الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد:
إن الدافع لكتابة هذه الأسطر هو ما يلاحظ أن عدداً من ساكني مكة قد تمر عليهم السنة تلو الأخرى ولم يعتمر؛ بحجة قول أو أثر عن بعض التابعين بمنعها، ولم ينظر إلى قول المجيزين الآخرين. وقد نشأ عن الفتوى بعدم جواز العمرة المكية هذه أن كثيراً من الواردين إلى مكة من خارجها لا يأخذون عمرة- أثناء بقائهم فيها- عن آبائهم أو أمهاتهم وأقاربهم لو أرادوا- سواء في رمضان أو غيره!! وتسببت هذه الفتوى في منع الخير والأجر للمتبرع بالعمرة والمتبرع له. وكما يحصل من التسويف لدى كثير من ساكني مكة – حيث يمضي على بعضهم الشهر والشهران ولم يطف بالكعبة بحجة أنه لا يريد أن يضيق بالطواف والصلاة في المسجد الحرام على الأفاقيين القادمين حيث هم أحق!! هذه الأمور وغيرها مما دفعني للكتابة عن العمرة المكية فأقول:
الأصل في بحث المسألة:
يدور على حديث عائشة في الصحيحين لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة أم المؤمنين في حجة الوداع من التنعيم.
و حديث ابن عباس في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة).
- (أهل المدينة) هم ساكنوها ومن سلك طريق ميقاتهم فمر عليه.
- (هن لهن) وفي رواية البخاري: (هن لأهلهن) . ظاهر الجملة العموم لمن كان من أهل تلك الأقطار، سواء ورد على ميقاته أو مر على ميقات آخر فالجملة مفسرة لقوله (وقت لأهل المدينة..).
- قوله (ممن أراد الحج والعمرة) أي لا يلزم الإحرام إلا من أراد أحد النسكين عند دخوله مكة، ومن كان لا يريد نسكاً فلا شيء عليه لو دخل بدون إحرام.
- قوله (ومن كان دون ذلك..) وفي رواية (أهل مكة) أي من كان سكنه أقرب للحرم من هذه المواقيت فيحرم من مسكنه حجًّا كان أو عمرة.
- وقوله (حتى أهل مكة) أي أن أهل مكة يحرمون من مكة بالحج فقط، وعند بعض العلماء اللفظ عام، أي أن أهل مكة يحرمون من مكة في حج أو عمرة .
أما ما روي عن ابن عباس: "يا أهل مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها ولو محسر" ونحوه من الآثار فكلها آثار موقوفة لا تقوى لمخالفة حديثي ابن عباس وعائشة الصحيحين.
أولا: العمرة المكية رواية:
1- أخرج الدار قطني في سننه (2/284) عن ابن عباس قال: حدثنا أحمد بن محمد الجراح الضراب نبأنا محمد بن سعيد بن غالب أنبأنا محمد بن كثير أنبأنا إسماعيل بن مسلم عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة فإن عمرتهم طوافهم، فإن أبوا فليخرجوا إلى التنعيم ثم يدخلوها محرمين ولله ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا حاجًّا أو معتمراً.
هذا الإسناد ضعيف لا يحتج به لأن فيه ثلاثة ضعفاء الأول: أحمد بن محمد الجراح: متهم بالكذب(لسان الميزان1/289).
والثاني: محمد بن كثير الكوفي ضعيف الحديث قال فيه الإمام أحمد خرّقنا حديثه . وقال البخاري عنه: منكر الحديث (لسان الميزان5/351) .
والثالث: إسماعيل بن مسلم : قال فيه الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال علي بن المديني: ليس بشيء. (تهذيب الكمال 3/201).
2- أخرج ابن أبي شيبة في المصنف 4/87 قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن كيسان قال سمعت بن عباس يقول :( لا يضركم يا أهل مكة ألا تعتمروا، فإن أردتم فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن الوادي). وإسناده صحيح.
3- وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة قال ابن عباس: أنتم يا أهل مكة لا عمرة لكم إنما عمرتكم الطواف بالبيت، فمن جعل بينه وبين الحرم بطن الوادي فلا يدخل مكة إلا بالإحرام فقال- يعني ابن جريج- فقلت لعطاء: يريد ابن عباس: الوادي من الحل؟ قال : نعم. وهذا إسناده ضعيف. فيه عبد الملك بن جريج مدلس وقد عنعن. قال فيه ابن معين: ليس بشيء إذا أرسل قال يحي القطان: إذا أرسل قال: (قال) أو (عن) فهو يشبه الريح. وقال فيه الإمام أحمد: إذا قال: (قال) أو (أخبرت) جاء بالمناكير. (تهذيب الكمال 18/338).
4- وأخرج أيضا في مصنفه (4/87) قال أنبأنا يحي بن سعيد القطان عن ابن جريج عن خالد بن مسلم عن سالم مولى بن عمر قال : لو كنت من أهل مكة ما اعتمرت، وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن عبد الملك بن جريج: يدلس ويرسل كثيراً (تقريب التهذيب1/250). (تهذيب الكمال 18/348) والعنعنة نوع من الإرسال كما في هذا الإسناد سبق البيان فيه.
5- وأخرج أيضا في مصنفه (4/88) قال أنبأنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن عطاء قال : ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به. وأهل مكة يطوفون متى شاءوا.
وهذا الإسناد ضعيف لضعف عبيد الله بن موسى العبسي. قال فيه الإمام أحمد: صاحب تخليط حدث بأحاديث سوء. وقال فيه أبو داود: كان شيعيا محترقا (تهذيب الكمال 19/168) وأخرجه بهذا اللفظ عن ابن إدريس عن ابن جريج.
6- وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (4/88) أيضا : قال أخبرنا يحي بن آدم عن وهيب عن خالد عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال: ليس على أهل مكة عمرة، وهذا الإسناد إلى طاووس بن كيسان: صحيح.
7- وأخرج ابن أبي شيبة (القسم الثاني 4/86) قال حدثنا حفص عن ليث عن طاووس أنه سئل عن العمرة فقال: إذا مضت أيام التشريق فاعتمر متى شئت إلى قابل.
إسناده ضعيف: حفص بن سليمان الأسدي : قال فيه أحمد متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة. (تهذيب الكمال7/10).
ليث بن أبي مسلم: قال فيه ابن معين: ضعيف كثير الاختلاط (الضعفاء الكبير للعقيلي 4/14) و(تهذيب الكمال 24/279).
8- وأخرج الفاكهي في (أخبار مكة 2/286) قال حدثنا عمرو بن محمد العثماني قال حدثا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن مجمع عن عمرو بن دينار قال : إن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يرى على أهل مكة عمرة ويقول : هم في عمرة كل يوم. وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن فيه رجلين ضعيفين لا يحتج بهما : الأول شيخ الفاكهي: عمر بن محمد العثماني (لسان الميزان 4/376) . والثاني : إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وقال عنه أبو زرعه الرازي : لا يساوي حديثه فلسين)( تهذيب الكمال 2/46) .
9- وأخرج الفاكهي في أخبار مكة (5/56) قال حدثنا محمد بن زنبور قال حدثنا الفضيل بن عياض عن هشام عن ابن سرين قال :( بلغنا أن رسول الله وقت لأهل مكة التنعيم).
إسناده ضعيف: محمد بن زنبور: ضعيف ومنكر الحديث لا يحتج به (تهذيب الكمال25/212). وذكره عنه أيضا أبو داود في مراسيله صـ121 بلفظ (وقت رسول الله لأهل مكة التنعيم ) وذكر قول سفيان الثوري: لا نكاد نعرف هذا الحديث يعني حديث هشام عن ابن سرين.
10- وأخرج الأزرقي في أخبار مكة 2/3 قال حدثني جدي أخبرنا الزنجي عن ابن جريج أخبرني قدامه بن موسى بن قدامه بن مظعون أن أنس بن مالك قدم المدينة فركب إليه عمر بن عبد العزيز فسأله عن الطواف للغرباء أفضل أم العمرة؟ قال: بل الطواف. إسناده ضعيف: فيه مسلم بن خالد الزنجي قال فيه ابن المدني: ليس بشيء. وقال عنه البخاري منكر الحديث. وضعفه أبو داود (تهذيب الكمال 27/512) وفيه أيضا عبد الملك بن جريح، ومضى بأنه ضعيف إذا أرسل.
11-قال ابن جرير في تفسيره (4/110 تحقيق شاكر) برقم (3505) حدثنا بشر بن دحية. قال: حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد بن بشر الأزدي الدمشقي عن قتادة في قوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال قتادة: ذكر أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة إنه لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم إنما يقطع أحدكم واديا أو قال يجعل بينه وبين الحرام واديا ثم يهل بعمره .
إسناده ضعيف : 1- بشر بن دحية شيخ محمد بن جرير الطبري . ضعيف لا يحتج به (اللسان2/43)
2- يزيد لم أعرف من هو مع طول بحث في كتب الرجال.
3- سعيد بن بشير الأزدي ضعفه ابن معين وابن المديني. قال فيه ابن عمير منكر الحديث يروي عن قتادة المنكرات (تهذيب الكمال 10/354) و (الضعفاء للعقيلي 2/100).
4- قتادة بن دعامة الدوسي ثقة ثبت لكنه مدلس. ولم يصرح بالتحديث كما همنا فهو: ضعيف لا يحتج به.
قلت: كل هذه الآثار المسندة لبعض الصحابة والتابعين لم يصح منها إلا اثنان رقم (2) عن عبد الله بن عباس، ورقم (6) عن طاووس بن كيسان وما صح من هذه الآثار في منع أهل مكة من العمرة- لا يقوى على مخالفة دلالة ما ثبت عن رسول الله من أحاديث صحيحة عامة للمسلمين - وأهل مكة منهم- كما لا تقاوم الأحاديث والآثار الصحيحة قي فضل العمرة على ما يأتي.
النصوص قي فضل العمرة:
1- حديث أبي هريرة في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان صـ312.
2- حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب..) أخرجه أحمد 1/387 والترمذي 3/175 والنسائي 5/115 وابن خزيمة 4/130.
ولفظه عند عبد الرزاق في مصنفه 5/3 (تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر والرزق).
3- وأخرج سعيد بن منصور في (كتاب السنن 2/142 تحقيق الأعظمي) وعبد الرزاق في (مصنفه 5/7) : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد الجهاد في سبيل الله فقال: ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه قال: بلى قال: الحج والعمرة).
4- وفي مصنف عبد الرزاق 5/7 عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال للحج والعمرة فإنهما أحد الجهادين) .
5- أخرج الدار قطني في سننه 2/285 بثلاثة طرق. قال روى أبو بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله: أن العمرة الحج الأصغر.
6- وعن ابن عباس قال رسول الله لامرأة من الأنصار: ما مانعك أن تحجي معنا؟ قالت لم يكن لنا إلا ناضحان حبس أحدهما أبو معقل في سبيل الله ...الخ قال رسول الله فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة في رمضان تعدل حجة) متفق عليه. اللؤلؤ والمرجان صـ288 وفي رواية لأبي داود (تعدل حجة معي) السنن 2/205.
من روي عنه تكرار العمرة من الصحابة والتابعين:
- وأجاز العمرة في شهر محرم كبار التابعين كابن سرين، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد. كلهم يرون فضلها واستحبابها فيه. ( انظر مصنف أبي شيبه 4/46).
- وعائشة رضي الله عنها اعتمرت في شهر واحد عمرتين أو مرارا قال – عنها القاسم بن محمد فيما رواه الشافعي:( معرفة السنن والآثار – للبيهقي 7/46) وذكر ابن عبد البر في التمهيد 20/20 أنها اعتمرت في سنة واحدة ثلاث عمر من الجحفة والتنعيم وذي الحليفة. وروى طاووس جواز العمرة فيه أيضا.
- أخرج البيهقي في معرفة السنن والآثار 7/46 بسنده عن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال: في كل شهر عمرة – (أي في السنة 12 عمرة) .
- وأخرج أيضا بسنده في معرفة السنن 7/46 عن بعض ولد أنس بن مالك قال : كنا مع أنس بن مالك بمكة فكان إذا حمّم رأسه خرج فاعتمر – والتحميم نبات الشعر واسوداده، وينبت عادة بعد عشرة أيام فأكثر..
- وأخرج في سنده أيضا قال : اعتمر عبد الله بن عمر أعواما في عهد ابن الزبير عمرتين في كل عام.
- وأخرج البيهقي أيضا بإسناده قال: سئل عطاء عن العمرة في كل شهر؟ قال: نعم. (معرفة السنن والآثار 7/47).
ثانيا: العمرة المكية دراية:
أقوال الفقهاء في تكرار العمرة:
يستحب الإكثار من العمرة وتكرارها في السنة الواحدة عند الجمهور( الحنفية والشافعية والحنابلة، وقال مطرف بن عبد الله وابن الماجشون من المالكية) وهو قول علي وابن عمر وابن عباس وعائشة من الصحابة، ومن التابعين من قال باستحاب تكرارها : عطاء وطاووس وعكرمة.
وقال الإمام مالك يكره تكرار العمرة في العام مرتين فأكثر وهو قول الحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي. (والمراد بالعام) السنة الهجرية، فلو اعتمر في ذي القعدة ثم في محرم فلا تكره لأنه اعتمر في السنة الأخرى .. انظر الموسوعة الفقهية 30/ 325.
- كان سعيد بن جبير و عطاء يعتمرون في شهر رمضان من الجعرانة / مصنف ابن أبي شيبة القسم الثاني 4/128.
- روى صالح بن أحمد في مسائله 2/411 بسنده عن أبيه أحمد بن حنبل أن ابن عباس كان إذا أراد أن يعتمر خرج إلى التنعيم.
- وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود صـ131 قلت لأحمد: العمرة في كل شهر؟ قال أرجو أن لا يكون به بأس. وقال: سمعت أحمد سئل عن العمرة في المحرم. قال: لا بأس بها فيها فضل.
- وقال محب الدين الطبري في كتابه ( القرى لقاصد أم القرى صـ234) بعد أن ذكر تفضيل الطواف على العمرة لأهل مكة:( وقد أفردنا للكلام في هذه المسألة تأليفاً، وبسطنا القول فيه على أنا لا ندعي كراهة تكرارها بل نقول إنها عبادة كثيرة الفضل عظيمة الخطر لكن الاشتغال بتكرار الطواف في مثل مدتها أفضل من الاشتغال بها ) والله أعلم.
- قال الزركشي الشافعي في (إعلام الساجد بأحكام المساجد صـ179): ( كره مالك لأهل مكة والمجاورين بها الاعتمار، وقال: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمركم الطواف بالبيت. وهو قول عطاء وطاووس بن كيسان. وروي هذا عن أحمد بن حنبل، وتأول أبو يعلى بن الفراء قول أحمد بأنه يريد بذلك: لا عمرة عليهم مع حجهم.
تكرار العمرة:
- وقال الزركشي أيضا (المصدر السابق): الإكثار من العمرة مستحب عند الجمهور : أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر . ونقله ابن حزم عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة. ومن التابعين عكرمة وعطاء وطاووس.
وخالف الإمام مالك فقال لا يعتمر في السنة إلا عمرة واحدة، وبمثل قول مالك قال سعيد بن جبير والحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي حكى ذلك عنهم ابن حزم في المحلى.
- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة (فتاوى 5/215) تقريرا أنه (لا عمرة على المكي، وليس في المسألة إلا اعتمار عائشة من التنعيم وهي قضية عين. واعتمار ابن الزبير ومن معه. لعله أراد أنها تحية الكعبة بعد تجديد عمارتها وهو اجتهاد منه. وفرق بين شيء يفعل لعارض وبين شيء يجعل سنة لكل حاج فلا تجعل المرة دليلا لكل شخص في كل حين).
- وقال الشيخ عبد العزيز بن باز (الفتاوى16/363) (من كان من أهل مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات إذا كان قد أدى عمرة الإسلام، وقد يقال باستحباب خروجه خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"عمرة في رمضان تعدل حجة".
- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في الشرح الممتع 7/408 تعليقا على قول صاحب (المبدع):( ويكره الإكثار والموالاة بينهما – أي العمرة- باتفاق السلف) وأما قوله (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما): فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم قال في الشرح: (ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة) قال الشيخ محمد العثيمين :وهذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
قلت: ولا حجة في قول المانعين:
1- لأنه لا يمنع أو يكره إلا ما منعه الشارع فالرسول لم يحج إلا حجة واحدة، ولم يعتمر إلا أربع عمر، واحدة مع حجته، فليلزموا الناس ويمنعوهم أن يعتمروا إلا مع حجهم!.
2- وليمنعوهم أن يزيدوا على ثلاث عمر في حياتهم!!
3- ويلزمهم أيضا أن يقيدوا زمن العمرة من العام فلا تجوز إلا في الأشهر التي اعتمر فيها رسول صلى الله عليه وسلم!.
4- بل وصلت الحال إلى أن كره بعض العلماء العمرة في رمضان بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعلها فنظروا إلى ترك الفعل ولم ينظروا إلى فضلها وتأكيده وحضه عليها كما هو ثابت في الصحيحين فيا للعجب!!
ابن تيمية والعمرة المكية وتكرارها:
أما العمرة المكية عند شيخ الإسلام ابن تيمية فهي غير جائزة في كل أشهر السنة بل هي بدعة، وأن خروج أهل مكة من مكة للعمرة مجرد مشي لا أجر فيه. انظره يقول: الطواف أفضل من الاعتمار من مكة بل الاعتمار حينئذ بدعة لم يفعله السلف ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة، ولا قام دليل شرعي على استحبابها، وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق العلماء. فلهذا روى سعيد بن منصور في سننه عن طاووس عن ابن عباس: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم يعذبون؟ قيل فلم يعذبون؟ قال : لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف. مجموع الفتاوى 26/264 وروي عن عطاء ومجاهد أنهما قالا: طوافك سُبع بالبيت خير من سفرك إلى المدينة (يعني سفرك من المدينة للعمرة).
لكن من كرهها لم يمنعها فقد سئل عطاء عن عمرة التنعيم فقال هي تامة ومجزئة، وسئل القاسم بن محمد عن عمرة شهر المحرم؟ قال : تامة.. مجموع الفتاوى 26/266.
وقال أيضا 26/256: (وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله قط إلا عائشة في حجة الوداع، ولم يأمرها به بل أذن فيه بعد مراجعتها إياه.. وأما الصحابة الذين حجوا معه فلم يخرج أحد منهم إلى التنعيم لا قبل الحج ولا بعده ولا إلى الحديبية ولا إلى الجعرانة ولا غير ذلك لأجل العمرة، وكذلك أهل مكة المستوطنون لم يخرج أحد منهم إلى الحل للعمرة وهذا متفق عليه معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.. وكذلك أيضا أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة من شهر رمضان سنة ثمان وإلى أن توفي ولم يعتمر أحد منهم من مكة ولم يخرج أحد منهم إلى الحل ويهل منه... فإذا كان المسلمون من حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي – لم يكونوا يعتمرون من مكة بل كانوا يطوفون ويحجون من العام إلى العام، وكانوا يطوفون في كل وقت من غير اعتمار كان هذا مما يوجب العلم الضروري- أن المشروع لأهل مكة إنما هو الطواف، وإن ذلك هو الأفضل لهم من الخروج إلى العمرة؛ إذ من الممتنع أن يتفق النبي وجميع أصحابه في عهده على المداومة على المفضول وترك الأفضل، فلا يفعل أحد منهم الأفضل ولا يرغبهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم- هذا لا يقوله أحد من أهل الإيمان) ا-هـ
وقال ابن تيمية عن العمرة المكية في (شرحه للعمدة 1/334) وكأن ذلك ترجيح منه خلافا لما سبق:( وإن لم يخرج إلى الحل حتى طاف وسعى وقصر ففيه وجهان: أحدهما: لا يعتد بطوافه وسعيه (عمرته) بل يقع باطلا لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج.
والثاني: وهو المشهور، وهو الذي ذكره أبو الخطاب وغيره- أن العمرة صحيحة وعليه دم لما تركه من الإحرام من الميقات؛ لأن من ترك من نسكه شيئا فعليه دم؛ لأن أكثر ما فيه أنه ترك بعض الميقات وهذا لا يفسد الحج وإنما يوجب الدم)ا-هـ أي أنه يجوز لأهل مكة العمرة لكن من الميقات لا من أدنى الحل.
ودلل رحمه الله في شرحه هذا على صحة العمرة المكية من الحل بأمور:
1- أن العمرة هي الزيارة، والزيارة للمزور لا تكون لمن هو مقيم معه وإنما هي من القادم إليه ( أي المزور).
2- العمرة هي الحج الأصغر، والحج أن يقصد الحاج المحجوج إليه في بيته، والحرم هو فناء بيت الله، فمن لم يقصد الحرم من الحل لم يتحقق معنى الحج في حقه.
3- كلما كان الإحرام بالعمرة أبعد فالأجر فيها أعظم فإن الأجر على قدر النصب والتعب – كما قالت عائشة، وهذا نص بأن الخروج لها إلى الميقات أفضل من المقام بمكة.
قلت: وهذا من الشيخ رحمه الله كأنه أشبه بالتراجع عما شدد فيه من منع العمرة المكية في الفتاوى. وأنها بدعة منكرة لا يجوز لمن كان في مكة فعلها لاسيما أن شرحه هذا تقرير على متن (العمدة) مع ذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح منها.
ويؤكد ابن تيمية في الفتاوى على منع العمرة والموالاة بينها حتى في رمضان:
1- (إذا كان لا يستحب تكرار العمرة بل تكره المولاة بين العمر لمن يحرم من الميقات فمن المعلوم أن الذي يوالي بين العمر من مكة في شهر رمضان أو غيره أولى بالكراهة فإنه يتفق في ذلك محذوران. أحدهما: كون الاعتمار من مكة . والثاني: الموالاة بين العمرة وهذا متفق على عدم استحبابه، بل يتبقى كراهيته مطلقا لمن لم يستعض عنه بالطواف فكيف بمن قدر أن يعتاض عنه بالطواف.!) مجموع الفتاوى 26/290
2- وعن عموم الأحاديث التي تبين فضل الحج والعمرة وتكرارها في رمضان أو غيره يرى ابن تيمية أنه لا يقصد بها أهل مكة فيقول (فبهذه الأحاديث تبين أنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك العمرة التي كان المخاطبون يعرفونها وهي قدوم الرجل إلى مكة معتمرا من الميقات (الذي حدده الرسول ) فإما أن يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفونه ولا يفعلونه ولا يأمرون به، فكيف يكون قد رغبوا –الصحابة- في عمرة مكية في رمضان؟ ثم هم لا يأتون و فيه هذا الأجر العظيم مع فرط رغبتهم في الخير وحرصهم عليه!؟) مجموع الفتاوى 26/294.
3- وقال في حديث (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) (إن المراد منه: العمرة من الميقات بمنزلة حجة. أو من أراد الحج فعجز عنه فيصير بنية الحج مع عمرة رمضان فكلاهما تعدل حجة لا أحدهما مجردا) 26/ 294.
خلاصة كلام ابن تيمية عن العمرة المكية :
1- (الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة، وهذا ما لا يستريب فيه من كان عالما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه وآثار أصحابه وسلف الأمة و أئمتها) 26/ 242.
2- (الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل هذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا عائشة في حجة الوداع. أما أصحابة الذين حجوا معه فلم يخرج أحد منهم لا قبل الحجة ولا بعدها – إلى التنعيم ولا إلى الحديبية ولا إلى الجعرانة لأجل العمرة، وكذلك أهل مكة لم يحرج منهم أحد إلى الحل للعمرة وهذا متفق عليه ومعلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته) 26/ 252.
3- وأخيرا يقرر ابن تيمية عن العمرة المكية بأنها ليست مستحبة ولا جائزة (بل هي حينئذ بدعة لم يفعلها السلف، ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة، ولا قام دليل شرعي على استحبابها، وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق العلماء) 26/264.
4- وقال ابن القيم في (تهذيب السنن 3/288) (وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره فأقول لهم: كثرة الطواف أفضل منها، فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم:( عمرة في رمضان تعدل حجة) فقلت لهم في أثناء ذلك: محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يُخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلا لا قبل الفتح ولا بعده، ولا أحد من أصحابة مع أنهم كانوا أحرص الأمة على الخير، وأعلمهم بمراد الرسول وأقدرهم على العمل به، ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم؟ إن أحدهم يقدر أن يحج في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر ثم يأتي منها بحجة واحدة وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر؟ هذا ما لا يظنه من له مسكة عقل، وإنما يُخرّج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه وهي التي أنشأوا السفر لها من أوطانهم وبها أمر أم معقل وقال لها ( عمرة في رمضان تعدل حجة) ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، ولا فهم هذا أحد منهم وبالله التوفيق).
الرد على المانعين للعمرة المكية أو تكرارها:
1- أرى أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قد تكلف كثيرا في رد عمومات تلك النصوص الصحيحة في فضل العمرة، حتى أخرج أهل مكة من فضل العمرة سواء قيل بوجوبها في الأصل أو قيل باستحبابها.
2- كيف تكره العمرة وتكرارها وهي طاعة وفعل خير مأمور به بالنصوص العامة الصحيحة الصريحة في فضلها وتكرارها وغفرانها للذنوب، فيلزمهم على هذا أن يكرهوا كل ما لم يفعله الرسول فليقولوا بكراهة حج أو اعتمار الإنسان أكثر من مرة في عمره، وليكرهوا أن يعتمر أكثر من أربع عمر في حياته فإن الرسول لم يزد على هذا؟
3- وكيف تكره هذه العمرة (العمرة المكية) لمجرد عدم فعله صلى الله عليه وسلم مع أنه معلوم لدى العامة والخاصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يترك العمل وهو يحب أن يعمله مخافة أن يشق على أمته أو أن يفرض عليهم فلا يستطيعونه!!
4- والعجيب في الأمر أن المانعين للعمرة المكية أو تكرارها -كابن تيمية- يقولون باستحباب صيام أكثر السنة! وأن يقوم الرجل أكثر من ثلث الليل! مع أنه لم يصح أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في الليل أكثر من ثلاث عشرة ركعة. ولم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم صام شهرا كاملا غير رمضان! فكيف يحتجون بفعله في ترك العمرة مفردة مع أنه حض عليها بأحاديث كثيرة؟ وفي الوقت ذاته لا يأخذون بذلك كما أخذوا الزيادة في العبادات الأخرى مع أنه لم يفعلها!؟.
5- إن حديث أبي هريرة في الصحيحين: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما....) يفيد فضل تكرار العمرة لكل الناس وفي كل زمان. ووجه ذلك أنه: كلما طال الوقت بين العمرتين كثرت ذنوب العبد. والعمرة أحد مكفرات الذنوب. أما كراهية المولاة بينهما فهو ما عناه الإمام أحمد ومن وافقه بجواز تكرار العمرة لأهل مكة وغيرهم: (ما لم يحمم الرأس) – يعني ينبت شعر رأسه حتى يكون أسود كالحمم (الفحم) وهكذا كان فعل الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه.
6- والأغرب في هذا أن مشايخنا في هذا العصر أفتوا بجواز الرمي بالليل تيسيرا على الناس قياسا على الرخصة للرعاة والسقاة مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يرموا ليلا. فلماذا لم يقف العلماء على عدم فعل الرسول وأصحابه. كما وقفوا على تركه العمرة (المكية)؟! إن عدم خروج الرسول وأصحابه إلى التنعيم للعمرة مثل عدم رمي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليلا أو قبل الزوال!.فكيف يفرق بين الحالين مع تماثلهما في الترك.
ولم يوجد نص صريح من الشارع يمنع الرمي ليلا أو قبل الزوال، وكذلك لا يوجد نص يمنع من العمرة المكية. وإن كان مقتضى الفتوى بجواز الرمي ليلا وقبل الزوال هو الأخذ بالرخصة والتيسير. فإن العمرة المكية والإحرام بها من الحل كالتنعيم مثلا- وهو عين التيسر وحصول الأجر وتطيب لخاطر المعتمر من أهل مكة أو جاء من بلاد بعيدة وقد لا يتمكن هو ولا من أُخذت له العمرة – أن يأتي لمكة مرة أخرى. أو كان مقيما بمكة ومضى عليه زمن ولم يعتمر لو أراد أن يأخذ عمرة عن أبيه أو أمه أو قريبه. وقد يمر بساكني مكة أيام وشهور ولم يعتمر الواحد منهم فكيف يحرم أجر العمرة؟!. وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإعمار عائشة من التنعيم تطيبا لخاطرها لما قالت (أيرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج فقط؟!) مع أنها راجعة بحج وعمرة حيث كانت قارنة فلماذا لا يقال بجواز أخذ العمرة لأهل مكة تطيبا لخواطرهم مع حصول الأجر.
ورحم الله ابن عبد البر لما قال ( لا أعلم لمن كره العمرة في السنة مرارا حجة من كتاب أو السنة يجب التسليم لمثلها، فالعمرة فعل خير وقد قال الله عز وجل( وافعلوا الخير) فواجب استعمال عموم ذلك والندب إليه حتى يمنع فيه ما يوجب التسليم به) (التمهيد 20/21).
7- من روى عنه من الصحابة والتابعين منع العمرة المكية كابن عباس وطاووس بن كيسان روي عنهم جواز هذه العمرة وتكررها في محرم ورمضان وغيرهما.
8- وأخيرا يرد على المانعين للعمرة المكية بما قاله ابن القيم الجوزية في (تهذيب السنن 3/288) رادا به على مخالفيه، وقوله هذا رد عليه ومن يوافقه في منع العمرة لأهل مكة! حيث قال:( يغلط كثير من قاصري العلم فيحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده).
قلت: وقضيتنا (العمرة المكية) ليس فيها للرسول ولا أصحابه عمل . فهل الترك عمل؟ وهل تركه لها يسمى عملا؟ هذه مسألة أصولية. فإذا كان لا ينسب إلى ساكت قول فكيف ينسب إلى (تارك) العمل عملا لم يعمله!!؟ والله أعلم وصلى الله عليه وسلم.