الاحد 02 ربيع الثاني 1430
الموافق 29 مارس 2009
شكّل الإعلان عن إطلاق جمعية (فضيلة)- المختصة بالدعوة إلى الفضيلة في وسائل الإعلام- تطوراً هاماً في مجال العمل الأهلي النسائي في المملكة العربية السعودية؛ إذ وضعت الجمعية التي وقف وراء تأسيسها "مجموعة من المواطنات السعوديات"، لنفسها هدفاً طموحاً، يتمثل في بناء منظومة متكاملة لحماية الطفل والأسرة، من التأثيرات الضارة لبعض وسائل الإعلام، وتعزيز مفهوم الحرية المسؤولة.
وقد استهلت الجمعية-التي مازالت تحت التأسيس- نشاطها برسالة موجهة إلى ملاك القنوات الفضائية، حذّرت فيها من تفاقم "ظاهرة برامج الإثارة ذات الأبعاد الغرائزية الواضحة، التي قُدّمت للمشاهد تحت شعار الترفيه والتسلية".
ودعت الرسالة إلى "وقفة مراجعة، تتجاوز أخطاء الماضي، يستمع فيها ملاك الفضائيات التجارية الخاصة لرأي المشاهدين". كما أطلقت الجمعية حملة توقيعات على هذه العريضة عبر موقعها على الإنترنت (www.fadhila.org ).
وفي هذا الحوار، مع الدكتورة "غربية الغربي" عضو هيئة التدريس في كلية التربية بجامعة الملك سعود وإحدى مؤسِّسات الجمعية، تسعى شبكة (الإسلام اليوم) إلى إطلاع قرائها بشكل أعمق على فكرة الجمعية والآليات التي تسير عليها لتحقيق أهدافها، ومدى قدرتها على الحد من الفساد والنزيف اللاأخلاقي في القنوات الفضائية، وغير هذا من التفاصيل، التي ستجدونها في ثنايا الحوار:
كيف تبلورت فكرة إنشاء جمعية (فضيلة)؟
بدأت فكرة الجمعية من خلال المعطيات الآتية:
1. الانحراف الشديد الذي ظهر في عدد كبير من القنوات الفضائية التجارية.
2. الرفض الشعبي العام لهذه الانحرافات، والذي عبّرت عنه الصحافة على نطاق واسع وشامل ومتعدد الأشكال.
3. إن هذه القنوات الفضائية، والتي يُقدّر عددها بالمئات، هي قنوات تجارية، يملكها رجال أعمال وتجار وبعض المغامرين أحياناً، وليست تابعة للحكومات أو للدول.
4. إن هناك نجاحاً تحقق فعلياً في تصحيح بعض الانحرافات بالضغط ومتابعة المطالبة، مثل إيقاف بعض المسلسلات أو تعديلها أو إيقاف بعض البرامج المخلة، بل إيقاف قنوات بأكملها، مثل قنوات السحر والشعوذة.
5. إن العالم العربي يفتقد مثل هذه المؤسسات الأهلية التي تمثل رأي المشاهدين، بينما هي موجودة في المجتمعات الأخرى في أوروبا والولايات المتحدة.
الخروج للنور
ما هي الخطوات الأولية التي اتخذها مُؤسّسو الجمعية لكي تخرج إلى النور؟
تمثلت المرحلة الأولى لإطلاق الجمعية في نشر إعلان صحفي عن بدء العمل لتأسيس الجمعية وإعلان أسماء لجنتها التأسيسية، وقد نُشر الإعلان على صفحة كاملة ملونة في صحيفة (الحياة) اللندنية في السادس والعشرين من شهر رمضان 1429 هـ، ثم في صحيفة (الرياض) يوم الأحد الثامن والعشرين من رمضان، وقد شمل الإعلان رسالة أعضاء الجمعية إلى ملاك القنوات الفضائية، والإفصاح عن أسماء جميع الأخوات اللاتي يمثلن اللجنة التأسيسية، وتوضيح رؤية الجمعية ورسالتها.
تزامن ذلك مع إطلاق الموقع الإلكتروني للجمعية، ثم بدأ تسجيل الأعضاء في الموقع؛ إذ بلغ عدد المسجلين حتى الآن أكثر من عشرة آلاف عضو، إضافة لمئات التعليقات المنشورة في الموقع، والتي تحمل تأييداً كبيراً للجمعية ومساندة لرسالتها، وقد ترافق ذلك مع حراك إعلامي كبير في المنتديات الإلكترونية، وعدد من المقالات الصحفية، والمجموعات البريدية، فضلاً عن التعريف بالجمعية في بعض البرامج التلفزيونية.
والآن تقوم اللجنة التأسيسية بالتواصل مع الجهات الرسمية في أكثر من بلد عربي لتسجيل الجمعية كجمعية إعلامية أهلية من جمعيات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني.
لماذا.. فضيلة؟
ما هي الأهمية التي يمثلها وجود مثل هذه الجمعية في مجتمع مسلم؟
للأسف الشديد فإن مثل هذه الجمعيات غير موجودة في المجتمعات العربية والإسلامية، بينما هي موجودة في المجتمعات الغربية، وتقوم بدور فاعل في حماية الأطفال والناشئة في تلك المجتمعات من الانحرافات التي تقع من وسائل الإعلام الجماهيرية؛ إذ تقوم هذه الجمعيات بمراقبة وسائل الإعلام ومتابعة مدى التزامها بقوانين النشر، ومخاطبتها لإيقاف أي انحرافات، ومقاضاتها، ومقاطعة ممولي بعض برامجها إذا لم تستجب لذلك، وغير ذلك من وسائل الحراك الشعبي تجاه وسائل الإعلام، مما يجسد مفهوم الحرية المسؤولة في استخدام حق التعبير والنشر.
لذلك فإن جمعيتنا ستمثل -بمشيئة الله- بداية لجمعيات مماثلة ومتعددة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تؤدي إلى تحقيق التوازن المطلوب بين وسائل الإعلام التجارية من جهة، وحماية الأطفال والمجتمع من التأثيرات الضارة لبعض وسائل الإعلام من جهة أخرى.
التدشين الرسمي
الجمعية لا تزال تحت التأسيس، فما هي الفترة التي تتوقعونها للانتهاء من ذلك؟
ليس هناك مدة محددة ضمن جدول تنفيذي لإنجاز تسجيل الجمعية الرسمي، وذلك لأن الجمعية جديدة في مفهومها وتخصصها وهدفها ورؤيتها ورسالتها، ولا تشبه أي جمعية أخرى من الجمعيات المهنية أو الخيرية أو التعاونية، ولذلك فإننا نعمل على أكثر من خيار في تسجيل الجمعية رسمياً، وتم التواصل مع بعض المسؤولين في الدول الخليجية لتسهيل تسجيل الجمعية كجمعية إعلامية عربية، وخلال ذلك فنحن مستمرون في العمل ضمن الموقع الإلكتروني للجمعية، الذي يتلقى يومياً المزيد من الأعضاء، كما تقوم الجمعية ببعض الدراسات والرصد والمتابعة.
وقد تمت دعوة الجمعية لحضور منتدى الفضائيات والتحدي القيمي والأخلاقي الذي يواجه الشباب الخليجي، الذي عُقد في الدوحة يومي 2-3 نوفمبر الماضي برعاية كريمة من حرم أمير البلاد رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة الشيخة موزة بنت ناصر المسند، وقد استضاف المنتدى وفد اللجنة التأسيسية للجمعية برئاسة د. نورة خالد السعد، ومشاركة د. نورة العجلان، والأستاذة نائلة نصار، والأستاذة صفية الغامدي، وقد شكّل المنتدى فرصة رائعة للتعريف بالجمعية باعتبارها أول مبادرة عربية في هذا المجال ككيان مؤسسي دائم يماثل الجمعيات الغربية، كما لقيت الجمعية ترحيباً كبيراً من معظم حضور المنتدى الذين يحسون بالمسؤولية تجاه حماية الأطفال والشباب من أضرار بعض القنوات الفضائية.
"فساد فضائي"
ما دور الجمعية في القضاء على الفساد الأخلاقي فيما تبثه القنوات العربية؟
الجمعية تمثل رافداً ضمن إطار مجتمعي متكامل يجب أن يعمل بتناغم وتعاون للعمل على إيقاف الفساد الأخلاقي الموجود في بعض القنوات الفضائية التجارية الخاصة، وكما أن هناك جمعيات وقوانين لحماية المستهلك من غش التجار في السلع والخدمات، فإنه يجب أن تكون هناك جمعيات وقوانين لحماية المشاهدين من تلاعب التجار بقيم المجتمع ومبادئه، من أجل تحقيق أرباح ومكاسب مادية.
ما مدى قدرة الجمعية على الحد من مثل هذه التجاوزات الإعلامية؟
من المعروف أن مؤسسات المجتمع المدني لا تملك صلاحيات أو سلطات تنفيذية، وإلاّ فإنها ستكون مؤسسات حكومية، وفي المقابل فإن المؤسسات والجمعيات الأهلية تقوم باستثمار وتفعيل الأنظمة والقوانين المتاحة لتحقيق أهدافها، ونحن نرى أن فتح حوار إيجابي مع ملاك القنوات الفضائية هو الطريق الأمثل للحد من تجاوزات القنوات الفضائية التجارية الخاصة؛ فالجمعية لا تسعى إلى إقفال القنوات أو إغلاقها، بل تريد من القنوات التجارية أن تحترم قيم المجتمعات ومنظومتها الأخلاقية، كما ترى الجمعية أن قرار التغيير موجود بيد ملاك القنوات التجارية، من خلال الحوار الإيجابي المتواصل وأدوات الضغط المجتمعي، بحيث يمكن الوصول إلى نتائج إيجابية تقلل من الانحرافات الموجودة في القنوات التجارية، وهذا بالضبط ما تقوم به الجمعيات المماثلة في المجتمعات الأخرى.
تفاعل وعوائق
كيف تُقيّمون تفاعل المجتمع مع جمعية (فضيلة) الوليدة؟ وما أبرز العوائق التي تواجهكم؟
مضى على إعلان الجمعية أشهر قليلة، وخلال ذلك كانت ردود الفعل رائعة وتبشر بالخير، وتدل على دعم مجتمعي كبير جداً لهذا التوجه، وقد تم التعبير عن ذلك من خلال سلسلة من المقالات الصحفية في الصحف السعودية التي نوّهت بالجمعية، وأشادت بها، ودعت لدعمها ومساندتها.
أما عن العوائق فنحن قد واجهناها منذ اليوم الأول من بعض التابعين لبعض القنوات الفضائية التجارية، الذين يحاولون وأْد الجمعية بقولهم (مستحيل)، (أنتم تحلمون)، (من الذي فوضكم؟)، وينسى هؤلاء المعترضون الغاضبون المتوترون أن جمعية (الفضيلة) ليست اختراعاً عربياً، بل هي ممارسة حضارية ناضجة موجودة في المجتمعات الأخرى.
ما الآمال التي تطمحون أن تصلون إليها من خلال إنشاء جمعية (فضيلة)؟ وهل هناك تعاون عربي أو دولي لتحقيق أهداف الجمعية؟
نحن نأمل أن تتمكن الجمعية، وما يماثلها من جمعيات أخرى من بناء منظومة متكاملة لحماية الأطفال والمجتمع من التأثيرات الضارّة لبعض وسائل الإعلام الجماهيرية، وتعزيز مفهوم الحرية المسؤولة، بما يكفل تعزيز القيم النبيلة، وتشجيع الممارسات الاجتماعية السامية.
والتعاون العربي لتحقيق هذا التوجه قد بدأ بفضل الله من خلال مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ إذ تتبنى الشيخة موزة بنت ناصر المسند هذه القضية، وقد قامت بتوجيه رسالة رسمية للقمة الخليجية، ثم قامت برعاية منتدى الفضائيات والتحدي القيمي والأخلاقي، وقد نوقشت توصيات المنتدى في اجتماع وزراء الإعلام في دول الخليج، وتم رفع تقرير بشأن ذلك لقادة دول الخليج في قمة مسقط الأخيرة، مما يدل أن هناك توجهاً رسمياً لإيقاف هذا النزيف الأخلاقي الذي تمارسه القنوات التجارية، وتمارس من خلاله ابتزازاً أخلاقياً ومالياً للشباب العربي بعامة والشباب الخليجي على وجه الخصوص، مما يغرقه في السطحية وضحالة الاهتمامات، ويتناقض مع مشاريع النهضة والتنمية والبناء ومواجهة التحديات الحضارية.