الاختيار الأول الذي مال فيه المفتون بتكفير الأعيان إلى الأخذ بالأشدّ كان هو ترجيح كفة القائلين بأن ترك الصلاة كفر أكبر، وهو قول لجماعة من السلف والخلف، ولا تثريب على اختيار قول كهذا فهو قول معروف وإن كان خلاف مذهب الجمهور، وقد وجدت أحدهم ينسب هذا القول "للوهابية"، وفاته أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول كما في مجموع مؤلفاته (3/2/9) ومصادر عدّة موثوقة "والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نُكفِّر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان".
ومقصوده بالتارك لها هنا: التارك لأركان الإسلام الأربعة: الصلاة والزكاة والصوم والحج!
ولعل هذا آخر ما استقر عليه قوله رحمه الله، وهو اختيار جميل أن يذهب الشيخ إلى الاقتصار في التكفير على ما أجمعت عليه المذاهب وهو الشهادتان.
بيد أن من أشرت إليه اختار الأشد في مسألة (ثانية) وهي:
ما معنى (التَّرْك)؟
أهو ترك صلاة واحدة مفروضة حتى يخرج وقتها؟ أم تركها وما يجمع إليها، كأن يترك الظهر والعصر، أو يترك المغرب والعشاء؟ وعليه فترك صلاة الفجر وحده حتى يخرج وقتها كفر لأنه لا يوجد ما يجمع معها.
أم الترك ترك صلاة يوم كامل؟ أم هو أن يصلي ويترك بحيث لا يكون محافظاً عليها، أم هو التَرك بالكلية، أي: الترك المطلق؟ وهي أقوال ذكرها ابن حزم وابن عبد البر وابن القيم في كتاب الصلاة، وغيرهم من أهل العلم، وجرى الخلف فيها.
وفي جامع الخلال (2/543) عن الإمام أحمد قال: "قد يحتمل أن يكون تاركاً أبداً" وعلى هذا فهو قول للإمام أحمد نفسه أن لا يكفر إلا بترك الصلاة بالكلية مطلقاً، وقوّى هذا القول المرداوي في الإنصاف (1/378) ومال إليه ابن القيم (ص60).
وقال ابن تيمية :"فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً، بل أكثر الناس يصلون تارة، ويتركون تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد .." وانظر: الفتاوى (7 / 578 – 614).
وهذا القول قوي، والملحوظ أنه داخل أقوال الأئمة القائلين بالتكفير أيضاً، ويحتمل أن يكون عند غيرهم، كما ذكره ابن رشد في البيان والتحصيل (16/393) وعزاه لأصبغ من المالكية.
وقد اختاره الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (2/26).
وعليه فحتى مع القول بكفر تارك الصلاة، إلا أن تحديد مفهوم (الترك) هنا يختلف، وقد أشار ابن تيمية إلى أن يموت على هذا الإصرار، وهذا قد يوحي بأن المقصود هو حفز الناس على المحافظة عليها بأمر تحتمله النصوص، وأن الخطر أخروي يتعلق بلقاء العبد لربه وهو عنه معرض، كما قال سبحانه (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (مريم:59-60)، وليس أمراً يتعلق بأحكام الدنيا.
فالأمر إذاً تنفير وتشنيع على تاركها، وليس سبباً للحكم الدنيوي على أفراد من الناس بسبب ما يظهر لنا من تقصيرهم في أدائها.
ولذا قال ابن قدامة في المغني: "إننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورّثه، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت له هذه الأحكام، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام ..."
ومع ثبوت الخلاف في قضاء ما فات، وقد رجح ابن تيمية وابن القيم أنه لا يقضي ما تركه عمداً، بخلاف مذهب الجمهور في وجوب القضاء، وقول الجمهور منصوص عن الإمام أحمد أيضاً، إلا أن المقصود حكايته رحمه الله لعدم حدوث التكفير الخاص في سائر الأعصار والأمصار وما يترتب عليه.
ولا شك أن الترك إذا فهم بمعنى عدم المحافظة فلا يسهل الحكم على أحد بعينه بأنه تارك، وبالتالي لا يحكم عليه بعينه وشخصه بالكفر ولا بلوازم الكفر، وسأزيد ذلك إيضاحا بإذن الله تعالى في الفقرة الثالثة، وهي الفرق بين الحكم العام، والحكم على المعين، أو الفرق بين الحكم على الفعل، والحكم على الفاعل والله أعلم.
لمتابعة جديد الشيخ سلمان العودة:
twitter: @salman_alodah
facebook.com/SalmanAlodah