آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

شعراء في مواجهة الطغيان

الخميس 28 ذو الحجة 1432 الموافق 24 نوفمبر 2011
شعراء في مواجهة الطغيان
 

الكتاب:

شعراء في مواجهة الطغيان

إعداد:

محمد عبد الشافي القوصي

الطبعة:

طبعة جديدة -2011 م

عدد الصفحات:

500 صفحة من القطع الكبير

الناشر:

جزيرة الورد – القاهرة- مصر

عرض:

محمد بركة


ليس ثمة شك في أن الأدب عامة والشعر على وجه الخصوص ليس فقط كلامًا منظومًا، أو سطورًا مرصوفة، ومقطوعات وحواشي، وأوزانًا وقافية أو صورًا بيانية ومحسنات بديعية، كما يتوهم المتوهمون. لكن الأدب لابد أن يكون أولًا أدب مسئوليات ضخمة تجاه الإنسانية. فينبغي على الأدباء والشعراء السعي إلى تكوين رأي عام عربي وإسلامي يمثل القاعدة الجماهيرية العريضة من الشعوب التي هي منوط بها تحرير الأوطان المغتصبة، واسترداد الكرامة المهدرة.

ولقد صدر حديثًا في القاهرة، كتاب تحت عنوان: شعراء في مواجهة الطغيان للزميل الأديب محمد عبد الشافي القوصي، وهو عبارة عن بانوراما لأكثر من ألف شاعر عربي عبر العصور، تعرضوا لأشد أصناف القمع والتعذيب والمطاردة والتصفية الجسدية.

يتساءل القوصي في مقدمة الكتاب، قائلًا: لماذا يغضب الشعراء؟ وما هي الدوافع النفسية والاجتماعية والسياسية التي جعلت الشعراء يحملون راية العصيان؟ وأجبرتهم على كتابة قصائد الهجاء المسمومة التي يُعَدّ اقترافها من الكبائر أوْ من المحظورات؟! وما هي الأسباب التي أرغمتهم على كتابة هذا اللون الشِّعري، وساقتهم إليه رغمًا عنهم، فراحوا يقذفون بقصائدهم الحارقة التي جَرّتْ عليهم كثيرًا من الأزمات والمصائب؛ كالسجن والنفي والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية؟!

سمات خاصة

يؤكد القوصي أن هذا اللون الشعري الممنوع اقتناؤه والمحظور تداوله له سمات خاصة به دون غيره من الألوان الشعرية الأخرى، كما أن شعراءه لهم خصائص نفسية معينة، وله ظروف زمانية ومكانية بذاتها، فالشعر السياسي كثيرًا ما يعبر عن أيديولوجية فكرية بعينها... كالأحزاب والفِرق والمذاهب والعصبيات المتناحرة، وخير شاهد على هذا اللون الشعري ما كان في العصر الأموي بالذات، حيث ارتدت الحياة السياسية والاجتماعية إلى سابق جاهليتها في العصبيات المتأججة التي استشرت بين أفراد المجتمع، غافلين عما في ذلك من الضرر، وفضلًا عن ذلك فإن الشعر السياسي يغلب عليه في بعض الأحيان طابع الكتم، وهذا اللون ما أسماه النقاد - مثل الدكتور كاظم الظواهري -  بالمكتمات، وهي أشعار موجودة في كل عصر، وقصائد المكتمات يصعب العثور عليها، فضلًا عن الاستدلال على أصحابها، فمصيرها الضياع والتلف والتشويه والإحراق والإغراق، لأنها ذات طبيعة معينة، وموضوعاتها ذات دلالة على طبيعة العصر، فهي أشبه بالقنابل والمتفجرات الممنوع اقتناؤها، أو هي كالسلاح غير المرخص به، فيتحول عندئذ إلى السوق السوداء، ويُتداول بين الناس سرًا، وعلى حذر عظيم. كما أنه وليد لظروف بعينها، فالشاعر مدفوع إليه دائمًا بدافع قهري، فعندما تلح عليه فكرة أو موضوع القصيدة، فلا يستطيع صدها أو منعها أو حتى تأخيرها، إنها لحظة المخاض - كما وصفها الشعراء أنفسهم - فلابد لهذا الجنين أن يخرج إلى النور على الفور، سواء كانت ولادته عادية ميسرة أو قيصرية متعسّرة، المهم أن يخرج هذا الكائن إلى الحياة. أما عن اسمه ورزقه وأجله وشقي أم سعيد، فهذه مسائل أخرى تتضح معالمها فيما بعد الولادة.. حيث يبدأ صراع هذا الوليد الشعري مع الوجود الخارجي الملبّد بالسحب الداكنة، والدخان الكثيف، والعواصف الهوجاء، والحفر والمطبّات الطبيعية والصناعية، ولطالما نجد أن هذا الوجود الخارجي في حالة لا تسمح له بقبول هذا الوليد أو منحه مكانًا تحت النور، إما لسبب راجع إلى الشعر نفسه، أو إلى المجتمع، أو إليهما معًا!.

وقد يفطن الشاعر إلى ذلك من نفسه منذ البداية، فيمتنع عن إنشاد هذا الشعر أو يتخلص منه، كما فعل أبو نواس بأشعار له أحرقها قبل أن يموت، فلما سئل قال: هذه أشعار كنت أضن بها أن يسمعها الناس وسمعها الناس وكرهت أن تبقى بعدي فينتحلوها، فأحرقتها.

والشعر السياسي، كما يقول القوصي، موصول بجميع الأزمنة والأمكنة... فلا يخلو عصر من هذا اللون الشعري الغاضب، نظرًا لوجود فئة من الأدباء الراديكاليين أصحاب الأفكار المرفوضة سياسيًا أو عقديًا أو اجتماعيًا، وهؤلاء تقوم السلطة القائمة بتكميم أفواههم، فلا يكادون ينطقون جهرًا حتى يؤخذوا بجرائر ألسنتهم، وربما يشتد بهم الأمر فيُؤخذوا بذنب فكرهم قبل نطقهم، فكلنا يعرف جيدًا حكاية أمل دنقل وقصيدته "لا تصالح" التي لم تتجرأ على نشرها أي مطبوعة مصرية - آنذاك - ! ومظفر النواب وقصيدته اللاذعة "القدس عروس عروبتكم" التي لم تنشر في صحيفة أو كتاب، وكانت تتداول سرًا بين عشاق الأدب والشعر.

ومهما يكن من أمر، فإنه لا خلاف في أن ظاهرة المكتمات أوضح ما تكون في العصر الأموي، ذلك العصر الذي تحولت فيه الأُمة من خلافة راشدة مثالية، وانحرف فيه الخط السياسي كليةً، وكثرت فيه الفرق والمذاهب السياسية على نحو غير معهود، أو كما أسلفنا الحديث عنه من قبل. ونظرًا لهذه الوسائل البوليسية والسياسة القمعية التي حرمت الناس من حق التعبير عن الرأي، أو الإفصاح عما يجيش بخواطرهم، أو حتى رثاء موتاهم وبكاء أهليهم وذوي أرحامهم.. فقد ضاع تراث أدبي هائل، وثروة شعرية لا يُستهان بها في ذاك العصر الأموي بالذات.

ويؤكد القوصي أن الشعر السياسي  لا يتصنعه المبدعون ولا يتكلفونه كغيره من الأغراض الشعرية الأخرى، كالفخر والوصف والمدائح، إنما يفرض نفسه عليهم فرضًا، بسبب سوء أحوال البلاد الاجتماعية، وتدهور أوضاعها السياسية... وحول هذا المعنى يقول الدكتور عثمان قدري مكانسي: خرجنا على الدنيا في نهاية خمسينات القرن الماضي نردد ما غناه محمد عبد الوهاب للشاعر علي محمود طه:

أخي جاوز الظالمون المدى

فحقَّ الجهاد وحقَّ الفدا

ترنّمنا بها فشحنت قلوبنا وعقولنا، إذ كنا نسمعها في المذياع وفي طابور الصباح المدرسي، وفي كل مكان حتى حفظناها عن ظهر قلب... وبعد سنين من القهر وتغير المعالم والمعاني في عصر العولمة.. هل تغير شيء؟! لعل الظلم والظالمين مازالوا، فهذه سنة الحياة. ولكن ما بال الجهاد والفداء وهما من سنة الحياة أيضًا؟.. لعلهما تغيرا، فوجب تغيير الشطر الثاني.. والتركيز على ما استجد من أمور كانت موجودة سابقًا ولكن دون فلاش..

أخي جاوز الظالمون المدى

يثبتهم في الكراسي اليهود

فعاثوا يمينًا وعاثوا شمالًا

يذلون أمتهم... باقتدار !

وهم "سادة" خربوا البلدا

وواشنطن أطلقتهم يدا

وكانوا ذيولًا بسِفل العدا

وإلاّ أُزيحوا وضاعوا سدى!

وينفرد  هذا اللون الشعري  بطبقة متميزة من المبدعين في كل العصور، ينقطعون له، ولا يعدونه شبرًا واحدًا، ويخلصون له أيّما إخلاص، حتى يصبحوا من أعلامه ورواده الأوائل، كأمل دنقل، وسميح القاسم، ومظفر النواب، ويحيى السماوي، وأحمد مطر، ومحمود الدغيم، وغيرهم في العصر الحديث.

أما عن  خصائص شعراء المعارضة فيقول القوصي: إن المتأمل في شعر المعارضة يلحظ أنه يمثل قاسمًا مشتركًا بين شعراء العربية كلهم، فلا نكاد نجد شاعرًا برئَ من هذا المرض أو رُقي من هذا السّحر، بل أُصيبوا كلهم بإصابات بالغة، ولُدغوا من نفس الجحر مرات ومرات، وكأنهم ولدوا في جحر العقارب والأفاعي. وشعر المعارضة هو في الأغلب نتيجة أو ردّ فعلٍ من الشاعر للظروف الاجتماعية المحيطة به.. فقد يكون الشاعر مظلومًا، أو مضطهدًا، أو خلاف ذلك من المآسي الحياتية التي تحيط بهم.

شعراء المعارضة تغلب عليهم روح التمرد أو الثورة، وقد ساعدهم هذا على أن يكونوا خارجين على الأنظمة، أو غير منتمين إليها، وإذا انتموا فإن غالب انتمائهم يكون للأنظمة والأحزاب المشاقّة والمكايدة للأنظمة القائمة، ويكون انتماؤهم كذلك للكيانات التي تضع العدل الاجتماعي في برامجها من قريب أو بعيد.

ويؤكد ذلك أن شعراء المعارضة لا تظهر قصائدهم في حينها -في كثير من الأحيان- ولا تُسمع في الموطن الذي وُلِدتْ فيه، وربما لا يُعرف صاحبها، وقد تُنسب إلى غيره، إذْ يغلب عليها صفة الكَتْم، فهي من الممنوعات أو المحظورات، فهي أشبه بالديناميت، أو كأنها زجاجات حارقة وعبوات ناسفة، كقصيدة "القدس عروس عروبتكم"، التي لم يُعرف شاعرها الأصلي سنين طويلة، وغيرها من القصائد الجارحة! فضلًا عن ذلك فإن شعراء المعارضة يلجئون –أحيانًا- إلى التعريض أو المواربة، بدلًا من التصريح أو الهجاء المباشر، لأن التعريض أهجى من التصريح، لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، وأن أجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان فضائله النفسية، وما تركب من بعضها مع بعض. ويشير الى أن شعراء المعارضة يُركّزون في أشعارهم على كل ما يُوحي بالزوال والفناء والقتل، فلعلّ الإحساس بالفناء والعدم وغلبة التشاؤم هو بمثابة تعبير عن حياتهم البائسة، خاصة عندما يكون الإنسان مُضيَّعًا، أو طريدًا، أو منفيًا، وفاقدًا للأمل في العدل الاجتماعي أو الحرية أو الديمقراطية التي عاش يحلم بها ويدعو إليها.

قصائد لها تاريخ

"قصائد لها تاريخ".. تحت هذا العنوان نجح القوصي في اختيار أشهر القصائد السياسية عبر التاريخ التي أودتْ بحياة أصحابها.. وألقتْ بهم وراء الشمس!.. فهناك القصيدة التي سجنت شاعرها.. وهناك الشاعر الذي هجا نوبار باشا.. والشاعر الذي هجا رياض باشا..  والشاعر الذي هجا الخديوِي سعيد.. وثورة شاعر البادية.. وشاعر البؤس.. وشاعر في رحم السجن! وهناك الملاكم الأدبي، وشاعر الإسلام، وشاعر الثورة، وشاعر الدعوة، وشاعر الإخوان المسلمين، وشاعر وراء القضبان، وشاعر الانتفاضة، وشاعر الصحوة، والشاعر المجهول، وأزهري في مواجهة الاحتلال، والأعمى الذي رأى كل شيء، وأمير شعراء الرفض!

وهناك قصائد احتواها الكتاب مثل: قصيدة جلاد الكنانة! ورسالة في ليلة التنفيذ! ورسالة في ليلة النصر! و: ارحل، والخروج من السجن الكبير، واللعين الأول، وفرعون مصر، وفرعون وقومه، وقذائف الحياة الأولى، وصرخة من خلف الأسوار، والقدس عروس عروبتكم، والسيرة الذاتية لسيّاف عربي،  وأغاني الديكتاتور، ومبارك العميل، والحاخام يخطب في بغداد، وكلاب وأُسود، وصلاة الكهان، وارحل يا جبان، وارحل.. يا بلطجي، وارحلوا عنا.. إلى غير ذلك من القصائد التي تقطر دمًا.

ففي قصيدة "ارحل يا بلطجي"  يقول الشاعر السوري محمود السيد الدغيم:

غَاْدِرْ بِلادِيْ بِالْعَجَلْ

وارْحَلْ؛ فَحُكْمُكَ قَدْ أَفَلْ

يَا "بَلْطَجِيُّ" لَقَدْ مَضَىْ

ليلُ الطغاة بما حمل

وَأَتَى الصَّبَاْحُ فَلَنْ تَرَىْ

لص السواحلِ والجبل

هَرَبَ اللُّصُوْصُ جَمِيْعُهُمْ

والشعب كان، ولم يزلْ

هَرَبُوْا لأَنَّ فُلُوْسَهُمْ

هَرَبَتْ بِغَفْلَةِ مَنْ غَفَلْ

فَاهْرُبْ، وَدَعْنَاْ إِنَّنَاْ

وَاذْهَبْ إِلَىْ شَهْرِ الْعَسَلْ

لَمْلِمْ لُصُوْصَكَ، وَانْصَرِفْ

هَيَّا تَدَحْرَجْ يَاْ جُعَلْ

مَاذَا أَصَاْبَكَ هَلْ جُنِنْتَ؟

وَهَلْ أَجَنَّكَ مَا حَصَلْ؟

أَمْ كُنْتَ تَحْلُمُ بِالْبَقَاْءِ

وَبِالْخُلُوْدِ مِنَ الأَزَلْ

ارْحَلْ وَخُذْ كُلَّ اللُّصُوْصِ

وَخُذْ رُعَاْعَكَ يَاْ هُبَلْ

بَلْ خُذْ جَمِيْعَ الْمُخْبِرِيْنَ

وَكُلَّ جُمْهُوْرِ الْكَسَلْ

خُذْ مَنْ تَجَبَّرَ أَوْ تَكَبَّرَ

أوْ تَجَسَّسَ أَوْ قَتَلْ

إِنَّاْ خَلَعْنَاْ خَوْفَنَاْ

فَارْحَلْ كَمَخْلُوْعٍ رَحَلْ

ويقول الشاعر فاروق جويدة في قصيدة "ارحل":

ارحل ك"زين العابدين" وما نراه أضلّ منك

ارحل وحزبك في يديك

ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك

لا تنتظر صفحًا جميلًا فالخرابُ مع الفساد يرفرفان بمقدميْك

ارحل وحزبك في يديْك

ارحل بحزب امتطى الشعب العظيم

وعتى وأثرى من دماء الكادحين بناظريْك

ارحل وفشلك في يديْك

فعلى يديْكَ خراب مصر بمجدها عارًا يلوِّثُ راحتيْك

هذي نهايتك الحزينة هلْ بقى شيء لديْك؟

ارحل وعاركَ أيّ عارْ

مهما اعتذرتَ أمامَ شعبكَ لنْ يفيد الاعتذارْ

هذا، وقد جاء الكتاب في خمسة فصول على النحو التالي: رسالة الشُّعراء. وكناسة الشُّعراء. والشِّعر السياسي، وشعراء المعارضة، وقصائد لها تاريخ... وهو كتاب ممتع وجدير بالقراءة..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - بهاءالدين ًصباحا 06:36:00 2011/12/25

    الله يوفقكم لخدمة الدين الاسلامي

  2. 2 - فوزي عبد البارئ مساءً 11:44:00 2012/05/22

    بسم الله الرحمان الرحيم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته جزاكم الله كل الخير ... تمنيت أحصل على نسخة من هذا الكتاب ... فهل من سبيل لذلك؟ و الله المستعان

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف