آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التغيير الاجتماعي بين عالم القيم وعالم الأشياء

السبت 23 رجب 1437 الموافق 30 إبريل 2016
التغيير الاجتماعي بين عالم القيم وعالم الأشياء
 

محمد الأمين مقراوي الوغليسي

@med1437

ممارسة تزييف الوعي من أهم الأشياء التي مكنت دوائر الاستكبار العالمي وأذنابها في العالم الإسلامي من إضعاف المسلمين بدينهم، من خلال ضرب عمق الهوية الإسلامية لهم، وصولا إلى  جعلهم بلا حراك أمام الفساد بكل أنواعه، ومن المسائل التي يحاول المتلاعبون بقضايا التغيير والإصلاح، وسرقتها من أهلها، وإيصال مفاهيم خاطئة حولها للمجتمع، قضية محل التغير، فالكثير من الأطروحات التي تنتشر اليوم تشير إلى أن تغيير المجتمع يسلتزم الاهتمام بالإنتاج الاقتصادي وحسب، وبعضها يصر على أن التغيير لا يجب أن يهتم بالعنصر البشري، بل تكفي السيطرة على وسائل الحياة للتأثير عليه، وبعضها يعتقد أن التأثير على رغبات البشر يمكن أن يقود إلى ضبط توجهاتهم، بينما يقرر الإسلام بوضوح أن التغيير الحقيقي والحاسم يبدأ من الإنسان نفسه، وأن تغيير المجتمع نحو الصلاح ينطلق أساسا من تغيير النفس البشرية، التي إن تغيرت تبدلت الحياة، وأمامنا نموذج غربي لم يهتم بالنفس البشرية في التغيير، ونموذج إسلامي نجح في تغيير المجتمع انطلاقا من إصلاح النفس وتأهيل الفرد.

المثال الأول: المشروع الأمريكي لمكافحة الكحول
حاولت أمريكا في القرن الماضي أن تحارب تعاطي الخمر، وتمنع شربه وحتى إنتاجه؛ بدعوى محاربة السبب الذي أدى إلى استفحال الجرائم، وخروجها عن سيطرة الدولة، وإلحاقها ضررا كبيرا بالمجتمع الأمريكي المولع بالحياة، فحشدت أمريكا لذلك كل أجهزتها وخبرائها، وسخّرت ملايين الدولارات لهذه الحملة المركزة، وطبعت ملايين الأوراق والملصقات، التي تبين خطورة الخمر وعواقبه الرهيبة على الفرد والمجتمع، كما سخرت ترسانتها الإعلامية العملاقة في بث حملات توعوية، تهدف لشرعنة محاربة أم الخبائث والجرائم، و لتفتيت جهود المناوئين للمشروع الحكومي، الذي يتصادم مع شركات الإنتاج و التوزيع والمطاعم؛ التي تجني من تجارة الكحول أموالا طائلة، أمّا في الميدان فقد ضاعفت الحكومة الأمريكية من حملات الدهم للمصانع السرية، ومحلات الخمور المتخفية ،فماذا كانت النتيجة بعد ذلك.؟
النتيجة هي أن المشروع الأمريكي فشل فشلا ذريعا، باعتراف صنّاع القرار أنفسهم، بل إن إقبال الأمريكيين على شرب الخمر خلال تلك المرحلة، قد فاق المستويات التي كانت معهودة قبل بدء حملة المنع والحظر.

ومع الإعلان الرسمي عن إلغاء هذه الحملة الكبرى؛ لمنع الخمر على الأرض الأمريكية، تضاعف الأمر و تطور بشكل سريع ومفزع، فمن الخمر انتقل الأمريكي إلى الحشيش والقنب الهندي والأفيون، ثم تطور الأمر إلى الحقن والكوكايين والعقاقير، وتشكلت شبكات عالمية لاستيراد وتصدير المخدرات والخمر عبر القارات الخمس، وهكذا ذهبت كل تلك الجهود في مهب الريح، وأعطت هذه الحملة  نتائج عكسية تماما، رغم كل الوسائل الضخمة والمتنوعة التي سُخِّرت لتلك الحملة الشهيرة.

المثال النبوي: التغيير الاجتماعي في العهد النبوي
ولنقلب صفحات التاريخ قليلا، ونبحر في عمقه لنصل إلى أحد أعظم الصفحات إشراقا في تاريخ الأمة الإسلامية؛ لنرى كيف قضى الإسلام المجيد على الخمر.

ثلاث آيات تغير التاريخ

ثلاث آيات قرآنية كانت كافية للقضاء على الخمرة، وعلى حسم المسلمين مواقفهم من أمّ الخبائث والجرائم .. ثلاث آيات تقضي على محبوبة العرب ومعشوقة الشعراء، الذين تغنوا بالخمر دهراً، وقالوا فيها الشعر والنثر مدحا وتقديسا.. ثلاث آيات تُغيّر النفوس في مدة زمنية قصيرة، فتُكسر دنان الخمر، ويستفرغ الشارب جوفه منها، ثلاث آيات نقلت الخمرة من شيء مرغوب ومنشود، إلى مشروب مذموم ومنبوذ.. ثلاث آيات ارتقت نهائيا بالإنسان من الانحدار في مستنقع الحيوانية وغياب العقل، إلى جو ايماني روحاني راق، يحفظ له كرامته الإنسانية ، ويصون ذاته من الابتذال، التي تلتصق به بعد أن يكون قد غاب عنه عقله كلية؛ جرّاء تعاطي المحظور.

بين النجاح والفشل قصة

يعزا فشل النموذج الأمريكي في تغيير موقف الإنسان الأمريكي من الخمر، إلى غياب العقيدة المحركة الباعثة على التفكير والتغير، واعتماد هذا المشروع على الأدوات المادية البحتة، وعدم فهمه للمعادلة الاجتماعية للإنسان، بل ومفاجأة الناس بقرار الحظر، وعدم مراعاة التدرج.

أما النموذج الإسلامي، فقد حقق ذلك النجاح التاريخي الباهر والمستمر إلى اليوم، بفضل ذلك الإيمان الذي سعى إلى غرسه في قلوب المجتمع النبوي منذ بدايات الدعوة الإسلامية، فالإيمان  أهم محرك وحافز للإنسان على التغيُّر، وأقوى باعث ودافع على الانتفاض ضد السفالة البشرية، كما أن الإسلام راعى الضعف البشري، لذلك لم يأت النهي مرة واحدة، ولا مفاجئا لجموع المسلمين، بل إن عنصر التهيئة النفسية المرتبط بالزمن، كان حاضرا منذ اللحظة الأولى التي جاء فيها الإسلام، حيث تقررت كليات حفظ العقل والنفس والمال والدين والنسل في النفوس بشكل واضح.

وماذا بعد..؟

إذاً من خلال هذه  المقاربة والمقارنة بين النموذج الأمريكي المعاصر المادي، وبين النموذج الإسلامي، نصل إلى تقرير حقيقة خالدة ساطعة، وهي أن الإنسان بلا إيمان أو عقيدة سليمة؛ ترتقي به إلى وصف التكريم الذي أعطاه الله إياه، يصبح مجرد كتلة من غريزة متغولة، وشهوة متوحشة، لن ينفع في ضبطها قانون جنائي، ولا قوة مرسوم ملكي أو رئاسي، ولا حملات إعلام ولا مطاردات رجال الأمن، لأن غياب الوازع الديني الحقيقي عن الإنسان يجعله يرفض الانصياع لصوت الحق، بل إنه ينتقل من الرفض إلى العناد والتحدي ، وهذا ما لا تدركه المادية الغربية والشرقية المفلسة من قيم الخير، بل والمنتكسة الفطرة.
إن الإيمان الصحيح هو المحفز الأقوى للمجتمعات على التغيٍّر وتبني قضايا إيجابية، والضامن الأفضل لطهرها ورقيّها؛ فهو المحرك الأقوى نحو الفضيلة، بفضل حركيته التي تحيي ضمير الإنسان، وتجعله يستشعر دوما مراقبة الله لأفعاله وحركاته وسكناته.

أخيراً..

لقد أثبتت القوانين الوضعية- المنفصلة عن الوازع الديني والأخلاقي- أنها وبال على المسلمين، وسبب قوي لضياع أبناء الأمة، بعد أن مسخت فطرة الكثيرين، ومحقت هوية عدد لا يستهان به من شباب الأمة، ومن أثار ذلك الارتفاع المطرد والمذهل  لمعدلات الجريمة والعنوسة، والتفكك الأسري والتشرد والعقوق، والانهيار الأخلاقي عموما، بالشكل الذي لا يتقبله عقل مسلم سوي.

إن أمة لا يزال القرءان حاضرا في حياتها، ولا تزال أحاديث نبيها –عليه الصلاة والسلام-لم يجف حبرها، وتاريخها ناصع ساطع، لا يعقل أن يصل بها الحال إلى هذا النكوص الحضاري البائس، الذي يرجع جزء منه إلى تلك القوانين المصادمة لحقيقة الإسلام، وطبيعة المسلم ووظيفته في الحياة.

إن الخطب جلل، وإن السكوت عن هذا الوضع الخطير، لن يزيد أمتنا إلا تعاسة وتخلفا، إن استمر الحال على  ما هو عليه، من اعتماد قوانين لا علاقة لها لا بماضي ولا بحاضر المسلمين، ولا بخصوصياتهم.

لذلك وجب تنبيه المسؤولين في جلسات جدية إلى خطورة المنظومات الوضعية التي لا تتوافق مع فطرة المجتمع وهويته، وأيضا بتوعية المجتمع بخطورتها على حاضره ومستقبله، وارتباط سعادته واستقراره بنبذ القوانين الوضعية المصادمة لهويته، والتي تنظر للإنسان على أنه كتلة غرائز، ومشروع استهلاك لا أقل ولا أكثر، والرجوع إلى التشريع الإلهي الذي فيه خيرهم وصلاحهم.

أما الانشغال وراء كسر المخلفات التي يلقيها صنم التغريب، بدل كسر القابلية للتغريب في العقول والنفوس، فإنه مضيعة للوقت، واستنزاف للجهد.

و لقد علّم الإسلام المسلمين ترتيب المشكلات، وترتيب الحلول، حسب القاعدة الكبرى، وهي البدء بالمفسدة الكبرى، والسعي نحو المصلحة الكبرى.

إن هذا الموضوع يحتاج إلى وقفات كثيرة، وجهود ووقت أكبر؛ من أجل ترسيخه في الأذهان، وهو خطوة ووسيلة هامة نحو إقناع الناس بجدوى الرجوع إلى شرعة ربهم، فلطالما ارتبطت سعادة البشر  بالنور الذي جاءهم من ربهم، ولطالما ارتبطت تعاستهم بالمنظومات المصادمة لفطرتهم وحقيقة الاستخلاف الرباني للإنسان على هذه البسيطة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - عابرون ًصباحا 06:27:00 2016/07/07

    جزاكم الله خير الجزاء مقال رائع ونافع نفع الله بكم

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف