آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

ابن القيم والعالَم الافتراضي

الجمعة 22 رجب 1437 الموافق 29 إبريل 2016
ابن القيم والعالَم الافتراضي
 

شاع مؤخراً استخدام مصطلح "العالَم أو المجتمع الافتراضي" للتعبير عن الأشخاص والبيئات التي يتعامل معها عبر الإنترنت مستخدمو الهواتف الذكية.

فقد أصبح من المألوف أن ترى واحداً يجلس بجسده مع أناسٍ وهو في نفس الوقت يعيش ويتواصل بقلبه وسمعه وبصره عن طريق هاتفه مع بيئة وأشخاص آخرين؛ فالجسد حاضر والقلب غائب.

 

وقبل مئات السنين عاش شعراء عشاق ما يشبه ذلك المجتمع الافتراضي؛ فقد عبّروا عن أحوالهم، وكيف أن الواحد منهم يعيش مع الناس بجسده أما قلبه فمَع محبوبته، يتراءى بصرُه جمالَها، ويتردد على سمعه كلامها.

يقول أحدهم:

وإن يرتحل جسمي مع الركب مكرها يقم عنده قلبي وأمضي بلا قلب

ويرى آخر أن قرب الناس أو بعدهم عنه لا يغير من حاله ما دام قريباً من محبوبته، فيقول:

وما بكِ إن بعدوا وحشة ولا معهم إن بعدت اجتماع

بل وصل الأمر بشاعر متيم أن عاش - عفا الله عنه – عالَـماً افتراضياً في صلاته فقال:

و والله لا أدري متى ما ذكرتها أثنتين صليت الضحى أم ثمانياً

 

إلا أن ابن القيم -رحمه الله-يطرح ما يُسمى الآن بالعالَم أو المجتمع الافتراضي برؤية مختلفة ومن زاوية إيجابية جميلة، وذلك في معرض حديثه عن (العزلة والخلطة)، والضابط في أمر الخلطة، وخاصة عند كثرة فساد الناس، حيث يقول: (والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات. فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم) ثم يقول: ( وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه( إلى أن يقول في كلام نوراني– وهو موضع الشاهد، وهو ما يغفل عنه الكثير أيضاً – ( فإن أعجزته المقادير عن ذلك؛ فليَسِلَّ قلبَه من بينهم كَسَلِّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً، نائماً يقظاناً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى؛ يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية).

 

ويرى رحمه الله أن هذه العزلة الشعورية ليست سهلة على النفس بل لابد من توسل وتضرع إلى الله تعالى للوصول إليها، حيث يقول: ( وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحاً ذليلاً) ثم يذكر ما يتحقق به ذلك الارتقاء الإيماني فيقول: ( ولا يُعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، وتجنب مفسدات القلب) وهي كما أوردها "كثرة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع وكثرة النوم"، ثم قال: ( ولا يُنال هذا إلا بِعُدةٍ صالحةٍ، ومادة قوة من الله عز و جل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى ).

 

إن الحاجة إلى العزلة الشعورية الوجدانية التي ذكرها ابن القيم، تزداد كلَما قلَّ وجود الرفقة والمجالس والبيئة الصالحة، وكلما خشي المرء على إيمانه أن يضعف، وعلى قلبه أن يقسو، وعلى نفسه أن تضل.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - سلطان ناصر راعي القوده ًصباحا 05:48:00 2016/04/30

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مقال جميل وما أحوجنا لتطبيقه في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وفضول المباحات لنعيش في عالم افتراضي آخر متصلين بالله سبحانه وتعالى.

  2. 2 - عمر إبراهيم ًصباحا 07:41:00 2016/04/30

    وفق الكاتب حفظه الله في طرح الموضوع بصورة رائعة ومحببة من النفوس حيث عرض الصورة اليومية التي نعايشها في مجتمعنا ثم عرج بعد ذلك إلى طرح نماذج من ممارسات الشعراء قديماً والتي تشابه وضعنا الآن، ثم ربط الموضوع بتأثير العزلة على المسلم إذا استثمرها فيما يرضي الله واستشهد بكلام من برع في هذا المجال. بارك الله في الكاتب ووفقه لكل خير.

  3. 3 - ليلى العلي ًصباحا 09:16:00 2016/04/30

    نفع الله بك أستاذنا ، يذكرنا المقال بموقف وهب " عندما جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال إن الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا وقد حدثت نفسي أن لا أخالطهم فقال لا تفعل إنه لا بد لك من الناس ولا بد لهم منك ولك إليهم حوائج ولهم إليك حوائج ولكن كن فيهم أصم سميعا أعمى بصيرا سكوتا نطوقا . " فما أبلغ التعبير والتوجيه نسأل الله قلوبا متعلقة بحبه وحب من يحبه

  4. 4 - ابو ليان ًصباحا 10:22:00 2016/04/30

    لقد رأيت من يعيش هذا العالم الافتراضي الإيجابي و عجبت من تركيزه الشديد على مناجاته لربه فلا يعي ما يقال حوله و لا يفضح مناجاته الى حركة شفتيه احيانا فهنيئا لمن كان هذا عالمه و هذا خليله و في المقابل سمعت من ينفجر ضاحكا في مجلس خير و وقار لان جليسه في العالم الافتراضي ( عبر هاتفه ) مهرّج هزلي قال له ما يميت قلبه و يدمع عيناه من الصحك بارك الله فيك اخي الحبيب فقد أرشدتنا لأنجع حل للثقلاء و البطالين و لكن هل ننجح في الدخول لهذا العالم النوراني نسأل الله ان يمن علينا بما يمكننا من دخول هذا العالم الافتراضي الإيجابي

  5. 5 - ابراهيم الدواي مساءً 12:41:00 2016/04/30

    مقال جميل ونقل حاذق وربط محكم ..سلم يراعك يا أبامحمد

  6. 6 - ابو احمد مساءً 02:02:00 2016/04/30

    أنهيت قراءة المقال وانا لم اشبع منه. حقا لو أنك أطلته لتزيدنا من إثراء هذه الفكرة الرائعة و بنقولات وشواهد أخرى .

  7. 7 - ابوعلام الجزائري مساءً 11:14:00 2016/05/01

    تعدد احوال المسلم في زمننا بين للمفاصلة الشعورية والمخالطة الهادفة والانسحاب الايجابي وهو في هذه الاحوال كلها متزود بروح الحكمة والدعوة والاستفادة ، ومهما يكن يجب عليه أن يكون كالغيث اينما وقع نفع ، وفي اقل الأحوال لا يهلك نفسه ...

  8. 8 - منصور المقرن ًصباحا 07:48:00 2016/05/02

    أشكر لكم مروركم وتعليقاتكم الجميلة التي أثرت الموضوع، حتى تمنيت -والله- أنها كانت في المقال. أجزل الله لكم الأجر على كل حرف سطرتموه ونفع الآخرين

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف