آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الألعاب الإلكترونية: مجرد ألعاب أم وسائط ثقافية؟!

الاربعاء 23 ربيع الأول 1428 الموافق 11 إبريل 2007
الألعاب الإلكترونية: مجرد ألعاب أم وسائط ثقافية؟!
 

لما كنا صغاراً كنا نحن من يصنع أدوات لعبنا، وكنا نتخذها من بيئتنا من أغصان الشجر ومن القماش ومن قطع البلاستيك، وأحياناً من عظام بهيمة الأنعام، ولم يكن بيننا وبين لعبنا وسيط يصنعها لنا ويحدد طريقة لعبنا بها، وينقل لنا ثقافة مضادة، كنا نحن الصانعين ونحن اللاعبين. وكانت الألعاب بسيطة ولكنها كانت كافية في إشباع نهمنا إلى اللعب.
وكانت ألعابنا تتصف بأمرين:
1. لم نكن ننفصل في ألعابنا عن ثقافتنا وقيمنا، فثقافتنا قبل اللعب وفي أثناء اللعب وبعد اللعب واحدة لم تتغير، فلم نكن نعيش قيما متناقضة، ولم نكن نعاني من صراع ثقافي تسببه تلك الألعاب. بل كانت تلك الألعاب تساهم في تنشئتنا تنشئة اجتماعية كما يريدها البيت و المجتمع.
2. كانت ألعابنا جماعية فلم نكن ننفصل عمن حولنا، وكانت قيمة اللعب ولذته تزداد كلما كثر اللاعبون. ولا أستحضر الآن لعبة فردية من شروطها أن ينعزل فيها اللاعب عمن حوله.
وحتى الألعاب التي وفدت إلينا كلعبة كرة القدم أو الكرة الطائرة أو تنس الطاولة وغيرها من أمثالها تتسم بهاتين السمتين.
ولكن لما جاءت الألعاب الالكترونية مثل البيكمون والبلايستيشن والأتاري وغيرها تغير الأمر؛ فأصبح الطفل حينما يلعب ينتقل إلى ثقافة أخرى، فيلعب وفقاً لقيمها، ويستمتع باللعب وحده، فينفصل عمن حوله. إنها ليست مجرد ألعاب، ولكنها وسائط ثقافية تهيمن من خلالها الثقافة الغربية على الأطفال الصغار. ولأنها في الحقيقة وسائط ثقافية فهي تعيد صياغة شخصية الطفل وفقاً لثقافة أخرى غير ثقافته الإسلامية، وهذه الصياغة تشمل مشاعره وطريقة تفكيره وقيمه وسلوكه و مفهومه لذاته وعلاقته بنفسه و بغيره.
دعوني أضرب لكم مثلاً بلعبة من لعب البلاستيشن كنت استعرضت مقاطع منها قبل كتابة هذا المقال.
اسم اللعبة"وقت للقتل Time to kill، اسم مخيف، وعنوان كبير يملأ الشاشة، مهمته تهيئة ذهن الطفل لممارسة القتل حينما يشرع باللعب. وهذه هي الرسالة الأساسية التي يتضمنها العنوان للطفل الصغير. والطفل يبدأ اللعبة متحفزاً مستعداً لقتل خصمه، ويشعر أن هذا القتل مشروع بل إنه لايفوز في اللعبة من غير القتل.
إن هذا القتل يتناسب مع ثقافة (رامبو) الشخصية الأمريكية الكرتونية الشهيرة، والكاوبوي أو رعاة البقر، ولكنه لايتفق مع ثقافتنا الإسلامية. نحن إذا رأينا الطفل يتتبع نملة ليقتلها نهيناه، وإذا رأينا معه قطة صغيرة يؤذيها أو عصفوراً صغيراً يلعب به أمرناه بالشفقة عليه، وذكّرناه أن إيذاء هذه الحيوانات عمل مذموم، فما بالك بقتلها أو التفنن في تعذيبها حتى تموت.
أنت تغرس في طفلك هذه المعاني الجميلة: الرحمة والشفقة والإحسان، ثم تجد أن هذه المعاني تتحطم مع أول ضغطة زر في لعبة البلايستيشن.
تبدأ اللعبة "وقت للقتل" باستعراض بعض صور شخصيات اللعبة، وتبدأ بعرض بصور كرتونية لنساء جميلات عاريات أو شبه عاريات. هذه الصور تهدم معنى من معاني ثقافتنا وأدبنا الإسلامي الذي ننشئ عليها أبناءنا وبناتنا وهو الستر والحياء والعفاف.
إن من أخص خصائص ثقافتنا الإسلامية أنها تقوم على ستر الجسد للرجل والمرأة، ومما نعلمه أطفالنا الستر والحياء، ومن أخص خصائص الثقافة الغربية أنها تقوم على العري وكشف الجسد، وهذا ليس طارئاً على هذه الحضارة بل هو قديم من عهد الرومان. ويمكن أن تطالعوا بعض صور المتاحف الرومانية، وستجدونها من الحضارات القليلة، أو ربما الوحيدة التي تضمنت تماثيلها تجسيداً لعضو الرجل وسوءة المرأة. في حضارتنا ستر الجسد قيمة عالية وجمال، وفي الحضارة الغربية تعرية الجسد متعة وجمال. إن معاني الستر و الحياء والعفاف تمزقت مع ضغطة الزر الثانية للبلايستيشن.
وبدأ الطفل يلعب، ولكن ضمن معايير وقيم ثقافة أخرى، وصور العري والقتل والدم المتفجر من الأجساد تتوالى على ذهنه سراعاً، وتنطبع فيه مصحوبة بمشاعر الفوز والانتصار وبلوغ الهدف، وكلها مشاعر جميلة تدخل السرور على النفس. وفي كل مرة يتذكر الطفل انتصاره في اللعب يقفز إلى ذهنه مع صور الانتصار وفقاً لقانون الارتباط الشرطي في علم النفس صور العري وصور القتل والدم، وهكذا كما يستلذ الطفل للانتصار يستلذ لصور العري والقتل والدمار. ومرة بعد مرة تتغير قيم الحسن والقبح عند الطفل، ويتغير معها معايير الجمال والخير والشر والحق والباطل.
وبعد أن يبدأ الطفل اللعب يبدأ في استخدام السلاح كي يقتل، السكين والمسدس والمدفع والقنبلة وغيرها من الأسلحة. ويتحطم مع هذا دروس كثيرة كنت تعلمها طفلك: كنت تعلمه الحذر في حمل السكين، وتجنب استخدامها لئلا يضر نفسه أو غيره. أما الآن فهو يتعلم كيف يحل مشكلته بالسكين، وكيف يصل إلى هدفه بالحربة والمتفجرة والرشاش الآلي.
ولعل من السيئ هنا أن الطفل يمضي الساعة والساعتين وهو يمارس القتل في مخيلته في الفضاء الإلكتروني، وهو وقت كاف بتطبيعه عليه وتمرين نفسه عليه، وبهذا يمكن أن تتحول الممارسة الخيالية إلى ممارسة في الواقع الحقيقي.

لم ننته بعد فلا يزال في اللعبة الكثير ولكن أكتفي بالتنبيه السريع على أمور:
الأول: الألعاب الالكترونية تعتمد اعتماداً كلياً على الخيال، والإكثار منه بالنسبة للأطفال الصغار فيما دون العاشرة مضر لهم معيق لنموهم. والطفل يحتاج أن يدرك الواقع ويتعرف عليه كي يصدر أحكاماً واقعية على بيئته، ويحتاج أن يدرك الواقع كي يعرف قوانين السببية التي تحكم العالم من حوله. إنه بحاجة أن يعرف مواطن الخطر في بيئته كي يحمي نفسه، أما سوبرمان الذي يتجاوز قوانين الطبيعة فيقفز من النافذة إلى الشجرة، ومن السطح إلى الأرض أن ينقض على الخصم من علو شاهق أو من سيارة مسرعة يقدم مثلاً سيئاً للطفل في التعامل مع الواقع وقوانين السببية، ولو حاكاه الطفل لأهلك نفسه.

الثاني: الألعاب الالكترونية تقوم على قلة الحركة فالطفل يجلس في مكان واحد ساعات طويلة يلعب أمام الشاشة، وربما كان أيضاً يأكل بعض الحلويات والشوكولاتة أو يشرب المشروبات الغازية. والجلوس من غير حركة مع الأكل المستمر مدمر لصحة الطفل؛ إنه يحتاج أن يتحرك كي ينمو نمواً سليماً، ويحتاج إلى حركة كي يحرق ما يأكله من سعرات حرارية. ونتيجة للجلوس الطويل والأكل المستمر مع اللعب نشأت ظاهرة البدانة بين الأطفال.

الثالث: كثير من الألعاب فردية تفصل الطفل عن محيطه وتعلمه الوحدة، وهذا معيق للنمو الاجتماعي عنده مضعف لتواصله مع الآخرين. بل إنه مع انهماكه في اللعب ورغبته في الانتصار يكره أي اتصال بغيره أو مشاركته في لعبه، وربما دفعه ذلك للهرب والبعد عن الناس.

الرابع: جميع الألعاب الإلكترونية فيها أبطال والطفل ينفعل مع البطل وتذوب شخصيته فيه ويسعى لمحاكاته، ولا تنس أن البطل الإلكتروني هو نتاج ثقافة غير ثقافة الطفل، بل ربما كانت صورته تختلف عن صورة الطفل في الشكل واللون والعرق فضلاً عن الاختلاف في اللباس والهيئة والاسم. كل هذا يؤثر على الطفل وينقله من ثقافته إلى ثقافة أخرى. وبعض الألعاب تقدم البطل في صورة الإنسان الغربي الأبيض ذي الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين أما المجرم فتقدمه في صورة إنسان ملون. ومع الممارسة واللعب المستمر ينطبع في ذهن الطفل أن البطل بتلك الصورة التي سلفت هو الجميل، وهو المنتصر وهو الخير، أما ذاك الملون فهو القبيح وهو المهزوم وهو الشرير. وربما نزل الطفل من حيث لا يشعر صورة الشرير على صورته هو فاحتقر ذاته.
وربما تسألني بعد هذا ما العمل؟
وأقول:
أولاً: قلل من الألعاب الإلكترونية لطفلك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وشجع طفلك على استخدام سواها، ولعل أفلام الكرتون التي تُقدّم في قناة المجد مثلاً، وكذلك الألعاب التركيبية اليدوية تمثل بديلاً حسناً.

ثانياً: شجع طفلك على الألعاب الذهنية التي تستخدم العقل في الوصول إلى الهدف وتجنب الألعاب التي تستخدم القوة في الوصول إلى الهدف.

ثالثاً: شجع طفلك على الألعاب المشتركة وتجنب ما أمكن الألعاب الفردية. إن طفلك بحاجة إلى أن ينمو في تواصله الاجتماعي فشجعه على ذلك وهيئ له سبله.

رابعاً: شجع طفلك على الألعاب ذات الحركة الجسمية التي تستدعي منه الحركة والانتقال من مكان إلى آخر والجري ككرة القدم وكرة المضرب و السباق و السباحة.

خامساً: في جميع الألعاب ابحث عن البديل الإسلامي والبديل الأقرب إلى ثقافة طفلك. لا تترك ثقافة أخرى تختطفه من بين يديك وأنت لا تشعر.

سادساً: خصص وقتاً للألعاب الإلكترونية وما يشابهها كأفلام الكرتون، ولا تتركها تستأثر بوقت طفلك؛ فهو بحاجة إلى الحركة، وبحاجة إلى الثقافة، وبحاجة إلى أنواع أخرى من اللعب.

سابعاً: خصص لطفلك وقتاً لمشاهدة بعض الأفلام النافعة مثل: فلم الرسالة أو عمر المختار أو فلم صلاح الدين الكرتوني، أو الأفلام التي تتحدث عن الطبيعة وحيواناتها، أو الفلك ونجومه وأفلاكه، فهو بحاجة إلى الثقافة والمعرفة، وشجعه عليها، ولكن لا تتركها أيضا تستأثر بوقته.

ثامناً: علم طفلك أن هناك أوقاتاً للجد والعمل المثمر وهناك أوقات للعب، ومن الخطأ أن يطغى وقت اللعب على وقت الجد.

تاسعاً: إياك أن تحرم ابنك أو بنتك من اللعب، أو تصوره له على أنه أمر مذموم يجب أن يترفع عنه. اللعب ضروري له، لنموه ونشأته نشأة سليمة سوية، وهو عون له على مزاولة الجد في حياته، ولا يوجد إنسان يستغني عن اللعب، فشجع ابنك على اللعب ولكن بقدر. وتذكر أن النفس السوية المستقرة تحتاج قدراً من اللعب والمرح.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - نوا ره مساءً 09:48:00 2009/08/16

    حلو مشكور

  2. 2 - فتح الله مزهود ًصباحا 11:46:00 2015/05/04

    لا بد من عدم تسليم ابنائنا لهذه البدائل المستوردة بل لنا القدرات المالية والفكرية لصناعة بدائل تنبع من ثقافتانا ونحن في حاجة إلى مؤسسات ثقافية متخصصة تستقطب شبابا له قدرت هائلة على إيجاد البديل المهم تأطيرهم وتمويل مشاريعهم حتى تكون ألعاب أطفالنا بل وشبابنا نابعة منا ومن ثقافتنا . أيضا ألعابنا الشعبية القديمة فيها ما ينهض بالعقل داخل المجموعة وبعيدا عن الفردانية والوحدة إذا وجدت الإرادة وجد البديل وهذا المقال بأفكاره الجيدة لو تواترت أمثاله من المقالات لكان أرضية لإيجاد مشروع بديل

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف