آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حرف الكلام وانحراف الأداء

الجمعة 08 ربيع الثاني 1438 الموافق 06 يناير 2017
حرف الكلام وانحراف الأداء
 

 

مما ذمّ سبحانه به أهل الكتاب تحريفهم الكلم عن مواضعه. والتحريف يكون أكثر ما يكون بالتأويلات الفاسدة التي تخرج الكلام من سياقه. وكنت قرأت لأحد المتهوّدين هجوماً على الإسلام ونبيه متوقفاً عند حادثة "الفتك ببني قريظة"؛ زاعماً أنها مجزرة غير مبررة ولا مفهومة، دافعها الوحيد الحقد على اليهود؛ متجاهلاً أن قتل رجال بني قريظة جاء بعد غزوة الخندق التي تعرض فيها المسلمون لخطر الإبادة بسبب نقض اليهود العهد معهم وتجويعهم، وتهديدهم من الداخل. وقياساً على هذا النهج يمكن أن نقرأ قصة موسى على النحو التالي:

موسى -عليه السلام- طفل رمته أمه في النهر، التقطه آل فرعون وربّوه في قصر الفرعون حيث غمره دلاله، ثم قتل فرعونياً ولاذ بالفرار ليعود بعد سنوات عدوًّا لمن رباه. وهو أمر لم يفت الفرعون الذي قال لموسى متهماً إياه باللؤم: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (18) سورة الشعراء، وفات فرعون وأتباع نهجه التحريفي أن فرعون كان يقتل غلمان بني إسرائيل، وهذا ما دفع أم موسى إلى رميه في البحر، وأن قوم فرعون ائتمروا بموسى ليقتلوه عندما علموا أنه إسرائيلي، وأخيراً فموسى لم يأت محارباً لفرعون بل داعياً وطالباً العدالة، لكن فرعون توعّده وأتباعه بالصلب، قال عليه السلام: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (22) سورة الشعراء.

وعلى هذا النهج التحريفي سار أصحاب {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} (57:الأنعام)، من الخوارج وأصحاب {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (11:الشورى) من المعطلة، وأصحاب {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} (30:الإنسان) من الجبرية.

واليوم على نفس النهج التحريفي تمضي طوائف من المسلمين، وتحديداً أتحدث عن أولئك الذين يزعمون أن الإسلام بطبيعته هو دين ثوريّ بدلالة قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (6:الكافرون)، وقوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (44:المائدة)، رغم أن سياق الآيات لا يحمل أي نَفَس ثوريّ بل الدين له هدف واضح :عبادة الله واستعمار الأرض، ونهج إصلاحي واضح كذلك، فقد جاء الإسلام مصدقاً لما بين يديه من الكتب السماوية لا ملغياً لها، وعلى مستوى التشريع جاء ليحلّ على الناس بعض الذي حرّم عليهم لا كله، وعلى مستوى الأخلاق جاء متمماً لمكارم الأخلاق لا مغيّراً، وهكذا نجد الرسالات السماوية يكمل بعضها بعضاً في خط تصاعدي حتى بلغت مرحلة التمام والكمال مع خاتم الأديان: الإسلام {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (3:المائدة). ومتأمل القرآن الكريم يجد فيه الأمر بالقتال مقيّداً أو مشروطاً {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} (190:البقرة)، {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75:النساء)، {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (61:الأنفال). لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلق غير مقيد، وكذلك الإصلاح لا قيد له إلا الاستطاعة {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} (88:هود).

ليس الإسلام ثورياً إلا حين تقتضي الظروف ذلك، فليس الوضع الثوري هو الأصل بل هو إجراء اجتهادي يُرجع فيه إلى فقهاء الأمة وعلمائها للفتوى بشأنه، والحكم بجوازه بخلاف غيره من أساليب التغيير..

ولقد كفانا الذي كان.. فإلى الله المشتكى.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف