آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الفضيحة وإبطال الكيد

الجمعة 26 رمضان 1437 الموافق 01 يوليو 2016
الفضيحة وإبطال الكيد
 

كلما امتد شعاع الدين في مجتمع، وازداد أثر الدعاة والمصلحين فيه، كلما ازداد معه مكر المنافقين وكيدهم، وسعيهم لحجب أنوار الهداية عن الناس، واجتهادهم في إفساد الفِطر وتزيين وتقريب المحرمات.

ورغم أن مكر المنافقين وكيدهم لتزول منه الجبال، إلا أن الله تعالى لهم ولمشاريعهم بالمرصاد.

فأما أشخاصهم فلابد أن تفتضح، مهما سعوا هم وإعلامهم في تزيين ذواتهم، وإلباسها لباس المصلحين الناصحين.

قال الله تعالى (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) محمد 29 قال ابن كثير رحمه الله: " أي أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين، بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر "، وقال صاحب الظلال رحمه الله: "ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق، وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين. فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافياً، ويهددهم بكشف حالهم، وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين".

وقد رأينا مصداق قوله تعالى ليس فقط في عامة المنافقين بل وحتى من أصبح منهم زعيماً كمصطفى أتاتورك الذي خدع شعبه عقوداً، لكنه لم يمت إلا وقد ظهرت حقيقة أمره وكشف الله ستره.

فما أعظم رحمة الله ولطفه بعباده، حيث لم يجعل مكر وخديعة المنافق تدوم طويلاً، بل يكشفه سبحانه ويفضحه حتى يعود مادحه من الناس ذامّاً.

 

وأما مشاريع وخطط الأعداء لإفساد المسلمين فقد تكفل الله تعالى -بعلمه وقدرته- بإبطالها أو تقليل أثرها رغم ما بُذِل من أجلها من أموال طائلة وجهود عظيمة وأوقات طويلة.

قال الله تعالى (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) النحل 26 ، قال أبو زهرة رحمه الله في تفسيره زهرة التفاسير: " أي دبروا الأمور لنقض الدعوة، وأحكموا تدبيرهم على الناس، وسدُّوا كل مسالك الهداية ليضلوهم وكادوا لأهل الإيمان كيداً، ظنوا معه أنهم قضوا على الدعوة، واقتلعوها، ولكن اللَّه تعالى أفسد عليهم تدبيرهم ورد كيدهم في نحورهِم، وأن ما بنوه دمره اللَّه تعالى".

بل إن الأمر لا يتوقف عند إفشال مشاريعهم بل يمتد إلى أن تكون تلك المشاريع نفسها وبالاً عليهم، وسبباً في سقوطهم، قال صاحب الظلال رحمه الله عند الآية الآنف ذكرها: "وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل، يُطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فالقواعد التي تحمل البناء تُحطم وتُهدم من أساسها، والسقف يَخِر عليهم من فوقهم فيطبق عليهم ويدفنهم (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) فإذا البناء الذي بنوه وأحكموا واعتمدوا على الاحتماء فيه. إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم ومن أسفل منهم.

وهو الذي اتخذوه للحماية ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته !

إنه مشهد كامل للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله، ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط !.

ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون".

فيا أيها الغيور على دينك! لا تنكسر شوكتك، ولا تهن وتضعف، ولا تتوقف عن عمل الخير لأمتك، فإن الله عز وجل للمنافقين ومشاريعهم بالمرصاد.

 

كتبه/ منصور بن محمد الـمقرن

رمضان 1437

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - ع ًصباحا 04:34:00 2016/07/02

    جزيت خيرا مقال جميل ومؤصل موكز على الأدله والنصوص الشرعية فقط نحتاج الايمان والتصديق الجازم بماوعدنا الله به

  2. 2 - ابو فيصل ًصباحا 04:37:00 2016/07/02

    مقال جميل يبعث في الروح الحياة بعد الياس وفقك الله لكل خير

  3. 3 - ابو عبد المجيد ًصباحا 04:44:00 2016/07/02

    بارك الله فيك وما اشد حاجتنا الى هذه الكلمات لتقوية العزيمة والتوكل الحق على الله ونشر دينه ، كلمات تريح المؤمن من كيد الكايدين والحمد لله رب العالمين .

  4. 4 - ابوعبدالله ًصباحا 06:02:00 2016/07/02

    شكر الله لك ابومحمد لاتحرمنا كتاباتك وفقك الله

  5. 5 - أبو عثمان ًصباحا 06:17:00 2016/07/02

    مقال رائع ، اللهم أنصر من نصر الدين وأخذل من خذل عبادك الموحدين.

  6. 6 - عبدالكريم الحسين ًصباحا 10:57:00 2016/07/02

    مقال رائع من شخص اكثر من رائع.. وفقك الله ابا محمد لكل خير و جعل الله ماتخط اناملك في ميزان حسناتك.. نعم لقد بلغ بنا اليأس مبلغه ولكننا نجد في مثل هذه المقالات عودة التفاؤل والأمل للنفوس.. واصل اخي المبارك كتاباتك القيمة نفع الله بها الإسلام والمسلمين وكل عام وانتم بخير

  7. 7 - ليلى العلي ًصباحا 11:42:00 2016/07/02

    جزاك الله خير ،، والحمد لله الذي يكشف سترهم فالأزمات تُخرج خبث المنافقين وطهر الصادقين (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)

  8. 8 - أبو إبراهيم مساءً 01:37:00 2016/07/02

    مقال رائع يحاكي الواقع ويجب على أبناء الأمة العاملين وغيرهم التنبه من خطر هذه الفئة.

  9. 9 - ابو عمر مساءً 02:30:00 2016/07/02

    وفقك ربي ابا محمد و جزاك الله كل خير و اسعدك في الدارين. نحتاج الى مثل هذا التذكير و التوجيه و خاصه في هذا الوقت الذي تول المنافقين زمام الاعلام و صيكروا عليه.

  10. 10 - حامد سليم / ابو فيصل مساءً 02:58:00 2016/07/02

    جزاك الله خير الجزاء

  11. 11 - محمد الامير مساءً 02:18:00 2016/07/03

    نفع الله بك الأمة و البسك لباس التقوى هنيئا للأمة بأمثالك اسال الله ان يجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة

  12. 12 - أمة الله مساءً 01:13:00 2016/07/05

    في هذ المقال تتجلى العبارت، وتشرق بنورها كالشمس؛ عندما يحلك الظلام في عالم أمة تكالبت عليها الأمم بخيلها ورجلها بالكيد والفساد؛ هكذا أشرقت علينا هذه المقالة بنورها، في لحظات اليأس وكثرة الكيد، وقلة الناصر؛ بأن دعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون. فالواجب المضي في مشاريعكم، وكأنكم لا تسمعون لهولاء المنافقين، و"إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". ونجتهد في نشر الدين الصحيح، والسنة الصحيحة، بكل هدوء "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين".

  13. 13 - ليلى العلي مساءً 02:12:00 2016/07/06

    ويظهر لنا بالفعل حزنهم حال فرحنا وفرحهم حال حزننا { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين, وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نصر وتأييد وعز ساء ذلك المنافقين, وإن أصاب المسلمين أي جدب أو أديل عليهم الأعداء, لما لله تعالى في ذلك من الحكمة ـ كما جرى يوم أحد ـ فرح المنافقون بذلك, نسأل الله أن يكفينا شر بواطنهم ،، ويكشف لنا حقيقتهم .

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف