- في ندوة " مستقبل التعليم في مصر"
- التدخل الأجنبي في التعليم معناه بداية الانهيار للأمة!
تطوير التعليم أصبح همَّا قوميًّا يشغل بال الكثير من الكتاب والمفكرين والمثقفين في مصر والعالم العربي خاصة بعدما وصلت العملية التعليمية إلى مستوى كبير من التدني مما أثر على المستوى العلمي لقوة العمل في مختلف المجالات وهو أمر لم يعد خافيًا على أي مراقب فضلاً عما تناقلته الأنباء عن وجود خطة أمريكية تهدف إلى التدخل في تحديد المناهج التعليمية بالمنطقة العربية.
والتعليم هو المدخل الأساس بل الوحيد لعملية التطوير والنهضة، ولا يمكن لأي مجتمع يريد إحداث النمو أن يتغاضى عن تطوير العملية التعليمية أو أن يتعامل معها باعتبارها شأنًا ثانويًّا.. هذا ما أكده خبراء التعليم المصريون في الندوة التي عقدها صالون إحسان عبد القدوس بنقابة الصحفيين المصرية.لا نهضة بدون تطوير
في البداية قال الدكتور حسام بدراوي - رئيس لجنة التعليم في مجلس الشعب المصري-: إن الكلام عن التعليم يستلزم الكلام عن الواقع والقصور الشديد والإمكانيات .. فقد لاحظت منذ دخولي مجلس الشعب والسياسة عام 2000 وممارستي السياسية والتحاقي بلجنة التعليم وقد تأكد لديّ أن التعليم ليس أحد المداخل بل هو المدخل الأساسي الوحيد لتطوير مصر وبدونه لا تنمية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو إنسانية.
والواقع أننا في مصر لدينا عدد كبير من المفكرين الذين وضعوا للتعليم تصورات عبر التاريخ وأمامي تقارير من عام 1860 لتطوير التعليم كما أن الكثير من طرق تطوير التعليم في العالم كان للمفكرين المصريين علم بها إلا أن المشكلة أن هذه التقارير ظلت مجرد تقارير .
والصورة العامة للتعليم في مصر أنه يوجد تعليم قبل المدرسة وتعليم أساسي وثانوي وفني وأزهري وجامعي وما بعد الجامعة ومستمر ومفتوح وعن بعد وكلها أطر ترتبط بالبحث العلمي وجوانبه التربوية كما أن هناك 18 مليون تلميذ وأكثر من مليون معلم و70 ألف عضو هيئة تدريس و12 جامعة و8 فروع و7 في القطاع الخاص.
والحقيقة أن هناك اهتمامًا مستمرًا بالتعليم من كافة الحكومات لكن هناك اهتمامًا أكبر بمدخلات التعليم حيث يوجد نمو سكاني وعدد من المدارس لا بد من توفيرها كم مدرسة بنيناها وكم كمبيوتر تم تخصيصه والموازنة ؟ .. إلخ. وكل ذلك إنجازات لأنه لا يمكن تطوير التعليم إلا بالقدرات لكن أغلب ذلك مرتبط بالمباني والأجهزة... والتقليد الذي يجب أن يكون هل هذه المؤسسات تقوم بعملها بكفاءة هل مخرجات التعليم بمراحله المختلفة ملائمة لمتطلبات العصر وجاهزة للمنافسة؟.. هل ما نقوم به الآن من إجراءات يتكافأ مع ما يحدث في العالم؟.. موقعنا التعليمي في المنطقة ومخرجاتنا منها لها سوق أم لا؟ .
وهل يوجد أمة بدون بحث علمي وهل أمة تتطور بدون تفكير علمي وبدون احترام العلماء والعلم ؟ كيف نضمن إدارة العملية التعليمية بشكل أفضل وكيف يمكن أن نحول التعليم إلى الأفضل ؟ .
وأكد الدكتور بدراوي على أهمية تطوير المعلم معتبرًا أن أي مساعي لتطوير التعليم دون تطوير المعلم هي من العبث وتصبح تقارير لا يمكن تنفيذها .
وقال البدراوي إن المعلم قيمته المجتمعية وقدراته في التواصل مع التلاميذ هو المدخل الرئيس للتطوير "إعادة تأهيله".. والعمل من خلال كليات التربية ويكون هناك محاسبية فيكافأ المجتهد ويجازى المخطئ.
عدم كفاية الموازنة
وأما عن الموازنات وعدم كفايتها فأنا أختلف مع القائلين بذلك، فكفاءة إدارة الموارد أهم من زيادتها وحجة الموازنات حجة تلجأ إليها الحكومات وأسهل شيء أن نبني مدرسة ونستورد جهازًا ونقول إننا مدرسة، وهناك الكثير من القضايا لها موازنات دون أن تنفق لأن إدارة المدرسة ضعيفة .
بين التعليم الثانوي والجامعي
وعندما نتناول الحديث عن التعليم العالي يجب أن يكون المفصل في حديثنا بين الاثنين واضح ونتساءل هل المرحلة الثانوية تؤهل للالتحاق بالتعليم العالي أم لا؟ .
أما آن لنا أن نتحدث عن كل شيء بلا حدود، يجب أن يكون لدينا وسيلة أخرى للالتحاق بالجامعات .. فـ 28 % من الطلاب علمي والباقي في القسم الأدبي وهو ما يعد مؤشرًا خطيرًا وعلينا أن نبحث أين الخطأ هل هو في المدرسة أم في الجامعة أم في سوق العمل ؟ إنها مسائل مطروحة للنقاش .
التعليم الجامعي إلى أين؟
الجامعة فيها الكثير من الأمور غير الحقيقية؛ البحوث غير حقيقية وتنشر في مجلات علمية أغلبها مطبوع طباعة خاصة، والأستاذ الذي يقدم البحث يرقّى به وهو يعرف أنه غير لائق .
يوجد في جامعاتنا 25% فقط من الطلاب الذين يتراوح سنهم من 18 إلى 23 بينما في أمريكا وإسرائيل 60% وبقية دول العالم لا تقل عن 50%.
والتطور الطبيعي أن يزيد عدد الأماكن المتاحة في التعليم العالي. ففي مصر يجب أن يكون بها 70 إلى 80 جامعة ولا يكون بكل جامعة ربع مليون طالب. لذا يجب علينا أن نشجع إنشاء الجامعات سواء الحكومية أو حتى الخاصة ، وبعد ذلك تبقى قضيتان وهما: البعثات الخارجية، والتمويل.
وأقول إنه إذا لم تتضاعف البعثات الخارجية على الأقل كل عامين ستصعب ملاحقة ما يحدث في العالم..وإن كنا ننظر إلى تمويل التعليم العالي بشكله الحالي وننتقده؛ فيجب أن ننظر إلى التعليم المجاني الجامعي بشكل مختلف ولا ندعي غير ما هو واقع، ويكون أمامنا فرصة للتفكير، وأن للمجتمع أن يناقش كل شيء دون خطوط حمراء، وإذا كان معي موازنة تنفق في التعليم الأساسي؛ فيجب أن تكون مشاركة من القادرين في التعليم الجامعي، لأنه من الصعب رفع مستوى كفاءة التعليم الجامعي ..فالمجتمع أكثر ذكاء وقدرة على فهم الواقع وقدرته على المشاركة إذا كانت الصداقة والصدق .
وما يتاح لنا من إمكانيات فهو جيد؛ لكن ما نصبو إليه يحتاج إلى تمويل إضافي.
كيف يمول التعليم العالي ؟
التعليم الأساسي مسؤولية الدولة، ولا يمكن أن نطالب بإلغاء مجانيته والعالم يحتاج إلى مشاركة من المجتمع، ولا أقصد حرمان غير القادر ومكافأة النابهين والنابغين بالنسبة للتعليم الجامعي .
الدعم ومواجهة المجتمع: نحن نقوم بعمل دعم في الموازنات للمنتجات: مثال " أنبوبة الغاز تأخذ دعم الدولة حوالي 4 مليار جنيه .. بينما موازنة دعم التعليم الجامعي في مصر 4 مليار جنيه، هل يعقل أن مجتمع ينمو يسمح لنفسه أن ينفق من جيب كل واحد فينا على أنبوبة الغاز قدر ما ينفقه على التعليم.
المنتجات المدعومة من موازنة الدولة أؤكد لكم أنها لا تذهب إلا للقادرين ..لذلك يجب توجيه الدعم لمن يستحق وليس لخدمة المجتمع .
نحن في حاجة لنقد التعليم
وأكد الدكتور حامد عمار -شيخ التربويين المصريين- ما ذهب إليه الدكتور بدراوي من أهمية مدخل التعليم للتطوير الشامل وقال: إن نظام التعليم نسق من مجمل الأنساق المجتمعية في مجمل حركة المجتمع وهو حقيقة مدخل رئيس، وهو مفتاح للأبواب الأخرى لكنه يتأثر بالأنساق الأخرى سلبًا وإيجابًا، ودراسة تاريخ التعليم في مصر يبين لنا كيف أن الأنساق الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والأيدلوجية تؤثر في التعليم وتتأثر به .
ومع ذلك فإن التعليم له استقلالية لكن هذا لا يتوقف على من يدير دفة الأمور؛ ففي مصر قضية محو الأمية طالب بها مجلس شورى القوانين عام 1886 ، و1944 وهذا القانون كان من أعظم القوانين التي لو تم تنفيذها كنا ذبحنا الأمية لكن القوى المهيمنة في هذا الوقت أجهضت هذا القانون وقد جاء " وعلى كبار الملاك ورجال الصناعة والتجار أن يتولوا تعليم من لديهم من العمال وكذلك إلزام إدارة ومؤسسات الحكومة، وإذا لم يقوموا بذلك؛ فستتولى الدولة تعليمهم على حسابهم . وأجهض القانون وأصبح ورق وتوالت قوانين مكافحة الأمية .
في نفس الوقت يمكن أن تكون هناك قوى تقدمية يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي، مثل قادة الفكر من المازني ونجيب الهلالي الذين استطاعوا أن يجعلوا التعليم مجانيًا وهي قوى تنظر للتعليم كحقوق محركة ومعبئة. وعندما نتحدث عن التعليم لابد من أن نربط في نفس الوقت حركة نقل التعليم ويجب أن تكون محايدة وموضوعية غير منحازة؛ لأن هذا النقد هو الذي يكون تيار المشاركة المجتمعية، وأرى أن الدور الأهم للصحافة هو أن تقوم بهذا الدور، لأن التعليم جسم حي مرن ويحتاج باستمرار إلى زيادة الحركة والتصحيح.
مشكل آخر في نظامنا التعليمي أننا انتقلنا انتقالاً مفاجئًا من نظام اشتراكي مركزي إلى نظام اقتصادي ومفتوح وعالمي جديد آليات السوق وحرية المال، وهذا في حد ذاته أوجد نوعًا من الاضطراب في كثير من النظم، وهذا النظام العالمي الجديد فيه ما يخص التعليم بالفعل، وهي تلك الثورات العلمية والاتصالية التي لابد أن يدخل في غمارها ويدخلها في مناهجها قدر المستطاع.
تحديات النظام التعليمي في مصر
والنظام التعليمي أمامه نوع من التحدي، وثورة المعرفة هي القوة الحقيقية لأي مجتمع ولم تعد إمكانية قياس تقدم الدول بما لديها، بل تقاس من خلال الرصيد المعرفي الذي يتكون في سكان هذا المجتمع الرصيد المعرفي معناه حالة التعليم في السكان في مختلف شرائحه .
ما هي الحالة التعليمية للسكان في مصر قد وصلنا الآن بعد 135 سنة من قرار مجلس شورى القوانين إلى 33 % من الكبار من 15 سنة فما فوق من الأمية وعددهم يتزايد .في عام 1937 كان عدد الأمية 9 مليون أما الآن فهم 18 مليون الرصيد المعرفي .
عدد الحاصلين على جامعة في أحسن التقديرات 10 % أين هذا من الدول الناهضة مثل كوريا التي فيها 20 % من قوة العمل في الجامعة .كل هذه المؤشرات تدل على أن الرصيد الرأس مالي المعرفي للسكان متدني وهذا لعوامل تاريخية متعددة .
مؤشر آخر وهو معدل سنوات التمدرس السكاني من 25 سنة فما فوق .. كم من السنوات قضوها في تعليم منظم من الحد الأقصى للسنوات ؟ فهي 12 سنة في الدول المتقدمة وفي سنغافورة مثلا وكوريا 7 سنوات .
عن الفجوة التمويلية يقول الدكتور عمار إن موازنات التعليم زادت من 3 مليارات إلى 23 مليار ولكن لابد من ربطها بأعداد الطلاب الذي بلغ 15.5 مليون طالب والتعليم الجامعي متوسط تكلفة الطالب 170 دولار في العام أي أقل تكلفة في العالم والتي تصل إلى آلاف .
ماذا سيفعل رجال الأعمال ؟
انتقد الدكتور عمار مسألة اللجوء إلى عملية إلغاء الحق في مجتمع فقير؛ فالإحصاءات تشير إلى أن حوالي 30% تحت خط الفقر .
فهل يمكن إيجاد نظام ضريبي بنوع من التصاعد يوفر موارد جديدة؟ وهل يمكن ضبط الفساد المالي؟ .
قدر من الذين يدخلون الجامعة الآن والذين فتحت لهم أبواب الجامعات ما كان يحلم أولياء أمورهم بذلك من 74 19فحتى الآن لم تنشأ جامعة جديدة؛ بل إن جامعة جنوب الوادي عبارة عن كليات متفرقة وهي إحدى المشكلات المؤدية إلى تفاقم الدروس الخصوصية كثافة الفصول وازدحام المدرجات والمباني والتجهيزات وهي البنية الأساسية في التعليم ولا يمكن أن تتوقع تطوير إلا بهذه البنية .
لا ضغوط أمريكية لتغيير المناهج
وفي تصريحات خاصة للإسلام اليوم قال الدكتور حسام بدراوي إنني كعضو في مجلس الشعب المصري لم ألحظ ولو لمرة واحدة ضغوط أمريكية بشأن تغيير المناهج التعليمية في مصر.
أما بخصوص تطبيق مادة الأخلاق على المرحلة الأساسية فهو من باب الضغوط الشعبية والمجتمعية حيث يطالب آخرون بتطبيق مادة للمرور وللتربية الجنسية وهو نوع من العبث وليس من الضغوط الأمريكية وهو ما لا أراه نافعًا ومادة الأخلاق متضمنة داخل أي مادة.
وأضاف الدكتور بدراوي "لو أن رؤيتي في التطوير تتضمن أن ننشأ هيئة ضمان جودة لطريقة تدريس اللغة العربية بعد تدني المستوى اللغوي لدي الخريجين سيقولون إن ذلك استجابة للضغوط الأمريكية أو البريطانية، وعندما أقول إنني أؤمن بالديمقراطية تقولون إن ذلك استجابة لأمريكا .. يجب ألا تكون لدينا هذه الحساسية من كل ما يطلبه الأمريكيون .
كما أكد الدكتور عمار في تصريحات للإسلام اليوم أنه لا توجد حتى الآن ضغوط أمريكية لتعديل المناهج رغم ما ينشر عن ذلك .. أما فيما يخص المناهج في الجامعة فنحن الذين نضع هذه المناهج وكل أستاذ يضع منهج مادته .
أما عن مادة الأخلاق فهي تعتبر منهجًا سلوكيًّا .. يقال فيه للطالب ماذا يفعل؟ وكيف تكون معاملاته؟ . وهذه قيم كلها إسلامية .
وفي تصريحات خاصة لـ(الإسلام اليوم) قال الروائي المصري ومقدم الندوة فؤاد قنديل: إذا استسلمت القيادة المصرية لأي تدخل أجنبي في خصوصية قرارها سواء بالنسبة للتعليم أو الدين أو العادات والتقاليد .. إلخ؛ فهذا معناه وقوع الأمة في مستنقع الذل تمهيدًا للانهيار ولا أتصور أن القيادة المصرية يمكن أن تتجاوب مع الدعاوى المطالبة بالتغيير لحساب الأجنبي وفكره.