آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

سعود اليوسف: صَحِبتُ الحزن فأصبحتُ شاعرًا

الاثنين 26 جمادى الآخرة 1429 الموافق 30 يونيو 2008
سعود اليوسف: صَحِبتُ الحزن فأصبحتُ شاعرًا
 

قال الشاعر سعود اليوسف إن مسابقات الشعر العامي التي تنتشر حالياً في أكثر من فضائية عربية جعلت من الشعر العربي الفصيح "غريب الوجه واليد واللسان"، مؤكداً أن هناك الكثير من العوامل التي عمّقت من غربة الشعر، خاصة في السعودية حيث "تتخاذل" أو "تتكاسل" الجهات الراعية له عن القيام بواجباتها.
ونفى "اليوسف" -وهو أحد الشعراء الشباب في الساحة المحلية- أن يكون الشعراء متعالين بشعرهم على المجتمع، موضحاً أنه ليس من واجب الشاعر أن ينزل بمستواه الشعري إلى مستويات أقل. وأشار إلى أن هناك الكثير من الشعر البسيط الموجود في الساحة، لكن مع ذلك ليس مقبولاً لدى العامة، وقال إن المشكلة أصبحت عند القارئ، وإن غربة الشعر مصدرها المتلقي وليس الشاعر.
وأعرب عن اعتقاده بأن هذا العصر لا يتطلب شعراً.. "وإنما يريد عملاً، ولو أننا هجونا هذا العصر؛ لهجونا أنفسنا في الحقيقة"!!
وأضاف: إنه في الوقت الذي انشغل العالم العربي ببرامج الشعر ومسابقاته كان الغرب منشغلاً بالتعلم والاكتشافات والصناعة.. وفي الوقت الذي انشغل به الشعراء الذين يريدون النهوض بالأمة -من خلال الشعر- مردّدين الحديث عن ماضي الأمة العريق كان الغرب يتحدث بأفعاله في هذا العصر، وأنه آتٍ بما لم تستطعه الأوائل.



في رأيك: هل يعيش الشعر في غربةٍ أيامَه هذه؟ وهل يمكن أن تكون الرواية "ديواناً للعرب" في عصر "التفاعل الثقافي"؟
نعم، فطغيان المسابقات الشعرية للشعر العامي جعلت الشعر العربي الفصيح غريب الوجه واليد واللسان.. كما أن تكاسل أو تخاذل الأندية الأدبية عن القيام بأبسط أدوارها -والشعر أحد قنواتها- عمّق الشعور بهذه الغربة.
ولستُ موافقاً على أن الشعراء يتعالون بنصوصهم على القارئ، وأنهم في برج عاجي يقولون ما لا يفهمه القارئ، وأن هذا التعالي زاد من شعوره بالغربة؛ فليست مهمة الشاعر أن ينـزل إلى مستوى أقل، وهناك شعراء يقولون شعراً واضحاً للقارئ البسيط، ومع هذا لا نجد لشعرهم قبولاً عاماً، وهذا يؤكد أن المشكلة موجودة لدى القارئ، وأن هذه الغربة مصدرها المتلقي، وإلاّ فالشعر محبب لدى معظم المتلقين، ولا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين، كما قال _صلى الله عليه وسلم-، ولكن المتلقي اتجه إلى الشعر العامي؛ لأنه لا يحتاج معه إلى تعلم أو ثقافة، وأظن أن القادم أسوأ بعد انتشار القنوات التي تُعنى بالشعر العامي وطغيان المجلات التي تهتم به أيضاً.
ويقلقني -بصفتي شاعراً- السؤال عن بروز الرواية، وعن إمكانية تحوّلها إلى (ديوان للعرب)، وإذا كان اطلاعي العادي على الروايات يتيح لي التحدث عنها، فإنني –حالياً- لا أرى ذلك؛ لأن الروايات –غالباً- غير واقعية، وبالأخص روايات الخيال العلمي، أما الروايات التي يمكن أن تكون (ديواناً للعرب)؛ فهي التي في أصلها تمثل سيَراً ذاتية، كرواية (السجينة) و(قلب من بنقلان)، وهذا النوع قليل لا يكاد يُذكر.
وثمة أمر آخر يحول دون تحوّل الرواية إلى (ديوان للعرب)، وهو أنه يُتاح للشعر فرص للظهور لا يمكن أن تُتاح للرواية؛ فمعلوم أن الشعر يُنشر في المجلات والصحف بشكل يومي، وهذا يستحيل مع الرواية لطولها.
كما أنه تُقام الأمسيات للشعر، ولا يمكن أن تُقام للروايات؛ فالساعة التي يلقي فيها الشاعر عشر قصائد لا تكفي لقراءة ثلاثين صفحة من رواية.
كما أنه في المجالس العامة والخاصة يتناقل الناس نصاً كاملاً، ولا يمكن أن يتناقلوا من الرواية إلاّ فكرتها مختزلة.
أضف إلى ذلك أن الناس يحفظون شوارد الأبيات، ولا يحفظون مقطعاً ما من رواية ما.
كما أن الكتب النقدية المهتمة بنقد الشعر لا تُقارن كثرتها بندرة الكتب التي تتناول الرواية، وكذا النقد الذي يُنشر بشكل مستمر في الصحف، يستحيل أن يتوافر عُشره لنقد الرواية.
وأيضاً يحول دون ذلك أن أغلب الروايات البارزة رواياتٌ مترجمة، لا تمتّ لواقع العرب بصلة.

حدثنا عن الروافد التي كوّنت فيك "الشاعر"؟
الحزن...
لا أعلم لي صديقاً صحبتُه على الضراء ، فلم يتبرم غير الحزن.
أما القراءة فلست بالقارئ الجيد.. خصوصاً أنه لم تتَح فرصٌ للقراءة أعتز بها حين كنت صغيراً، ولكنني بعد أن أحسستُ أن الشعر بدأ يفرض نفسه بوصفه موهبة لديَّ تطلعت إلى القراءة، واتخذتُ الكتاب صديقاً، وإن كنت غير وفيٍّ له، ولكنني لم أنس (الحزن) صاحبي الأول، الذي بدأ يطل عليّ مجدّداً بين لحظة وأخرى، ولا أعلم سبب انقطاعه أحياناً، فهل وجد له صديقا آخر أوفى مني؟!
وثمة إخفاق أجدني مضطراً للعرفان بفضله عليّ في كتابة الشعر، أشرت إليه كثيراً في ديواني الأول، وربما كان المحورَ الأبرزَ الذي تدور حوله تنهداتي الشعرية.
أما البيئة المحيطة بي، فلم تكن محفزةً إن لم تكن مثبطة على الأقل، وحين بدأت في الدراسة الجامعية وجدتُ في احتفاء الشاعر عبد الله بن سليم الرشيد بي دافعاً قوياً للاستمرار في كتابة الشعر.

أي شعر يتطلبه هذا العصر: هجاء له؟ أم نهوض به؟
هذا العصر لا يتطلب شعراً.. وإنما يريد عملاً، ولو أننا هجونا هذا العصر؛ لهجونا أنفسنا في الحقيقة؛ لأن الزمن إنما هو برجاله، وما لزماننا عيب سوانا، ولا أعلم زماناً مر وأهله راضون عنه، ولم يهجوه.
وفي الوقت الذي شُغل العالم العربي ببرامج الشعر ومسابقاته -وهي أرقى من بعض البرامج- كان الغرب منشغلاً بالتعلم والاكتشافات والصناعة.. وفي الوقت الذي انشغل به الشعراء الذين يريدون النهوض بالأمة -من خلال الشعر- مرددين الحديث عن ماضي الأمة العريق كان الغرب يتحدث بأفعاله في هذا العصر، وأنه آتٍ بما لم تستطعه الأوائل.

هل اللغة فقط هي الكرسي الوحيد الذي تجلس عليه القصيدة كما يقول نزار؟ أم لابد من تجربة وثقافة ووعي تدعم لغة الشاعر؟
اللغة هي النص، والنص هو اللغة.
أما التجربة والثقافة فهما رافدان لا بد منهما ليؤازرا اللغة، على أن الثقافة إذا سيطرت على النص حوّلته إلى شعر جامد الملامح، وهذا واضح على شعر الأكاديميين، وإذا أُقحمت فيه إقحاماً وبُنيت القصيدة على محاولة إظهار المعلومة كانت القصيدة حينذاك عبارةً عن جملةٍ غير مباشرة تقول: "إن قائل هذا النص يعرف هذه المعلومة"، وانظر -على سبيل المثال- من يقحم من شعرائنا أسماء الآلهة عند النصارى، كإله الحب وإله المطر.. لتجد جلياً أنْ لا ترابط بين فكرة النص وبين ما جُلب إليه قسراً من رمز، وإن وُجد رابط ما فسترى عاطفة باهتة.

يستضيف الأستاذ سعود اليوسف أبا الطيب، وأبا فراس، وأبا ريشة، والسياب، وغيرهم في مجلس القصيدة عنده. كيف تجد أثر استلهام ذلك في ثراء النص لديك؟
هذه الأسماء التي ذكرتها في السؤال وغيرها كثير، كانت حياتهم بتفاصيلها الدقيقة معروفة لدى المهتمين وأغلب المتلقين، ولهذا فمن الجميل ومن ثراء النص لدى الشاعر أن يسقط بعض التفاصيل على ما يريد أن يعبر عنه، بطريقة تجعل النص غير مباشر.
ممتنٌّ أنا كثيراً لغربة السياب مشرداً على رمال الخليج، لأعبر عن حزن العراقيين (قبل الحرب على العراق) بذلك الجسم النحيل الذي لا يكاد يقوى على حمل ملابسه، فكيف بحمل الغربة والحنين، وربما -بل أكيد- كان لكبرياء المتنبي فضل على نص (مخطوطة للمتنبي لم تُحَّقق بعد)، كيف لا وله فضل على كل الشعراء بعده.
وقد أقول: شكراً، لجلاد أبي فراس الحمْداني لأنه أوجد لي قصة تدور حول الأسر والسجن والحنين، وعلى التخاذل من جهة أخرى، لتكون فرصة هائلة للتعبير عن هذا العالم العربي.

ماذا عن رؤيتك تجاه الشعر الاجتماعي؟ وهل حظي باهتمام منك؟
تلح عليّ فكرة فحواها أن الشعر لا يمكن أن يغير شيئاً في هذا العصر.
هذا من حيث الفكرةُ، أما من حيث لغته، فالشعر الاجتماعي شعر مباشر -في أكثره-، ولو لم يكن كذلك لابتعد عن الفكرة المراد علاجها.
أما من حيث الفنية، فإني أؤكد -من خلال تجربتي غير الطويلة في كتابة الشعر- على أن الشاعر سيجد في فضاء ذاته مجالاً رحباً للتحليق والإبداع لا يتيحه له الأفق الضيق للشعر الاجتماعي.
أما الاهتمام بالشعر الاجتماعي فليس لي اهتمام به، ولكنني وجدتُ نفسي ذات مرة قريباً من مشكلة اجتماعية فأقحمت شعري فيها، وكتبت قصيدة (آخر ورقة من مذكرات مطلقة)، ولا أعدها من الشعر الاجتماعي بمعناه الدقيق؛ لأن حديثي بلسان تلك المطلقة كان حول مشكلتها الخاصة التي لا تنطبق على غيرها من المطلقات.
نص آخر كتبته عن الأطفال الذين ألهموني تفسيراً آخر لألوان إشارة المرور، تفسيراً يجعلني أتبرأ من نفسي قبل أن أتبرأ من مجتمعي كلما أوقفتني إشارة المرور، ورأيت الأطفال البائسين عندها، (طفل.. وتخذلني العبارة) نص اجتماعي كتبته، وآمل ألاّ أكرر كتابة الشعر الاجتماعي، فلا أظن أني أبدع فيه.

الفكرة.. اللفظة.. الإيقاع.. أيها يسبق في ميلاد القصيدة لديك؟
الفكرة أولاً..
الفكرة تأتي كغزال شَرود يجفل من ظله، فلا أكاد أراه إلاّ ويختفي سريعاً، فإذا اصطدته كان للفظة الحضور الواضح في ترتيب الفكرة، ولم يكن لدي اهتمام باللفظة في ديواني الأول، مما جعلني _الآن_ أقر بإخفاقي فيه.
أما الإيقاع فهو يأتي تبعاً للفكرة واللفظة، على أن هناك علاقةً وطيدة نشأت بيني وبين البحر الخفيف حين كتابة الشعر العمودي، وربما رشحته لكتابة بعض قصائدي؛ لأني رأيته مشكوراً يعطيني بتغير زحافاته وعلله مجالاً لتغيير بعض الألفاظ عند تنقيح النص.

على شاطئ الألم والشكوى كان لقاؤك الأول مع القصيدة.. وعلى ذات الشاطئ كان ميعاد العودة بعد انقطاع أربع سنوات عن الشعر! بم تفسر ذلك؟
لعل في هذه القصة التي سأوردها جواباً عن هذا السؤال:
قبل شهر تقريباً كتب إليَّ سعد النفيسة (أخي الذي لم تلده أمي): إنّ أحد الشعراء يتساءل عن سبب انقطاعك عن الشعر، فبم ستجيبه؟ فقلت:


قلْ له: أملَــتِ الســنينُ على صوتي من الــــحزنِ بَـــحّــــــةَ الإبــــــداعِ
فنــــمـــا بين أحـــرفي وعـــذابــــي ألـــفـــةٌ لا تـطـــيقُ ذكــــرَ الــوداعِ
كان حــزني بحـــراً، وكـــان مجاديـ ـفي انطــوائي والجرحُ كان شراعي
ثم غـــاظ الســـنــيـــن إدلالُ مـــا بيـ ـني وبــيـــن العــــذابِ مـن إمتــــاعِ
فـــسعـــتْ بيــننــا لقــطعِ عـــرى ذا ك الهوى والســـنيـــنُ أبشـــعُ ســاعِ
ووفاءً هـــجـــرتُ شــــعريَ لــمـــّا هـــجرتنـــي مـــشكـورةً أوجـــاعي
قــلـــمــــي شـــاحبٌ هنـــاك ويـزدا دُ شـــحوباً إذا عصـــرتُ يراعـــــي

وحين مر الحزن قبل أيام -وإن كان مرور كرامٍ على غير عادته- كتبتُ نص (صوتٌ برائحة الطين).


هل الشعر يُستدعى؟ وهل كثرة استدعاء الشاعر لقلمه.. تستهلك شاعريته أم تثريها؟
حين يُستدعى الشعر فإنه يأتي متمطياً، خافت العاطفة، مشتت التراكيب، قلق الألفاظ -إلاّ ما ندر-، ومن هذا النادر أذكر أنني قرأت في مقدمة ديوان بدوي الجبل اعتذارًا عن عدم كتابة قصيدة تُلقى في احتفال الثورة العربية، وألح عليه صديقه أكرم زعيتر، فأصر على اعتذاره، فبدأ صديقه يحرك عاطفة الشاعر بالحديث عما نال البلاد من جراء ذلك الاحتلال إلى أن بكى الشاعر، وقال أبياته الخالدة في سمع الزمان:
يا ســامرَ الحـــيِّ هل تعنيك شكوانا؟ رقّ الحـــديدُ ومــا رقـــّوا لبـــلــوانا
خلّ العــتابَ دمـــوعاً لا غنــاءَ بــها وعـــاتبِ الــقــوم أشـــلاءً ونـــيرانا

ولكنني أعود وأحاجُّ نفسي وأقول: إنه استدعى عاطفة الشاعر لا شعره، وعاطفتُه استدعت الشعر بدورها.
ويظهر جلياً خفوتُ إبداع الشعر المستدعى –قسراً- في شعر المناسبات، ولك أن تختار بشكل عشوائي أي قصيدة من قصائد المناسبات لتجد أمامك نظماً لا شعراً.
أما عن كثرة استدعاء الشاعر لشعره، فأرى أنها تستنـزف إبداعه، كالبئر -والتشبيه ليس لي- لو أكثرتَ الامتياح منه لنضب، وفي المقابل لو هجرته لأسِن ماؤه.
ولو أننا لاحظنا الشعراء المكثرين لوجدنا أنهم يكرّرون صورهم ومعانيهم، وربما كرّروا قصائدهم! فابن الرومي لإفراطه في الإنتاج الشعري تجد أنه يكرر المعاني، وقد قيل عنه: إنه بخيل بمعانيه يستوفيها في أكثر من قصيدة ومن وجوه متعددة، حتى إنك لا تستطيع أن تضيف على معانيه شيئاً، والشاعر نزار قباني تكاد تكون أغلب قصائده -على جمالها- تكراراً لبعضها، وقال عنه بعض النقاد في آخر حياته: إنه كان يجب عليه أن يسكت قبل خمس عشرة سنة.
ومثل هذا الكلام ينطبق على بعض شعراء المملكة المشهورين، خصوصاً إذا كان الشاعر يدور حول قضية معينة واحدة؛ لأنه حينذاك لن يأتي بجديد.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أزهار مساءً 11:35:00 2010/06/09

    رائع وإن كنت لم أعرف هذا الشاعر الا هذه اللحظة.. حوار ممتع وشفاف.. جزيتم خيرا

  2. 2 - ناصر عبد الله الحميضي مساءً 11:39:00 2012/04/24

    الشاعر والمؤلف سعود اليوسف ، لقد قلت فأجدت فأبدعت ليس غريبا هذا الكلام الراقي عندما نعلم أن مصدره هو الشاعر سعود لا نملك سوى أن نقول العبارة التي دوما تستحقها صح لسانك وسلم بنانك تقبل كل تقدير

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف