"عندما يطغى النساء".. رؤية نقدية

"عندما يطغى النساء".. رؤية نقدية
 

هناك روايات فكرية، بمعنى أن الكاتب يُقبل على تأليفها وفي ذهنه أن يروج لفكرة ما، أو يدافع عنها على الأقل، وتعد رواية "عندما يطغى النساء"، للأستاذ عبد الحميد ضحا، رواية فكرية, ففي هذه الرواية من الأفكار التي كانت تشغل المؤلِّف فكتب روايته لإثباتها:

التأكيد على أن مؤتمرات المرأة التي تنظمها الأمم المتحدة هي بدعة ضارة أشد الضرر بالمجتمعات الإسلامية، التي يراد لها أن تتخلى عن أخلاقها وعاداتها وتقاليدها وتشريعاتها المستمدة من دين ربها، وتعتاض عن ذلك بمقررات عجيبة تتغيَّا الوقيعة بين الرجل والمرأة، وتخرج المرأة عن فطرتها السليمة، وتقلب كل شيء في حياتها وفي حياة الأسرة رأسًا على عقب، وقد تتبعت الرواية هذا الموضوع، لا في صورة مجردة باردة، بل في شكل أحداث وحوارات وأوصاف، وما إلى ذلك مما يميز الفن الروائي عن المقالات والدراسات مثلًا.

وكل ما يراد من المؤلف في هذه الحالة هو أن يترك شخصيات روايتِه تتصرف على نحو طبيعي مقنع، ويدع وقائعها تتوالى بأسلوب منطقي يتبع قاعدة العلة والمعلول، ولا يلجأ للمصادفات إلا على سبيل الندرة والاستحياء وبعد التمهيد لها، بحيث تبدو مصادفات عفوية مما يقع في الحياة الواقعية فعلًا فيقبلها العقل.

وقد أفلت زمام الأمر من يد الكاتب في بعض الأحيان، وبدا ذلك حتى أول الرواية، وهو ما أوقع في روعي أن الرواية ذات مستوى ضعيف، إلا أن ابنتي الصغرى صادفت الرواية أمامها في البيت فقرأتها وأتمتها قبلي بوقت طويل، رغم أنها كانت تستعد أيامها للامتحانات، ثم أتت إليّ قائلة: إنها رواية جميلة رغم ما فيها من افتعال في بعض المواضع، فأمّنت على ملاحظتها الأخيرة، واتخذت من ملاحظتها الأولى تكأة للمضي في قراءة الرواية إلى أن أتممتها أنا أيضًا، مستمتعًا بها، رغم ما فيها من عيوب أتفهمها بوصف هذا العمل أول تجارب الكاتب في ميدان الفن الروائي؛ إذ هو شاعر في المقام الأول.

ويؤخذ على الرواية أيضًا أنها تصور الأشخاص المتدينين تصويرًا نقيًّا وكأنهم يخلون من العيوب، وكل تصرفاتهم ومواقفهم وأفكارهم وآرائهم تتسم بالحكمة ولا تعرف الخلل، وهو ما لا تعرفه الحياة, إذ البشر هم البشر، وليسوا ملائكة مبرئين من المعايب، بل فيهم وفيهم، ولا يشذ المسلم- ولا حتى المسلم المتدين التقي - عن هذه القاعدة، لكنه يتميز بأن محاسنَه أكثر وأدوم، وأخطاءه أقل عددًا، وأخف فداحة، وأقصر عمرًا, إذ هو رجّاع إلى الحق متى استبان له، أو المفترض والمتوقع أنه كذلك.

هذا، ويمكن أن نذكر من القصص الفكري "حي بن يقظان" لابن طفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور، و"رحلة ابن فطومة" لأديبنا العالمي نجيب محفوظ.

في الرواية تصوير ساخر لبعض الشخصيات والمواقف والتصرفات، وهي سخرية موفقة في كثير من الأحيان، وتنجح في رسم البسمة هادئة على شفاهنا - نحن القراء، ومع أن السخرية في بعض مواضع الرواية سخرية موجهة, أي: لا تأتي أحيانًا على نحو عفوي ولا تشاكِل ما يقع حولنا في الحياة اليومية، أراني أجدها سخرية محببة، وقد يكون السبب في ذلك حسن نية المؤلف، وقد يكون سببه أيضًا أن الشخصيات المقصودة بالسخرية يستحقون أن يخِزهم المؤلف وخزًا؛ لكثرة ما عانينا منهم في حياتنا السياسية قبل الثورة من خروجهم على الوطنية والخلق الكريم، وشذوذهم عن الفطرة السوية، وتمردهم على القِيَم الإسلامية الرفيعة، وتيقننا أنهم إنما تحركهم أيد غريبة، وغايات مريبة.

وهذه أول رواية- في حدود علمي- تتناول مجلس الشعب والمؤتمرات النسائية الدولية المناهضة للإسلام بالسخرية والفضح والتعرية، ولا شك أن من الجرأة التي تذكر فتشكر للكاتب إقدامه على معالجة مثل هذا الموضوع قبل ثورة يناير 2011م, إذ كانت الدولة تترصد أي قلم يعترض على تلك التوجهات المريبة الدنِسَة، لقد كانت الدولة ماضية في هذه الرقاعة التي تحادُّ اللهَ ورسولَه، ويباركها كبار الدولة من نساء ورجال، وقد قصدت تقديم النساء هنا على الرجال قصدًا، لأن شكيمَتهنّ كانت هي الأقوى، تعضدهن وتحفزهن زوجة الرئيس المخلوع، إذًا يحسب للمؤلف إقدامه بل تهوره - إذا صح اللفظ - على كتابة هذه الرواية, فإذا وجدنا في وسط هذا الالتواء في الفهم من يكتب مثل تلك القصة، ويفضح بها الانحرافات العقدية والسياسية السائدة في المؤسسات الحكومية، ويتعرض لأقوى نساء الدولة ورجالها ممن يخونون شعوبهم، ويلتحقون بركب أعدائها وينفذون مؤامراتهم، فلا بد أن نرحب بها.

ولقد كتب مؤلفنا روايته كلها بالفصحى بما فيها الحوار، الذي بدأ البكاشون محاربة الفصحى في الروايات والقصص القصيرة من خلال الزعم بأنه ينبغي أن يكون واقعيا، فلا يكتب من أجل ذلك إلا بالعامية، على اعتبار أن الناس إنما يتحدثون في حياتهم بالعامية، وهم إنما يتخذون من هذه الخطوة نقطة انطلاق يشرعون بعدها في إهمال الفصحى في كل جوانب العمل القصصي لا في الحوار فقط، ثم في كل ميادين الأدب، بما فيه الشعر ذاته في النهاية.

وفاتهم أننا في الأدب لا ننقل الواقع كما هو، فهذه سبيل المصورة الفوتوغرافية وجهاز التسجيل، بل يقوم عملنا على الإيهام بالواقع، كما أن هناك عوامل حضارية أخرى ينبغي أخذها في الحسبان، منها: حرصنا على أن يظل هناك بين العرب على اختلاف دولهم ودمائهم ذلك الرباط اللغوي والثقافي، ثم إن أدبنا كله طوال تاريخه كان يكتب بالفصحى ما عدا الأزجال الأندلسية تقريبًا، ولم نسمع أي شكوى من أي أحد بسبب ذلك، لا من المثقفين أو العامة، ولا من الكبار أو الصغار.

فمؤلفنا إذًا قد فعل الشيء الطبيعي بلجوئه في روايته سردًا ووصفًا وحوارًا إلى اللغة الفصحى، وحرصه على ألا ينحط إلى العامية، التي أشبهها عادة بالمنامة (البيجاما)، وأشبه الفصحى بالبدلة: فالمنامة للبيت وغرفة النوم، أما البدلة فللحفلات الفخيمة والاجتماعات الراقية، ومن من العقلاء يا ترى يفكر في الاستعاضة عن البدلة في مثل تلك الحالة بملابس النوم والبيت؟!

ولا مناص من القول بأن الفصحى التي استعملها أ. عبد الحميد ضحا، فصحى سهلة ليس فيها ما يحوج إلى الرجوع إلى المعجم، وهذا أمر طبيعي، فالفن القصصي بوجه عام لا يعرف التقعر اللغوي، بل لا يوجد في العصر الحالي من يتقعر في أسلوبه. لقد فات عصر المنفلوطي والرافعي، وهما تقريبًا آخر من كانوا يعملون على التزام جادة الفخامة المعجمية في أدائهم اللغوي، ومع هذا فقد كنت، وأنا صبي في الخامسة عشرة، أقرأ المنفلوطي دون معاناة، وإن لم أستطع تجاهل ما كان يعينني على ذلك من الهوامش اللغوية الشارحة التي كان الناشرون حريصين على تزويد النص القصصي المنفلوطي بها، أما الرافعي فليس المشكلة عنده في المعجم اللغوي الصعب بل في رغبته في الإبهار التصويري المعقد - رحمه الله - ولا ينبغي في هذا السياق أيضًا أن ننسى أن الأساليب الحديثة قد شقت طريقها إلى تحقيق استقلالها وتأكيد شخصيتها، فأضافت إلى الأساليب القديمة باقة عبقرية ذات طعوم طازجة كأسلوب العقاد وأسلوب المازني وأسلوب الزيات وأسلوب الحكيم وأسلوب أحمد أمين وأسلوب محمد كرد على وأسلوب علي الطنطاوي وأسلوب طه حسين وأسلوب سيد قطب وأسلوب نزار قباني وأسلوب مي زيادة وأسلوب بنت الشاطئ وأسلوب أحمد السباعي وأسلوب غازي القصيبي، وغيرهم كثير.

إلا أنني لاحظت - كما ذكرت ذلك للكاتب على المحمول - أنه أحيانًا ما يسهو فيستخدم، لجمع الإناث العاقلات، ضمير جمع الذكور العقلاء أو صيغته الجمعية في الأسماء والصفات، وهو قليل، لكن بما أنه شاعر, أي: أديب منذ فترة وليس كاتبًا طارئًا أو واغلًا، لقد كان ينبغي ألا يسمح لهذا السهو بالوجود، ولكنه قد أخبرني أنه، قبل أن يستمع إلى ملاحظتي هذه (وكأنه يريد أن يقول إنه لا فضل لي في تنبيهه إلى هذا. مش مهم) قام بتصحيح هذا التقصير، فالحمد لله، الذي جردني من هذه الفضيلة أيضًا، والمهم أن يتم تصحيح هذه السهوات.

والمساحة التي تتحرك فيها الرواية واسعة, فتتحرك الرواية في عدة أمكنة بين مصر والخارج: ففي مصر عندنا مثلًا مجلس الشعب وبيوت بعض أبطال الرواية، أما في الخارج فهناك المؤتمرات عن المرأة.

وقد أفاد الرواية تغير الأماكن فيها إفادة كبيرة, إذ أبان لنا كمَّ النفاق والبكش الذي تحتوي عليه نفوس الساسة ومن يطرحون أنفسهم في ساحة العمل العام على أنهم مصلحون، وما هم إلا مجموعة ساقطة الخُلق والدين والوطنية والسلوك، إلا أن هذا الانحطاط لا يظهر إلا حين يعود كل منهم إلى بيته ويخلع عنه ثوب البكش والنفاق، وساعتها يظهر عاريًا على حقيقته.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - عندما يطغى البدون مساءً 02:08:00 2012/05/06

    أفترح أن تكون الرواية الثانية بعنوان "عندما يطغى البدون" لأنهم يطالبون بأوراق هوية. موفقين.

  2. 2 - الى ...رقم 01 مساءً 06:28:00 2012/05/06

    هل من يطالب بحقه في المواطنة والحقوق كمن تطالب أن تغير خلق الله وفطرت الله التي فطر الناس عليها.أعوذ بالله من شر ما خلق.

  3. 3 - يا رقم 02 مساءً 10:20:00 2012/05/06

    هل تقصد ختان البنات الصغيرات؟ هو فعلا تغيير لغير الله وعدوان على النفس بغير حق. إن كان هذا ما تقصده فأنا كذلك أنكره أشد الإنكار.

  4. 4 - عاشور الاطرش مساءً 11:14:00 2012/05/11

    شكراً للدكتور ابراهيم عوض على هذا السرد الجميل فى تناول الرواية . هكذا تُحببُ لغة الضاد إلى قرائها؛ سلاسة الأسلوب ، وجزالة اللفظ ،وبيان القصد .