آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

صناعة الأغنياء البخلاء

السبت 04 رجب 1438 الموافق 01 إبريل 2017
صناعة الأغنياء البخلاء
 

 

لـمّا وصل الرئيس البوسني "علي عزت بيجوفيتش" رحمه الله إلى صلاة الجمعة متأخراً على غير عادته، أفسح له الناسُ طريقاً بين الصفوف ليصل إلى الصف الأول، فلما وصل، التفت إلى المصلين وقال مقولته التي ذاعت في الآفاق: " هكذا تصنعون طواغيتكم".

هذه الحادثة وإن كانت تُورد في السياق السياسي إلا أنها تصلح أن تكون مدخلاً للحديث عن مشاهد تمر علينا في المجال الاجتماعي.

فعندما يأتي ثري عُرف بالبخل، أو صاحب جاه ومنصب شحيح بجاهه إلى مناسبة عائلية أو عامة، فنرى احتفاء بالغاً به من قِبل الكثير ، فإن هذا الاحتفاء سيحجب عنه الشعور بالتقصير تجاه أقربائه ومجتمعه، وسيُكرس عنده البخل بما لديه من مال والشح بما عنده من جاه، بل قد يصل الأمر به إلى انتقاص أولئك المحتفين به والنظر إليهم شزراً، قال الشافعي رحمه الله: " ما رفعت أحداً قط فوق قدره إلا غضَّ مني بقدر ما رفعت منه" ، ولذلك كان بعض السلف يرى عدم الاحتفاء بالأغنياء البخلاء المتكبرين، قال يحيى بن معاذ: "التكبر على من تكبر عليك بماله تواضع" وكانوا يتجاهلون أولئك الصنف من الناس، فقد قالوا "دواء من لا يُصلحه الإكرام الهوان".

أراك تُؤمل حسن الثناء ولم يرزق اللهُ ذاك البخيل

ويكفي للدلالة على سوء صفة البخل، وأنها تُنزل من المكانة الاجتماعية لصاحبها أن النبي   قد أسقط منزلةَ رجلٍ سيدٍ في قومه بسبب بخله، فعَنْ جَابِرٍ قال: " قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ ؟ قَالُوا : الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، عَلَى أَنْ نُبَخِّلَهُ. فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَمَدَّ يَدَهُ : وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ؟ بَلْ سَيِّدُكُمُ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ) رواه أحمد وأبو داوود.

ومن أمثال العرب: " لأمرٍ ما يَسود من يَسود " قال الميداني : " أي لا يسود الرجلُ قومَه إلا بالاستحقاق " ويعنون بذلك أي بما في ذلك السيد من جميل الخصال، وبما يُولي قومه من الإحسان والإفضال. وقد سُئل ابن عمر عن السؤدد، فقال : "الحلم والجود" وقال علي بن عبدالله بن عباس: "سادة الناس في  الدنيا الأسخياء" .

فبأي شيء سَوّد بعض الناس أولئك الأغنياء البخلاء؟!

* * * *

لقد عنيَ الإسلام بغرس قيم السخاء ونفع الناس في المجتمع، فقال الله سبحانه : (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) وقال النبي  : ( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس ) وقال : (اشفعوا تؤجروا ) وحذّر من الشح فقال : ( لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً)، وكان متحلياً بكريم الخصال وحسن السجايا حتى قبل بعثته، فعندما نزل الوحي عليه وجاء إلى زوجته خديجة رضي الله عنها وذكر لها ما حدث له، قالت له: "كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق"، ومعنى تَحمِل الكلَّ: أي تتحمَّل أثقال الفقراء والضعفاء والأيتام بالإنفاق عليهم وإعانتهم بالمال، وأما معنى تُعين على نوائب الحق: أي تُعين الناس فيما يصيبهم من خير أو شر. فأين أثرياؤنا من هذ الصفات الجليلة؟

ومن جميل ما يُروى من أحوال الأغنياء الأسخياء أن عبد الله بن المبارك كان يُنفق على الفقهاء، ومن أراد الحج من أهل مرو إنما يحج من نفقة ابن المبارك، وكان يؤدي عن المديون دينه ويشترط على الدائن ألا يخبر مدينه باسمه.

ولأن الخير باق في أمة الإسلام؛ فقد رأى الناس وسمعوا عن أغنياء في مجتمعنا -ولله الحمد- يتولون تحجيج فقراء وحديثي إسلام، وأغنياء آخرين يُعينون كل من أراد الزواج من أقاربهم، حتى لو لم يكونوا محتاجين، وآخرين يعطون أقاربهم تخفيضاً عند العلاج في مستوصفاتهم أو الشراء من متاجرهم، وآخرين يتحملون تكاليف اجتماعات أسرهم.

ومن العجيب أن بعض السلف كانوا يحرصون على بذل المعروف حتى لو كانوا هم أنفسهم فقراء، فقد سأل سليمان القصير أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله ايش تقول في رجل ليس عنده شيء، وله قرابة ولهم وليمة، ترى أن يستقرض ويُهدي لهم؟ قال الإمام أحمد : نعم.

أما قصص بذل الجاه والشفاعة الحسنة لمن طلبها فقد ازدانت كتب الأخبار بها، فمن ذلك أن رجلاً جاء إلى الحسن بن سهل يستشفع به في حاجة، فقضاها، فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة؟ وفي لفظ: ونحن نرى كَتبَ الشفاعات زكاة مروآتنا، ثم أنشأ يقول:

فُرِضت عليَّ زكاة ما ملكت يديَّ وزكاة جاهي أن أُعين وأشفعا

وكانوا يبذلون كل طاقتهم وجهدهم في قضاء حاجات السائلين، فقد ورد أن شيخ البخاري عبدالله بن عثمان عبدان قال: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمَّ وإلا قمت له بمالي، فإن تمَّ وإلا استعنَّا له بالإخوان، فإن تمَّ وإلا استعنت له بالسلطان .

وختاماً ... فإن المأمول ألاَّ نُسهم في صناعة أغنياء بخلاء. وذلك بالحفاوة البالغة بهم، وهم لا يُعينون قريباً ولا سائلاً، ولا يقضون حاجة مكروب، ولا يُسهمون في مشاريع الخير، وذلك حتى لا نزيد من انصرافهم عن أعمال البر، ونحرم المجتمع من بذلهم وعطائهم.

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أم....... ًصباحا 11:01:00 2017/04/01

    ماشاء الله تبارك الله، لك السبق دائماً في طرح الأفكار والمواضيع الجديدة ياشيخ.. جزاك الله كل خير وبركة

  2. 2 - أم الفاتح والفاروق مساءً 12:33:00 2017/04/01

    الكثير من الناس يزهد عن معونة أخوانه المسلمين ، ويتثاقل عنها ، لجهله بالأجور التي جعلها الله جزاء المتسابقين في قضاء الحاجات وتنفيس الكربات ،، لعل دور المحيطين بهم تذكيرهم بحاجة إخوانهم وأنهم ضعفاء منفردين وأ قوياء بإخوانهم . وماأكثر النصوص التي أثبتت حق المسلم على إخوانه في معونته ومساعدته ، وقال عليه الصلاة والسلام ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ) رواه النسائي وأحمد جعلنا الله وإياكم وجه خير .

  3. 3 - haya ًصباحا 07:35:00 2017/04/02

    مقال رائع فعلا نحن نصنع الطواغيت والبخلاء والمتكبرين

  4. 4 - ابو محمد ًصباحا 08:02:00 2017/04/05

    ان ماورد في الحديث القدسي عن الله سبحانه وتعالى مخاطباً الجنة "وعزتي وجلالي لايجاورني فيك بخيل " لدلالة تقشعر منها النفوس المؤمنة

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف