم أن روحها كانت مزدهرة بآمال بديعة و مزهوة بأحلام جميلة ثم احترقت كل تلك الآمال وعصف الدهر برمادها وتبددت الأحلام الغضة وأيقظها الزمان على غصة البؤس والحرمان.
إن لك أن تُخفي أي شيءٍ إلا سلطان القهر و الحزن فإنه يهتك كل ما يحيط به من حجب ، ولابد أن يتراءى للناس في جبروته القوي ولابد أن يعلن عن نفسه سواء رضي صاحبه أم سخط ... فتذهل الروح عن جسدها وتختفي كل ملذات الحياة حتى ليتحول ريق المرء ولعابه إلى المرارة بعد العذوبة والصفاء ، وتظهر الأشياء و الأماكن وصور الناس مختلفة اختلافاً بادياً فتبعث في أعماق النفس شعوراً بالوحشة.

أعرف أن هذه المرأة ما هي إلا مثال لعديد النساء والرجال .. مثالٌ لعديد الآلام والأسقام ما هي إلا تجسيد لمعاني الحرمان والشقاء الموزعة بين الخلائق والبشر .
ولكن من وراء هذه الآلام والأوجاع أسرارُ كثيرة لا يكاد يهتدي إليها كثير من البشر ، ومن وراء القوالب والأشكال معان كبيرة لا يفقه كنهها ولا يعرف حقيقتها من اشتغل بالقشر دون اللباب . 
فالحياة لا تصفو للنعيم فقط ، ولا يستطيع البشري مجابهتها من غير سند إلهي ؛ فلابد له من ساعاتِ وصلٍ ورضا بينه وبين خالقه ينتفض القلب معها من مرارة اليأس وسطوة الجزع .
إن الذي يحاول وحده لن يفيده ذلك شيئاً في استجلاء الحقيقة وفهم أسرار هذه المصائب ومن يُعمل عقله المجرد موظفاً رياضياته وكيمياءه وفيزياءه فقط ، فلن يصل إلى مراده ولن يزداد إلا حيرة وغبشاً فقد قيل : أن العقل لا يجيب على أسئلة المحنة والابتلاء إنما تجيب عنها النفس المؤمنة .
ابتعدتُ عنها وعجز ناظري عن ملاحظتها ولكن لم تعجز روحي عن تقدير شيء ولو بسيط من معاناتها .  
اللهم إنك تعلم أنها كانت عدماً في طوايا التراب فأنبتها أنت قدراً في عالم الأوصاب فامنحها إلهنا ما تزيل به أوجاع الدنيا وآلامها و تمسح به سواد الدموع وقتامها.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - خلده مساءً 02:11:00 2016/02/09

    والله ماعرفنالكم .....الحين الكراه المسلمه مكرمه ومحترمه وسعيده في اسلامها والا هي حزينه وكثيرة الالام ....

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف