آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

تمدين الأرياف

الاثنين 26 جمادى الآخرة 1437 الموافق 04 إبريل 2016
تمدين الأرياف
 

" الجغرافية الشخصية " تترك تأثيرها في أعماق الإنسان ، وهي الخارطة المكانية التي يتحرك داخلها عقل الإنسان وتمتزج بدوافعه ومقاصده .

كلما كانت المساحة محدودة وضيقة انعكس هذا على انحباس الأفق وحدة التعامل وندرة الفرص ، ولو كانت مسافة المنطقة أوسع فإنه يجري على الإنسان تغيير نوعي على كافة المستويات .

والجغرافيا الشخصية تنطبع في سلوك الإنسان كما في تفكيره ، ولذا فإنه يرث من الجغرافيا التي ينتمي إليها بعض من طباعها ومعطياتها ، فإما جاف نزق أو ليّن هيّن وسهل .

فلو أن إنساناً كانت جغرافيته محدودة بقرية ريفية معينة ، فإن طموحه لا يتجاوز درجة امتلاك بيت يسعه ومزرعة تعيله وذرية تحفظ نسبه ، كما أن تفسيراته وعداواته لن تتجاوز المتاحات والممكنات في قريته ، وتفكيره سيصبح حكراً على الجهاز الثقافي الذي توقف عنده الوعي داخل القرية .

وكذا لو أن إنساناً اتسعت جغرافيته الشخصية ونطاق اشتغاله الذهني لما هو أبعد من موطن سكنه واتصل بإحساس إنسانوي فائق وارتحل إلى وجهات مختلفة بعقلية منفتحة وقابلة للاستيعاب والاستشراب ، فإنه سيثري إمكاناته المفاهيمية ويوسّع من إطار مواقفه بحيث تشتمل على ما يقصر عنه ابن القرية المنهمك في محليته البسيطة .

العالم اليوم لا يبدو مريحاً في ظل هذا الانفتاح الشبكي والتقني ، بحيث ازداد حجم القلق والتشابك وارتطمت المجالات الجغرافية فيما بينها واختلط الأمر على الإنسان الساعي للحصول على هوية متماسكة يحوزها ويحصل بموجبها على خارطة ناجزة لجغرافيته الشخصية .

ورغم أن هذا الانفتاح الشبكي ساعد على إرساء عملية تخليق هوية أممية قائمة ومستمرة تطوي العالم في قرية واحدة ليساعد في إذابة التمايزات الضيقة ، ولكن المجتمعات الموتورة ما زالت متشبثة بهوياتها الجزئية مما ألهب من سعار التشابك المعقد والضلال الجغرافي للعالم.

كثيراً ما تعرضت الهويات الاجتماعية الصغرى للإلغاء والمحاصرة ، هويات متنوعة بحكم المسافات المترامية وواقع التاريخ الاجتماعي المتعدد ، لا تشكل قلقاً على الهوية الجامعة ولا خطراً على اللحمة الواحدة ، أكثر من كونها روافد لا تنضب ، لو أنها تركت تنساب دون التعمد لسدها وحسمها ، تمد مستقبل البلاد بالكفاءات وموجات الأجيال الواعية .

بقيت هذه الهويات المتمايزة ضاوية تحت ضغط الهوية الجامعة ، وإرغام الفكرة المطلقة التي يغذيها الشعور المتوتر بالوحدة السياسية ، أو التوجس على حياض الدين وحمى الهوية .

في المقابل عمل الضخ الاستهلاكي عبر التماهي التقليدي والتسويق الإعلامي على تغيير طبيعة الريف ، عمليات التنمية المستعجلة التي تعاملت بالمساواة غير العادلة مع الطبائع الاجتماعية المتعددة دمغت الهويات ومزجتها في منتج اجتماعي وحدوي ، ألغى الثراء وحبس الانبعاثات الاجتماعية الأصيلة .

حدث ما يشبه الفجوة ، ما زال الريف مشدوداً إلى أديمه المتأصل في طبعه وخلقته ، ومختطفاً من قوى التغيير الجبري ، فقد الريف شيئاً من عفويته وصيرورته الطبيعية باتجاه النمو المتسامح ، ازدوجت لديه القيم والمعايير ، واضطرب شكل المستقبل في رؤيته وفقد اتصاله بماضيه الجميل .

هناك منطقة فاصلة بين الريف والمدينة ، بين ما نتمناه ونتخيله إلى درجة الهوس وترسمه لنا شبكات التواصل وفضائيات البث العبثي من صور المدنية الراقية وتغذية العقل بلذاذات العالم المتحضر ، وبين ما ينزفه واقعنا من شح الخيارات وضعف المتاحات ، اضطراب ذهني بين الواقع العاجز والمأمول المتجاوز ، بين الحقيقة القاصرة والأحلام الفاخرة ، وليقترب المعنى أكثر بإمكانك أن تقف على مشهد " السهر " وهو منتج مديني بامتياز لأنه يمارس في ظل مدن صاخبة تعج بالسهرات الصباحية حتى أصبحت المدن التي لا تنام عنوان تلك المناطق الجغرافية التي لا تهدأ من إيقاع الليالي المدوية ، ولكنه ينتشر ببشاعة في الأرياف وهي لا تقوى على مثل هذا .

في القرية يكفي أن تكون رجلاً حالماً ، لتكون رجلاً مميزاً .

لأن الريف لا يغريك بما هو أبعد من المطالب الأساسية للحياة ، وما فوق ذلك ليس من الأهمية بمكان ، بخلاف الحال في المدينة التي يرتفع فيها مستوى التنافس الشخصي ويتسع أفق الأحلام إلى أقاصي ممتدة .

كن رجلاً حالماً ، فالحلم في القرية انتصار على الظروف القاصرة ، وخطوة مدنية باتجاه التحضر .

التربية عندنا تمشي على قدم واحدة ، جهد الأمهات والآباء في القرى مصروف لتغطية الواجبات الاجتماعية ، بخلاف المدن التي تقل فيها الارتباطات الخارجية مما يمنح الأبناء مزيداً من الوقت والاهتمام والتركيز من قبل آبائهم .

بالإضافة إلى الوعي الذي يتمتع به أهل المدن وجودة الخدمات التعليمية والتربوية تنعم البيوت بزخم عائلي يساعد على متابعة الأبناء حسب طبائعهم المختلفة ونسيجهم الشامل .

القرى التي تتمتع بفرص طبيعية جيدة تعطي الأبناء فرصة حقيقية لتحمل المسؤولية ومواجهة التحديات بمفردهم ، ولكن الأرياف التي تعيش في منطقة الاختلال بين البداوة والحضارة تخلق ارتباكاً في أنماط التربية .

هذه المناطق المشتبكة تعتبر أكثر مسافات التشوه الحضاري والقلق الزماني ، إذ يملك المجتمع رأس مال حقيقي لا يجد نوافذ لتصريفه أو فرصاً لتوظيفه وتنميته مما يضطره لخلق أنشطة استهلاكية بديلة تلتهم أمواله وينعكس هذا على طبيعته الاجتماعية وانسجامه الأهلي  .

أكثر ما يؤلمني في حالنا : أن التقليد الاجتماعي غلب على المعنى الديني في المواسم والمناسبات .

ولذا المسلسل التلفزيوني وطبق السمبوسة زاحم القرآن والتراويح حتى كاد يلغيهما من المخيال الجمعي والحضور الواقعي في شهر رمضان مثلاً .

بالإضافة إلى عدم تمكين الإنسان من فرصة التعرف على الله بشكل مستقل ومنفرد ، حتى أصبحنا دائماً في حاجة إلى غيرنا ليذكرنا به وينبهنا إلى وجوده وحقه علينا ، وهذا ما جعل سوق الوعاظ والدعاة ينمو ويتضخم .

نحن بحاجة ماسة إلى إعادة تخليق كينونتنا !

أعرف جيداً لماذا يتميز أهل الأطراف عن أهل المركز ، وأبناء الطبقة الكادحة على أبناء الطبقة القابضة ، وسكان الأرياف عن سكان المدن المتخمة بالكماليات .

يبدو وكأن الضعف يولد القوة ، وعقدة النقص تحرّض على طلب الكمال ، والحاجة أم الاختراع ، واستثمار الشعور بالحرمان يولّد طاقة متجددة تدفع إلى البحث عن مواطن الأمان والقرار والنماء .

وبخلافه أهل الطبقات المكتفية ، المتشبعة بالفائض عن حاجتها إلى درجة مميتة للرغبة في التحرك ونشدان التغيير ، الأقلية التي لا يدفعها محيطها الغني بالحاجة إلى تفعيل إمكاناتها أو بذل جهد يأتي لها بحال أطيب ومستوى معيشي أفضل .

أتذكر جيداً ذلك الزميل الأميري ، والحقيقة أنه لم يلتصق بمقعده الجامعي إلا أيام الامتحانات بطريقة تنفي عنه صفة الزمالة ، إذ يبدو أنه لا يحتاج إلى حضور المحاضرات الثقيلة على نفس وذهن معاليه ، ويبدو كذلك أن حضوره للجنة الامتحان النهائي كان لرفع الحرج وتفضلاً منه لكتابة اسمه على الورقة البيضاء التي تنتظر حبر توصية من طراز رفيع .

الزميل المفترض لا يلبس الغترة بطريقة طبيعية رغم أناقته القماشية العالية ، ويبدو في حركته السريعة ورأسه المطأطئ مصاباً بشيء من الرهاب أو أن أثر الدلال بادياً على تصرفاته بجلاء ، أضاع طريق الخروج من المبنى الجامعي ، واضح جداً أن حضوره كان نادراً إلى الدرجة التي تجعله يتوه لمرات عن باب الخروج .

بينما يبدو ذلك الشاب اليافع الذي ولد في حافة البلاد مشتعلاً بالحماس لاكتشاف عوالم جديدة مشبعة بالخير والبشر ، بشرته معجونة بالفاقة ، قلبه يخفق لتحسين أوضاعه وترقية مستوى معيشته وحالته الاجتماعية ، يشتغل على تطوير أدواته الشخصية وإمكاناته الكامنة .

هذا ليس قانوناً سارياً دون استثناء ، ولكن هذا ما يغلب على الأقل الآن ، وإلا فإن قطاعاً ممن فتكت بهم الحاجة وعطلتهم الفاقة إلى درجة لم يعد بمقدورهم الوقوف على قدمين والمضي باتجاه الحياة ، غلبهم الإياس واستعجزتهم الظروف القاهرة .

وفي الوسط تعيش تلك الطبقة التي يعوّل عليها استنهاض المجتمع وإثراؤه بالكفاءات القادرة والجادة ، إنها مطبخ المجتمع الحقيقي ، والحفاظ على الطبقة الوسطى مسؤولية جماعية لتحقيق الامتداد الطبيعي للمجتمعات المنتجة ودائمة التجدد .

علينا أن نفكر في مصلحة بلادنا ونخفف من الفجوة التي تتسع وتبتلع أنماط المعيشة وطبقات المجتمع المتآكلة ، لنحول الأرياف إلى مناطق هدوء وانسجام تبعاً لهويتها الأصيلة ، ونوفر لها طرز التعليم والصحة والخدمات الضرورية ، ونحافظ على حجم الثراء الذي يشع في بلادنا .

ضعف الخدمات في الأطراف يضخ المزيد من أرتال الزحام في مركز المدينة ، ويفرغ الأرياف من لبنتها الأساس ونخسر ثروة المستقبل ، لأن الوقت الذي يستغرقه الريفي للبحث عن مقعد له في المدينة يصلح أن يذهب في تطوير إمكاناته ورفع مستوى قدراته وينفع وطنه .

جموع المتدفقين إلى المدن بحثاً عن هوية ضائعة ، تذبل أرواحهم في منتصف طريق البحث عن النور ، يتحول هذا الطريق الزمني إلى شاطئ دولة أوروبية تطفو على أطرافه جثث المهاجرين غير الشرعيين للبحث عن مستقبل أكثر أماناً وطمأنينة .

الوطن لا يصلح أن يكون نسخة واحدة ، قهر الهويات باسم الواجب الديني أو المصلحة السياسية لا ينتمي إلى أجندة البناء القومي الرشيد ، ولا يخدم البلاد إلا بمزيد من عقود القلق الوطني غير المنتج .

المشية الوئيدة لذلك الخمسيني وهو يغادر مسجد الفجر إلى محل الفول ، تساوي ألف صورة معبرة .

الهواء البارد الذي يداعب غترته البيضاء ، ويحتفل بهمّته لصلاة الفجر ، يبشره بذمة الله التي ترعاه حتى يمسي .

السماء التي كانت تلتحف قطعة الظلام ، أخذت تمطّ زرقتها كذراع متثائب يستنهض عضلاته ، قرص الشمس يرفع جفنيه الساخنين ويلمع إشعاعه في الطرف الشرقي من الكون .

تلك الطيور التي تسبح ربها في صورة زقزقة مبددة ، ترسل أسرابها بحثاً عن الرزق ، تذكّر الناس بوظيفتهم اليومية .

أسراب باصات النقل تسخن لياقتها لابتلاع الطلاب والطالبات ، ونعيق السيارات بدأ يتداعى ويتنامى بمرور الوقت .

الصباح في المدينة يفقد عذريته سريعاً ، يغرق في صخب مزعج ، لا يشبه صباح القرية الهادئ ، النشاط فيها يغمرك بانسياب ولا يفجؤك ، ينطلق من روحانية المسجد ويختلط بشوارعها الدافئة ، وينغمس في حميمية البيت ، ثم يشرق نابضاً بالحيوية المتعافية .

القرية لا تستعجل نهارها .

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - صالح مطر ًصباحا 10:50:00 2016/04/13

    وقعت على الجرح

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف