القبلية تراجعت والمجتمع المدني يتشكك فيها
القبيلة لم تكن سبباً لأحوال اجتماعية سيئة لكنها أعاقت التحول الإيجابي
لن ينقسم المجتمع بين الداعين للحداثة والداعين للقبلية
قال عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية الدكتور قيس بن محمد آل مبارك إن التمسك بالقبلية تراجع كثيراً في السنوات الأخيرة عما كان عليه الحال في السنين الماضية، مشيراً إلى أن ثمة تغيرات حصلت في المجتمع أدت إلى هذه النتيجة.
وأوضح في حوار مع (الإسلام اليوم) أن المنتسبين للقبائل يعيشون الآن في مدن وعواصم مختلفة بعيدين عن بعضهم البعض، كما أن مهام الحماية التي كانت تقوم بها القبيلة انعدمت حالياً لصالح الدولة، إضافة إلى أن المجتمع المدني أصبح لا يقبل بالخصومات والنزاعات التي تحدث بين القبائل.
وذكر المبارك أن القبلية ومع أنها لم تكن سبباً لأحوال اجتماعية سيئة، إلاّ أنها كانت عائقاً أمام بعض التحولات الإيجابية التي كان يمكن أن يشهدها المجتمع، واستدل بما حدث أخيراً في الكويت؛ إذ كان أبناء القبائل يدلون بأصواتهم لصالح مرشحيهم من ذات القبيلة دون النظر إلى الكفاءة.
هل تتفق مع من يقول بأن مفهوم القبلية يعتريه الكثير من اللبس في المجتمع السعودي كما أن المشايخ والعلماء لا يقولون بقول فصل في هذا الموضوع؟
لست أدري لبساً في مفهوم القبلية، بل هي واضحة في معناها، يدركها الصغير والكبير؛ فانتساب الإنسان إلى قبيلته فطرة فطر الله الإنسان عليها، ولذلك أباحها الإسلام، بل وحذَّر من انتساب الإنسان إلى غير نسبه، وهذا إذا كان يَعرف نسبه ثم يكذب بالانتساب إلى قبيلة أخرى، ففي هذا اعتراض على حكمة الله الذي خلقه من قبيلة كذا، ومن ذلك أن يعترض أحدهم أن جعله الله من الأوس وهو يريد الخزرج، أو أن يعترض أن جعله من الخزرج وهو يريد الأوس، ففي هذا كذب، بل فيه اعتراض على حكمة الله تعالى.
غير أنه لا بدَّ من الإشارة إلى أنه ليس من هذا أن يختلف أَخَوان أو قريبان في القبيلة التي يرجعون إليها، فإن انتساب الإنسان إلى قبيلةٍ من القبائل، ليس مقطوعاً به في كثير من الأحيان، لكن على المرء أن يأخذ بما ترجَّح عنده.
أما في الحالات التي يجزم الإنسانُ فيها بصحَّة نسبه كالأب القريب والجد، فإن استحلال الكذب فيه قدْحٌ في اختيار الله تعالى وهو كفر، فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر". و قال: "إن من أعظم الفِرَى أن يدَّعي الرجلُ إلى غير أبيه".
أما القبائل فمع كون كثير من الناس يكون انتسابهم إليها مظنوناً وليس مقطوعاً به، غير أنه لا يجوز الطعنُ فيها لثبوتها في الظاهر؛ لأن الناس كما قال الإمام مالك -رضي الله عنه- مؤتمنون على أنسابهم، وهم أدرى بها، فلا يجوز تكذيبهم، ولو فتحنا هذا الباب لوقع النزاع وربما سالت الدماء.
وهذا الكلام مبسوط في كتب الفقه، وواجبنا نحن الفقهاء أن نبيِّنه ونوضِّحه للناس، وإن وقع تقصير منا فواجب الناس ألاّ يُقصِّروا في السؤال.
هل تلاحظ تناقصاً في تمسك المجتمع بالقبلية خلال السنوات الأخيرة؟
القبلية تعني الانتساب إلى قبيلةٍ من القبائل، والتمسُّك بذلك حسنٌ وجميل، والذي يجب أن تخفَّ الشدَّة فيه هو المبالغة في ذكر المآثر مبالغة تستثير الآخرين؛ فانتساب الإنسان إلى قبيلته لا يترتَّب عليه أي محظور، فليس فيه داعية الاعتداء على الآخرين، بل ربَّما كان داعية إلى عدم الإساءة إلى الآخرين، فإذا لم يردع المرء عن الإساءة دين، بحيث يخافُ الإنسان من ربه، فإن الحياء والمحافظة على سمعة القبيلة ومكانتها أمر مرعيٌّ عند العرب كثيراً.
ثم إن الكثير من الناس فيما مضى كانوا يقيمون ضمن تجمّعات قبلية، وهو ما يستدعي مزيداً من التآلف والتلاحم والتقارب، لضمان الأمن والمناصرة، أما اليوم فغالباً ما يعيش الناس من شتى القبائل في المدينة الواحدة، ويجدون الأمن والحماية من الحكومات والدول.
غير أن هذه التجمعات القبلية، قد تكون سبباً للتفاخر وما يجرُّه من النزاعات والخصومات، وهو ما لا يحصل في المجتمع المدني، إلاّ في حال القبلية بمعناها الواسع، الذي يشمل الولاء للأرض وللجماعة، كما في أوروبا.
إلى أي مدى ترى أن القبلية أعاقت التحوّلات الاجتماعية (الإيجابية) التي كان يمكن أن تحدث في السعودية؟
لم تكن القبيلة سبباً لأحوال اجتماعية سيئة، غير أنها قد تكون عائقاً يَحول دون تحقيق الأوضاع الاجتماعية الحسنة، كانتخاب الناخبين أبناء قبيلتهم، استناداً إلى القرابة والنسب لا إلى كفاءتهم، كما حدث في الانتخابات في بعض الدول الخليجية.
كيف تنظر إلى بعض الظواهر التي يقول البعض إنها تؤجج القبلية في المجتمع مثل مزايين الإبل ومسابقات شاعر المليون؟
ظاهرة الجري وراء مسابقات من هذا النوع تُعدُّ مظهراً من مظاهر التخلُّف الفكري، وهي ثمرة من ثمار إعاقة فكرية تُصاب بها كثير من المجتمعات، وليس لها من فائدة تُرجى غير إضاعة الأوقات وهدر الأموال، وشحن الصدور فيما لا طائل تحته، فلا هي تعليم على الفروسية، ولا هي شحذٌ للهِمم على أخلاق الشجاعة والرجولة.
ولهذه المسابقات صور شتى، منها مسابقات الجَمال ومسابقات الخيول، والملاحظ أن الانتماء القبلي ليس سبباً فيها، لكنه استُغِلَّ في تأجيج نار هذه المسابقات من أجل كسب الرهان.
أما المسابقات الشعرية، فهي مفيدة للشباب إذا كان التحكيم منوطاً بلجنة تحكيم تُحسن الحكم على الأشعار، أما أن يُناط التحكيم للجماهير التي تنزعُ إلى الشاعر الذي من قبيلتها أو من بلدها، فلا شك أن هذا ظلم للشاعر المجيد، في حال صوَّت الأغلبية لمن هو دونه.
ومثل هذا أن يُناط التحكيم إلى لجنة لا تحسن معرفة الشعر وبلاغة اللغة، ومن المؤسف أن أسمع حواراً بين شاعر متسابق وبين حكم ويظهر، فيه الحكم أقل مستوًى من الشاعر.
أيضاً على المستوى الأكاديمي برزت أخيراً مجموعة من البحوث والدراسات التي تبحث في أبعاد ومفاهيم القبلية والمجتمع.. ما الذي نفهمه من بروز مثل هذا النوع من البحوث والدراسات؟
الدراسات والبحوث ظاهرة صحِّية، ووجود هذه الدراسات دليل وعي الجامعات التي كان حقيقاً بها أن تدرس هذه الظواهر منذ زمن، من عدة جوانب: اجتماعية ونفسية وفقهية، فهذا من الواجبات التي يتحملها قسم علم الاجتماع، وقسم علم النفس، وقسم الفقه كذلك .
هل تعتقد بالفعل أن للقبيلة تأثيرات كبيرة على المجتمع السعودي من حيث النشأة والتطور؟
نعم فمجتمع الجزيرة أغلبه قبائل، وللتوضيح فإن القبلية - بمفهومها الواسع الذي يتخطَّى النَّسب- موجودة في كل بلد، ولا تزال بلاد الغرب تعاني منها في جزيرة إنجلترا، وفي أسبانيا في إقليم الباسك وغيره، وفي فرنسا والسويد وغيرها، وتعيشها أمريكا في عدة صور، كولاء الأسود للأسود وولاء الأبيض للأبيض، وولاء سكان كل ولاية لولايتهم ولاءً يجاري الولاء القبلي.
هناك من يرى أن القبيلة (كإحدى مكونات المجتمع) تنشط عندما تغيب المكونات الأخرى مثل الدين والسياسة..؟ ما رأيكم؟
الدِّين له تأثير كبير على الحالة القبلية، في تهذيبها بتنمية الجوانب الإيجابية فيها كصلة الأرحام، كما في الحديث "تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل". وله تأثير كذلك في منع الآثار السلبية من وراء الانتماء القبلي، كالتفاخر بالآباء ففي الحديث: "إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب". والمجتمع عندما يتقوى فيه العامل الديني سيستفيد من القبلية بشكل أكبر، فهو في هذه الحال لن ينزلق في مزالق العنصرية (البغيضة) وفي ذات الوقت تنشط الجوانب الإيجابية للقبلية.
هل القبلية في أي من مظاهرها منافية للدين والشرع؟
القبلية بمعنى انتساب الإنسان إلى أبيه فطرةٌ فطر الله الخلق عليها، وكلُّ ما كان فطرة فالإسلام يرعاه؛ لأن الإسلام يغذِّي في النفس فطرتها ولا يعطِّلها قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فهي مبدأ إسلامي أصيل.
مفهوم القبلية هل يقلل من تغلغل مفهوم الوطنية لدى أفراد المجتمع؟
الوطنية هي محبةٌ للأرض وولاء للوطن؛ فهي شريعة إسلامية، قال عليه الصلاة والسلام لمكَّة "إنك لأحب البلاد إليّ"، وهي كذلك فطرة بشرية، قال الرِّماح الغطفاني:
بِلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تَمائِمي وأَوَّلُ أَرضٍ مَسَّ جِلدي تُرابُها
غير أن الملاحظ لمن يقرأ التاريخ أن الولاء للوطن إذا تعارض مع الولاء للقبيلة قدَّم الناسُ الولاء للقبيلة، وأعظم من هذين الولاءين الولاءُ للدين الذي يزيد الرابطة قوَّة ومتانة، فإذا عارضه غيره ضحَّى الناسُ بكل شيء ولاءً لما يعتقدون.
هل تعتقد أن المجتمع السعودي سيكون منقسماً (فكرياً) بين الحداثيين والقبليين؟. (الداعون للحداثة .. في مقابل .. من يدعون للقبلية والتمسك بها).
لا يظهر لي هذا مطلقاً؛ فإن الناس يدركون أن الخلاف في هذه المسألة ليس من الخلاف الذي يُفضي إلى الشقاق والنزاع، نعم قد يحدث شيء يسير من ذلك، غير أنه فيما يظهر لي ليس مما يستفحل، كما أن تداركه ممكن بسهولة ويسر.
أليس هناك خطورة من الانغماس في القبلية بأن تفرز مظاهر عنف أو نحو ذلك؟
الذي يظهر لي أن القبلية تشتد وتقوى حفاظاً من أصحاب القبيلة لأنفسهم، أي أنها سبب لردع عدوان الآخرين على القبيلة، أما أن يكون الانتماء القبلي سبباً للاعتداء فلا يظهر لي لوجود سنَّة أوجدها الله تعالى وهي سنَّة التدافع، قال تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) .
أيهما في رأيك أكثر تغلغلاً في المجتمع السعودي.. التمذهب أم القبيلة؟
أما من حيث الظهور والكثرة، فالقبلية لها حضور بارز في أغلب المدن والقرى، والأرياف، وفي كثير من المحافل، وأما من حيث القوَّة وشدَّة التأثير، ومن حيث خطورة النتائج والإفضاء إلى القتل وإراقة الدماء، فالمذهبية لها السبْق في ذلك، فالناس يضحُّون بأرواحهم في سبيل حفظ أديانهم.
هل تؤيد أن تحصل حالة من الطلاق النهائي لمفهوم القبيلة في دولة كالسعودية؟
مفهوم القبلية مفهوم فطري، وليس للإنسان أن يتمنى زوال ما يستحيل زواله، ولولا أن طبيعة الحياة البشرية لا يصلح لها إلاّ هذا لجعل الله الناس كالكتاكيت لا يجمعهم رابط، والله تعالى يقول لمن يريد أن يعترض على حكمته في خلقه (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).