آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الإثارة

الاثنين 29 ربيع الثاني 1437 الموافق 08 فبراير 2016
الإثارة
 

 

في المجتمعات القديمة جداً أي قبل فكرة العولمة، وفي بعض الأرياف والقرى البسيطة، كل الناس فيها أقارب .. يعرف بعضهم بعضاً، يعيشون أسرة واحدة كأصابع اليد الواحدة؛ فالمسافات قريبة، والزيارات متواصلة، واللقاءات دورية، والمسجد واحد، ولا يتغيب عنه أحد، والشيخ الذي يتتلمذ الصغار والكبار على يديه واحد، يصدقه كل الناس، ويثقون بكلامه، والفتاوى التي يصدرها يتلقونها على أنها أوامر صارمة .. يجدون في شخصه المعلم والأب والأخ والصاحب والرفيق .. ولا شيء يصرف اهتمام الناس عن شؤون بعضهم بعضاً .

بينما في المجتمعات والمدن الكبيرة والمتطورة، فالشوارع طويلة ومكتظة، والمسافات بعيدة، وأكثر من تراهم لا تعرفهم، ولا أحد يهتم بالآخر، والمساجد كثيرة، والمسجد الذي لا يعجبك إمامه ومصلوه يمكنك بسهولة أن تنتقل إلى غيره، والمسافة بينك وبين الشيخ (العالم) الذي يقطن نفس المدينة بعيدة، ولا يتوافر عند الطلب ..، مجتمع كبير جداً .. لا وشائج تربطه، والكل غريب عن الكل، والصلة والقربى والقرابة والمودة والتكافل كلمات جميلة، تسمعها ولا تراها، والحياة رتيبة، ما تعيشه اليوم تعيشه كل يوم، ولا تغيير فيها ولا تبديل، تجعل الإنسان يشعر بالملل والاشمئزاز من نفسه ومن غيره، وتجعله يبحث عن الإثارة !

والإثارة كلمة فضفاضة؛ فقد تكون الإثارة في تذوق الطعام الصيني وبعض المأكولات الغريبة، وفي غزو القمر واستعماره ونقل الأعداد الفائضة من سكان الأرض إليه كما كنا نسمع من قبل، وقد تكون في إنشاء الأعمال الشخصية، وتشييد المنشآت المالية، وإدارة مشاريع المقاولات، واحتراف الرياضات البدنية والعقلية، وقد تأخذ الإثارة منعطفاً خطيراً، يتمثل في أن يضرب أحدهم من موقعه الوظيفي والقيادي ضربة يصبح بعدها مليونيراً، ومن ثم كخطوة تالية ينظف الأجواء التي تلوثت بغاز الضربة، فإذا تأزمت الأحوال، ولم تجد محاولات التغطية في إخفاء كدمات الضربة، لا يجد حينئذ بدّاً في أنْ يمسك طرف ثوبه بأسنانه ويلوذ بالفرار مدبراً ومثقلاً بالأموال الطائلة إلى حضانة دولة أجنبية .. !

لقد أصبحت الإثارة في اختلاق الأقصوصات الكاذبة، ونشر الإشاعات والأراجيف المغرضة، ومحاولة تسلية الجماهير وترفيههم وتلطيف مزاجهم، ودغدغة عواطفهم من ناحية، وخلخلة مبادئهم الأخلاقية من ناحية أخرى، وذلك عبر مجموعة من برامج الإثارة الجنسية والغرامية والقتالية الهدامة من أفلام وأغاني ومسلسلات ومسرحيات .. تافهة، بحجة إنقاذ الناس من القرف والملل! والتنفيس عما في أعماقهم من مشاكل وعُقَد! وقد نجحوا في اختراع الآلة التي يصلون بها إلى كل شخص ليتلاعبوا بمشاعره من بعيد، وأصبحت المنازل أقفاصاً أو قاعات صفية تتولى تلك الآلة التي تدعى (تلفزيون) تعليم ساكنيها وتأجيج عواطف العنف والغضب والحقد والانتقام والاقتتال والقتل والعشق الحرام ..، لقد احتلت صميم المركز في قلب الأسرة، وهو مركز ثابت لا يتحرك، وتولت قيادتها بالصوت والصورة، وعلى مدار الساعة، وامتصت عصارة أوقاتها النفيسة، والأسرة والجماهير ومَن يملكون زمام أمورها مشغولون بهذه الآلة وببرامجها الترفيهية دون أي اعتبار لتأثيرها السابغ البالغ في الأفراد الذين يجلسون أمامها .. إنهم يريدون هذا النوع من الإثارة المحرمة! ويدفعون قيمتها وهو راضون وعلى استعداد أنْ يدفعوا أكثر ..! لا يريدون لأحوالهم أن تنصلح، وما في نفوسهم أن يتغير، بل يرغبون بالمزيد من العبث والمسخرة، المصيبة أن العبث أصبح عضوا مستوطناً مع أفراد الأسرة الواحدة، صار جامعة والناس من جميع أنحاء الأرض روادها، وللأسف تخرّج للمجتمعات أجيالاً عابثة ..! الدين والأخلاق بالنسبة لهم صفحات  مكتوبة مطوية عاجزة عن جعلهم يشعرون بالإثارة، وما دامت الأفلام الهندية والأجنبية والأغاني الغرامية، والبرامج الساخرة من الدين والقيم، هواء يتنفسه القاصي والداني، فمن أين تأتي الهداية القادرة على شفاء النفوس، قال تعالى : (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .

لقد أوجد المخربون بهذه البرامج الفنية الجامحة أجيالاً خرافية، تعيش مع الناس وضد الناس، ولم يعد الصغير صغيراً، وانشغل الكبار بألعاب الصغار، واهتم الصغار بتقليد الكبار، وأصبح الواحد يخاف على نفسه من نفسه، وينظر باستخفاف إلى هموم الآخرين، ويأخذ الدين على محمل الهزل، والهزل على محمل الجد، ويعيشون كأنهم موتى مع أنهم أحياء .

لا يريدون أنْ يشعروا بالملل، فاقتحموا أسوار المحرمات، وتعاطوا المخدرات، وارتكبوا الجرائم الوحشية، وافتعلوا الحروب لأسباب تافهة، ونهبوا الثروات، وفعلوا ما لا يخطر على عقل بشر، والعجيب أنهم وجدوا في هذه السخافات والعبثيات نوعاً من المتعة، وانتصاراً على عدوهم المزعوم (الملل) ! .

إنه الشعور بالضياع، والشعور بأنه لا جدوى من شيء، ولكن لماذا لم يبحثوا عن الإثارة في إنشاء مشروع خيري، أو ممارسة عمل تطوعي، أو إكمال الدراسة، ..؟! لماذا يبحثون عن الإثارة في الأخلاق ليصدموها بشهوات أنفسهم ؟! ويتقصدون ذلك في أفضل مواسم الخيرات! في رمضان شهر القرآن ! في هذا الشهر المبارك يطرأ تغيير كبير على برامج التلفزيون، وتجتاح العالم الإسلامي عواصف قاصفة من الدراما، والأغاني الراقصة، والكوميديا الساخرة، والحفلات الغنائية المقامة بقوة القانون فيما أسمته التراخيص الرسمية بـ (الخيم الرمضانية)، هذا وتهطل زخات متفرقة من الإعلانات التي تروج للبنوك التجارية بمنخفضاتها الربوية، وعروضها الحصرية المتمثلة بإطلاق صاروخ أقل معدل فائدة في شهر رمضان، وتحت عنوان (القروض الرمضانية)، ويظل الجو مغبراً وملبداً بالغيوم طوال أيام الشهر، وتزداد تقلباته في العشر الأواخر، وتسوده حالة من عدم الاستقرار ! ..

لماذا يبحثون عن الإثارة في قسمة الصف الواحد ؟ وجعل المسلمين يتخذ بعضهم بعضاً عدواً، حتى أصبح كل واحد منهم حرباً على صاحبه، يسوقون أنفسهم أو يساقون من حيث لا يشعرون إلى ميادين القتال يضرب بعضهم وجوه بعض، والعدو رابض من ورائهم يتربص بهم الدوائر، ويستمتع بمشاهدتهم في حلبة المصارعة يتهافتون على أنفسهم قتلاً وضرباً، ليقتحمهم بعد ضعفهم ووهنهم فيظفر بهم جميعاً .

لقد احتنكهم الشيطان، وامتطى اكتافهم، وتمكن منهم، وأحاط بوجهاتهم الإرادية يسيرها كيف يشاء، وصار الطلب من أحدهم بأن يكف عن بغيه كالطلب من عاصفة ألا تهب، ومن نار ألا تخمد فجأة !

فما هو الحل؟ التلفزيون ووسائل التكنولوجيا الحديثة ليست عيباً ولا مشكلة في ذاتها، المشكلة فينا! المشكلة في المحتويات المبثوثة وأثرها على عقول كل الأجيال من أطفال وشيوخ ونساء وشباب، كان علينا صناعة البرامج العربية الأصيلة ذات النصوص الأخلاقية الرفيعة أو على الأقل المقبولة ذوقاً ومنطقاً، والتي حين نشاهدها ونسمعها تشحذ هممنا، وتنبه عقولنا، وترفعنا إلى ما هو أرفع وأنفع .

يجب أن نعرف جيداً أن الإثارة تزكو بالإيمان والأخلاق، وتجمح بدونهما، الإثارة بلا دين ضرر وأذية .. الإثارة التي لا تتماشى مع الأخلاق تضر الناس ولا تفيدهم ..، الغارات القاتلة التي أفنت مدناً كبيرة بناسها وأشيائها في ساعة إثارة! أذى يجب أنْ يحتاط الناس منه، القنابل المحرمة دولياً والتي بإمكان أصحابها في لحظة إثارة استخدامها لإشفاء غيظهم في إبادة شعب بأكمله شرّ يجب استئصاله، الاعتداءات على الأماكن الآمنة، والبقاع المقدسة، وزهق الأرواح البريئة، ومعاقبة المجموع بجريرة الواحد، وتخريب الممتلكات العامة، وترويع الآمنين .. قسوة! ووحشية! وهستيرية! لا مكان لها بين بني الإنسان .

أيها العابثون! ستقفون غداً بين يدي الله تعالى، وسيسألكم عن حبله الذي قطعتموه، وعن أمانته التي ضيعتموها، وعن المسلمين الذين سقتموهم إلى موارد الهلاك والفوضى الأخلاقية والدينية، ولا يظلم الله أحداً، ولا يريد بأحد شراً، ولكن الناس يأبون إلا أنْ يسخطوا الله عليهم، وأنْ يبتعدون عن رحابه الفسيحة ليقفوا في زاوية ضيقة بعيدة على شفا صخرة ضعيفة أو تحتها، فإما أنْ تزل بهم أقدامهم أو تسقط الصخرة على رؤوسهم .

لقد كان العابثون القدامى من الأقوام السابقة ممن جرَّبوا صنوف الإثارة من اللعب في كفة الميزان، واختراع المعتقدات، والانحراف الجنسي، والاستعباد السلطوي، والتمييز العنصري ...، كانوا في البساتين ينعمون، وتحت الظلال يقيلون، وعلى ضفاف الأنهار يمرحون ويسرحون، واليوم لا غاد منهم ولا رائح، ولا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لهم ركزا، فهل من معتبر ؟

الطريقة الوحيدة لتنقية الذمم الملوثة، وإنقاذنا من حمى الإثارة، هي أن نلتف حول إسلامنا وشريعتنا بكل حماسنا، نحميها بلا هوادة، ونحول انتماءنا وولاءنا لها، فالشريعة وقاية ورعاية ليس لأجيالنا الحالية فقط، وإنما للأجيال الشابة الناشئة في أوساط ملوثة بغسق الإثارة المحرمة .

ولكي تشعر بالإثارة ويهجرك الملل، يجب أنْ تخصص حياتك للجهاد في سبيل شيء من الأشياء، يجب أنْ تجعل لنفسك هدفين تسعى إلى تحقيقهما ما حييت، هدف أرضي نبيل كأن تصبح طبيباً أو عالماً أو مزارعاً .. أي إنساناً منتجاً في الحياة لا خاملاً عقيماً، وهدف سماوي يتمثل في إتقان العبادة، تفني لأجله عمرك ووقتك وجهدك، ومعنى التخصيص الذي أشرت إليه آنفاً هو الالتزام والاستقامة والمثابرة والمصابرة في العبادة، وحاول أن تبحث عن الإثارة في جو العبادة حتى لا تسأم منها؛ فصلِّ الفرائض ودوام على الأركان، وتزود من النوافل بقدر ما تجود به الطاقة، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق، واقطف من بساتين الطاعة، وابحث عن جوامع الكلم، ومنابع الأجور، واجعل طموحك أن تصيب بفضل الله وبرحمته الفردوس الأعلى .

 

(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف