الرئيسة راسلنا دليل الموقع
البحث



بحث متقدم
عناوين مختارة
150 ألف مشاهدة لإعلان برنامج جديد لسلمان العودة
بين مكة والقاهرة
د. العودة: القرآن علمنا كيف نكسب الأعداء لا أن نخسر الأصدقاء
العودة: من يشتري متابعين له على تويتر متشبعٌ بما لم يُعطَ
سلمان العودة: هناك صراع سعودى مصرى خفى
من أين لك هذا؟!
حكِّم ضميرك .. !
العودة يستقبل الموسيقار الشهير “جورج قرين” والذي أشهر إسلامه مؤخراً
تَفَكُّر سَاعَة!
البلوي: العودة قدم نموذجا في انحيازه للحق وعدم التشبث بالرأي
موقع الشيخ سلمان متابعات وحوارات أخبار ومتابعات
سلمان العودة يدعو للتسامي عن الأحقاد والحسد والضغينة
 
الكاتب:  الإسلام اليوم/ أيمن بريك
الاحد 27 محرم 1432الموافق 02 يناير 2011
 

أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ على أهمية السمو بالعادات وتحويلها إلى مقاصد، مشيرًا إلى ضرورة التسامي عن الأحقاد والحسد والضغينة والمواجهات اليومية البسيطة والقول السيئ، لافتًا إلى أنه من السمو المعرفي البحث عن المعرفة في كل مكان، موضحًا أن العلم ليس نقيضًا للتدين أو الاستقامة والالتزام.

وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "سموّ" ـ: إن الإنسان السعيد هو الذي يفلح في تحويل العادة إلى مقصد، لافتًا إلى أنه من أجمل ما يكون أن يقتبس الإنسان في مقتبل عمره عادات جميلة، ويشعر بأهمية استثمار أو تطوير العادة، بحيث تكون عبادة، ويكون لها مقصد واستشعار، ويسهل على الإنسان توظيف هذه العادة، حتى لو كانت دقائق محدودة.

عادات جميلة.. ولكن

وضرب الدكتور العودة مثالًا لذلك، قائلًا: إنه من العادات الجميلة التي يجب تحويلها إلى مقاصد اعتياد المسلم الذهاب للمسجد للصلوات الخمس، لافتًا إلى أن أداء الصلاة بذاتها هي عادة ضخمة ، بحيث أنه لو تركها الإنسان أو نسيها يشعر بأنه فقد شيئًا، حتى بلغ الأمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سها في الصلاة وصلى الظهر أو العصر ركعتين قام إلى خشبة معروضة في المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه -عليه الصلاة والسلام- بما يوحي بأنه فقد شيئًا، ولكنه لا يعرف بالضبط ما الأمر، حتى قيل له إنك صليت ركعتين!.

وأوضح فضيلته أن هذا يشير إلى أثر العادة، وأنها تسهّل على الإنسان الفعل، فالعادات ممتازة لأنها تتحكم في الإنسان، لكن الشيء الجميل هو السمو والقدرة على تحويل العادة إلى مقصد وعبادة إذا كان الأمر يتعلق بالصلاة، حيث تجمع ما بين العادة والعبادة، وقد كان من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا عمل شيئًا أن يُثبته، فيكون عادة وعبادة في الوقت ذاته، فهي عادة عنده يُثبتها ويستمر عليها، لكن كونها عادة ليس معناه أنها أصبحت جوفاء ليس فيها شيء من روح العبادة وأثرها.

وأردف الدكتور العودة أن الأمر كذلك فيما يتعلق بالوظيفة، وعلى سبيل المثال، فإنه بدلًا من أن يذهب الإنسان للوظيفة لمجرد الحصول على المرتب أو خشيةَ أن يحسب عليه غياب أو شيء من هذا القبيل، فإن هناك نوعًا من الرقي بهذا العمل إلى نوع من المقاصدية، فحينما يخدم الإنسان موظفًا يستشعر أنه قام بواجب ولكنه أيضًا يقوم بمرضاة لله -سبحانه وتعالى- من خلال إيصال الخير والإحسان، فيستشعر قيمة ذاتية له قبل أن تكون قيمة للشخص الذي أحسن إليه، وكذلك الوضوء، فإنه بدلًا من أن يشعر الإنسان أن الوضوء يكون لمجرد النظافة أو أداء واجب لا تتم الصلاة إلا به، فإنه يمكن استشعار المعنى الذي ورد في الحديث: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»، فإذا غسل الإنسان وجهه تذكر كم خطيئة لعينه، ولفمه، وللسانه، ولأذنه، ولرجله، وهل مشت إلى ما لا يرضي الله، سبحانه وتعالى؟، وبالتالي فإن الوضوء يقوم بعملية غسيل ليس فقط للأعضاء ولكن أيضًا للذنوب، وعلى الإنسان أن يستشعر هذا المعنى.

وتابع فضيلته: وكذلك الأمر فيما يتعلق بالعلاقة الأسرية والترابط الأسري، وأنه بدلًا من أن تكون الأسرة همًّا أو عبئًا أو تبعةً أو على الأقل شيئًا مألوفًا، فإننا يمكن أن نرتقي ونتسامى بذلك إلى أن يصبح هناك شعور بالأهمية والانتماء للأسرة، لافتًا إلى أن الفضيلة أن يكون عند الإنسان أسرة مهما كانت هذه الأسرة، حيث يجب عليه أن ينتمي لهذه الأسرة ويتعاون معها، ويستشعر الرقي في العلاقة مع هذه الأسرة، والفرح بذويه، وبوجودهم، دون أن يكون هناك حاجة إلى أن يفكر أبعد من ذلك، أو يتساءل: ماذا يمكنني أن أستفيد من هذه الأسرة؟ فهذا ليس بسؤال!، ولكن أهم شيء أن يشعر الإنسان بمتعة الانتماء لأسرته، موضحًا أن الأمر كذلك فيما يتعلق بالصداقة، وعلى سبيل المثال، فإنه بدلًا من أن تكون الصداقة مجرد سهرات أو اعتيادًا على شيء معين لا يجد الإنسان فيه متعة أو لذة، فإننا يمكن أن نتسامى بالصداقة من كونها مجرد عادة إلى أن تكون شيئًا مقصودًا فيه روح مقاصدية بأن يحب الإنسان هؤلاء الأصدقاء ويأنس بهم، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يتعرض لموقف جميل أو نكتة رائعة يقرؤها في الجوال كمثال ويضحك بينه وبين نفسه، فإنه لا يشعر بقيمة لها إلا عندما يسمع صدى ضحكته على ملامح صديقه، أو يبادله الضحكة ويجاريه فيها، حيث يتعامل الإنسان في هذه الحالة مع الصداقة بهذه الروح.

سمو.. وتفاخر

وردًّا على سؤال يقول: كيف يمكن للإنسان أن يسمو بفخره المحمود وبما يكتنِزُه من إمكانات فيكون ذلك عنوانًا للرقي؟ قال الشيخ سلمان: إنه يوجد ترابط بين السمو والفخر المحمود، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما وقعت حادثة الإفك المشهورة الواردة في الصحيحين بشأن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، تكلمت عن زينب، وقالت: وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، فأشارت عائشة -رضي الله عنها- إلى معنًى راقٍ وعظيم، واستخدمت لفظ (تُسَامِينِى)، وهو لفظ مشتق من السمو، أي: هي التي تنافسها؛ في جمالها، ومكانتها عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحظوتها وحبها، ولذلك كان المتوقع أنها هي التي تفرح على عائشة وربما تساهم في إذكاء نار الكلام، لكن الله -عز وجل- عصمها بالتقوى والإيمان.

وأضاف فضيلته أن هذا يربط ما بين التفاخر والمنافرة والمنافسة، باعتبار أن التسامي يُقصد به أن كل فرد يريد أن يسمو على الآخر، وكما يقول الشاعر:

رَأَيتُ عَرابَةَ الأَوسِيَّ يَسمو إِلى الخَيراتِ مُنقَطِعَ القَرينِ

إِذا ما رايَةٌ رُفِعَت لِحربٍٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمينِ

أي: (رُفِعَت لِحربٍٍ)، ولكننا نريد أن نقول (لمجدٍ)؛ لأن المجد والحياة أوسع من مجرد الفخر بالحرب، ولكن الفخر يكون بالعمل، والمجد، والإنجاز، والكلمة الطيبة، مما يشير إلى أن التسامي هو نوع من التفاخر في سمو حقيقي، ومن ذلك جاء مدح عائشة لزينب مع أنها منافِستها وضرتها وقرينتها، إلا أن الله -عز وجل- عصمها بالتقوى عن أن تستخدم أدوات أو تستغل ظروفًا غير مواتية لإلحاق الأذى والضرر بجارتها.

سمو.. وعلو

وفيما يتعلق بأن السمو في اللغة من السماء، قال الشيخ سلمان: إن السمو هو كل ما سما، وكذلك العلو؛ فالسمو والعلو يبدو لي أنهما معنيان متقاربان، فالسماء كل ما علا، مشيرًا إلى أن بعض الناس يظن أن السماء هي السماوات السبع أو هو ما تراه فوقك من القبة الزرقاء، فهذه سماوات، ولكن كل ما علا فهو سماء، حتى المطر تسميه العرب سماءً، ومنه قول الشاعر:

إِذا نَزَلَ السَماءُُ بِأَرضِ قَومٍ رَعَيناهُ وَإِن كانوا غِضابا

أي: إذا نزل المطر فكنى عنه بالسماء لأن مصدره السحاب الذي في السماء

وأوضح فضيلته أن السمو الذي نتحدث عنه هو الرقي والتعالي عن صغائر الأمور، مشيرًا إلى أنه يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث صحيح يحسن إيراده في هذه الحالة، وهو عن الحسن بن علي -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يُحِبُّ مَعَالِىَ الأَخْلاَقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، فمعالي الأمور هي الأمور السامية العالية، في حين أن السَّفساف هي الأمور الحقيرة التافهة، فقد يُقحم الإنسان نفسه في مسائل تافهة لا قيمة لها ولا تليق بإنسانيته أو بمكانته.

وردًّا على سؤال يقول: لماذا نشعر بأن الأمور الجيدة والنبيلة والسامية دائمًا مرتفعة أو بعيدة المنال؟ وأن كل أمر جيد هو عالٍ لدرجة أنه غامض يصعب الوصول إليه؟ قال الشيخ سلمان: إن هذا ربما يرجع إلى التربية، وعلى سبيل المثال، فإنه من الأشياء التي نلاحظها في مجال الوعظ الشرعي أننا كثيرًا ما نسمع الكلام عن تجارب السلف وفضائلهم، وعندما نقرأ كتبًا مثل "سير أعلام النبلاء" للذهبي أو "حلية الأولياء" لأبي نُعيم أو "صفة الصفوة" لابن الجوزي أو غيرها تجد قصصًا عن السلف -رضي الله عنهم- في العبادة، والقيام، والصيام، ومعاني التقوى والإيمان، عندما تجمع هذه القصص وتحشد يشعر الإنسان بأن الأمر أصعب من أن يحاوله، في حين أنك عندما تقرأ سيرة الرسول نفسه -عليه الصلاة والسلام- وهو المؤيد بالنبوة والوحي تجد سيرة قريبة التناول والمأخذ.

وأضاف فضيلته: لقد قرأت الكثير مما كُتب في السيرة، حيث يشعر الإنسان بالقرب، وبأن إمكانية التأسي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ليست أمرًا صعبًا على أحد، فكل أحد يشعر بأن بإمكانه أن يحاكي أو يحاول محاكاة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما إذا قرأت سير بعض الأئمة الكبار وجدت أن هناك إحساسًا عندك بالعجز ربما بسبب الطبيعة البشرية، بينما امتاز النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنبوة التي جعلت سيرته هي السيرة الكاملة والمثل الأعلى، ولذلك فإننا عندما نتلقى بعض ما يؤثر عن السلف، فإننا لا بأس أن نأخذه كنوع من الحفز والدافعية للعمل والتأسي بهم، لكن لا يحسن أن يؤخذ على حَرْفيته ولفظيته، أو يؤخذ ليكون سببًا في الانقطاع والشعور، مثلما قال الشاعر:

لا تَعْرِضَنّ لذِكْرنا مع ذِكْرِهم ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعَدِ

فقيام الإنسان بالإتيان بنموذج وإشعار الناس بأن هذا نموذج متعالٍ وسامٍ وتصبح محاكاته بعيدة المنال أسلوب تربوي غير صحيح.

منحة ربانية

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الهدف بوصفه معنًى ساميًا هنالك ألف حكاية وحكاية نحو آلية الوصول إليه، سواء عبر اعتباره طويل الأمد أو حول مرحلة الحياة تجاهه، لكن هناك حكاية واحدة فقط تتعلق بسموه، وهي التي نغفل عنها كثيرًا، قال الشيخ سلمان: يقول امرؤ القيس:

فَلَو أَنَّ ما أَسعى لِأَدنى مَعيشَةٍ كَفاني وَلَم أَطلُب قَليلٌ مِنَ المالِ

وَلَكِنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤَثَّلٍ وَقَد يُدرِكُ المَجدَ المُؤَثَّلَ أَمثالي

ولكن المصيبة حينما لا يوجد هذا البتة! وعلى سبيل المثال، فقد تأملت هذا الأسبوع وكنت في طريقي إلى القصيم ومعي ابني محمد، حيث كنا نتناقش ونتجادل في الطريق حول بعض قضايا الحياة، لافتًا إلى أن هناك معنًى بسيطًا ربما يكرره الإنسان، لكنه يغفل عنه -أحيانًا-، وهو أن الحياة التي وهبنا الله -سبحانه وتعالى- إياها هي عبارة عن وعاء، فالله أعطى الإنسان روحًا وعمرًا وحيويةً وإرادةً، لكن في المقابل فإنه مطلوب من الإنسان أن يملأ هذا الوعاء بأشياء معنية، وألا يصبح عبئًا عليه.

وأضاف فضيلته: لقد جاءتني البارحة رسائل جوال أشارت إلى أن هناك نسبة كبيرة من الطلاب أو الطالبات في الثانوية والجامعة عندهم همُّ الانتحار، وأن عددًا معتبرًا منهم يقولون: "لولا الخوف من الله والشعور بأن هذا عمل حرام ربما أقدمنا عليه"! وكذلك آخرون ربما لا يقولون ذلك ولكن على الأقل الواحد منهم يتمنى أن يموت، كما جاءتني صباح اليوم رسالة أخرى لشخص يتساءل: هل يجوز تمني الموت؟! لافتًا إلى أن هناك كثيرين ربما يسألون هذا السؤال، في حين أن الله -عز وجل- أعطانا الحياة منحة وصدقة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، فالحياة منحة ربانيّة وهبنا الله إياها، وهذه الروح التي تميزنا بها عن الجمادات والأشجار والنباتات والحيوانات والمخلوقات الأخرى، لنملأ نحن هذه الحياة بالمعاني الجميلة والتي منها وجود هدف.

هدف.. وإرادة

وأوضح الدكتور العودة أن كون الإنسان عنده هدف لا يعني أن يكون هذا الهدف هو تغيير الكون، أو التوصل إلى اكتشاف ربما يغير خارطة الكرة الأرضية، أو أنه سوف يصبح ثرياً أو أن يكون فاتحًا عظيمًا، حيث يجب على الإنسان ألا يركز على الأهداف المثالية الخيالية البعيدة عن الواقع، وأن ينصبَّ تركيزه على الأهداف القريبة والتي هي في المتناول والمقدور على تنفيذها، بحيث لا يكون هناك مسافة أو فجوة بين الهدف والقدرات الموجودة عند الإنسان، فيصبح للهدف معنى ضخم، بحيث يكون هدف الإنسان -مثلًا- أن يكون إنسانًا مطلعًا، أو أن يقرأ هذا الكتاب وينتهي منه، أو ينجح في دراسته أو يتفوق، أو أن يحصل على رضا والديه، أو أن يتعوّد على أن يكون جميلًا نظيفًا وحريصًا على الإتيكيت والذوق والجماليات المتعلقة بشخصه، فمثل هذه الأهداف الجميلة تجعل للحياة معنًى ضخمًا.

وذكر فضيلته أن التفاصيل الصغيرة هي التي تملأ خارطة الحياة بالجمال، مشيرًا إلى أنه من ذلك أن يكون الإنسان مقصدًا، وأن تكون النظافة مقصدًا، وأن تكون العناية بالغذاء مقصدًا، وأن يكون العناية بالعلاقة مقصدًا وأن يكون العناية بالنوم مقصدًا، وأن يكون قبل ذلك وبعده العناية بضبط العلاقة مع الله -سبحانه وتعالى- مقصدًا، وأن تكون كل هذه الأشياء محفوفة بالشعور بالرضا من الله، والشكر على النعم، داعيًا كل شخص ليس له هدف في الحياة إلى أن يعمل على أن يكون له هدف، وأن يحدد أهدفًا لنفسه ولو كانت أهدافًا صغيرة، مؤكدًا أن الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود الإرادة، وعلى سيل المثال، فإن أحد الفلاسفة عندما سئل: ما الفرق بين الإنسان السعيد والإنسان الحزين؟ قال: الفرق يتلخص في كلمتين لا أكثر؛ الكلمة الأولى: الهدف، والكلمة الثانية: الإرادة، فكلمة الهدف وكلمة الإرادة هما كلمتان سحريتان في تحقيق السعادة والمتعة في الحياة، مما يؤكد على ضرورة أن يكون عند الإنسان إرادة جميلة للتسامي بحياته لصناعة أهداف صغيرة والسعي في تحقيقها.

تسويف.. ومرحلية

وردًّا على سؤال يقول: لماذا نتبع التسويف والمرحلية في تخطينا أو تسامينا عن الأحقاد؟ قال الشيخ سلمان: إن جزءًا من التسامي مرتبط بالمشاعر، مثلما يقولون في المثل: "إذا أردت أن تمتلك أعلى بناء في المدينة ما هو الطريق؟ هل الطريق أن تهدم الأبنية العالية حتى تكون أنت فوقها، أو أن تحاول أن تضاعف أنت بناءك؟ "، مشيرًا إلى أن هناك فرقًا بين الصيغتين، فإذا كان هناك منافسة ومسابقة في الوصول إلى قصب السباق كما يقولون أو نهاية الحلبة، فإن البعض ربما يشتغل بتعويق المتسابقين حتى يصل قبلهم، ولكنه في هذه الحالة لن يصل لأنه مشغول بالتعويق، لكنه لو انطلق على سجيته وتجاهل وجود منافسين آخرين ربما وصل قبلهم، لافتًا إلى أنه ما من أحد إلا وعنده إحساس بقدر من الإحباط أو أن هناك أشياء يريدها لم تتحقق، وهذا يجعله إذا وجد أن آخرين حصلوا على شيء معين ربما أصابه نوع من الحسد، سواء كان هذا الأمر مرتبطًا بزواج أو مال أو وظيفة أو سمعة طيبة أو ما أشبه ذلك، مؤكدًا أنه يجب على الإنسان أن يتسامى عن الأحقاد، والحسد، والضغينة، ولا يسمح لها أن تستوطن في نفسه.

وأوضح فضيلته أنه ما من شخص إلا ويعاني من بعض هذه المشكلات، كما قال بعضهم: "ما يخلو جسد من حسد ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه"، فمن يخفيه يكون حذرًا من مداخل الشيطان الذكية التي يمكن أن تصور الحسد على أنه معنى آخر، وذلك بصدق وإخلاص ونية طيبة، فإذا رأى الإنسان أحدًا رُزق بشيء وهو محروم منه، عليه أن يسأل الله من فضله، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء:32)، حيث يجب على الإنسان في هذه الحالة أن يسأل الله من فضله، وأن يعرف أن الذي أعطاه الله، وهو قادر على أن يعطيك، وأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)(إبراهيم: من الآية7)، ولذلك فإذا سمع إنسان أن هناك شخصًا آخر حصل على خير وشعر بداخله بشعور سلبي، فإنه يجب عليه أن يدعو لهذا الإنسان "اللهم ارزقه، اللهم زده، اللهم أوزعه شكر نعمتك"، فإذا رأيته ابتسِمْ له، وتكلمْ، حتى لو كان شعورك الداخلي لا يشجعك على الكلام أو الثناء أو الإنجاز الذي عمله، فإذا جاءت مناسبة فلا تلمزه بأن تذكر أن فلانًا -مثلًا- حصل على ترقية وأنت منذ زمن تبحث وما حصلت عليها فتقول: إن هذه المسألة فيها علاقات ووساطات ومجاملات، ولكن عليك أن تدعوَ له وتثني عليه بخير، حتى لو كان قلبك لا يساعدك.

سموُّ اللغة

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إننا نحتاج دومًا إلى التواصي بسموّ معين للغة، قال الشيخ سلمان: إنني أعتقد أن سموَّ اللغة شيء أساسي، حتى أنني ربما أصبحت مهووسًا أو موسوسًا في هذا الجانب، حيث يجب على الإنسان أن يقولَ أي كلمة سلبية حتى في حق نفسه، وأن يثق الإنسان بأن تَكرار الكلام السلبي عن نفسه، سواء إذا كان يتحدث عن معاناة نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية، يلقي على عقله اللاوعي وعلى عقله الباطن وعلى أحاسيسه معنًى سلبيًّا، ويبرمج نفسه برمجة غير إيجابية وغير نافعة، وكذلك فيما يتعلق بالآخرين، وعلى سبيل المثال، فإنك حينما تقول لولدك أو لبنتك: أنت أناني، أو أنت غبي، أو أنت حقير، أو أنت تافه، فإنك تبرمجه بهذه الأقوال وتعوده عليها؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم حفاوةً بحسن الخطاب، حتى قال ربنا سبحانه: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)(الإسراء: من الآية53)، وكما يقال: "الحرب أولها كلام"، ويقول سبحانه وتعالى أيضًا: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(البقرة: من الآية83)، أي: لكل الناس، المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد روى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بسند صحيح، أنه قال: لو قال لي فرعون بارك الله فيك، لقلت له: وبارك الله فيك!، مع أنه لن يحدث هذا، ولكن أراد ابن عباس -رضي الله عنهما- أن يبيِّن شمولية هذا الإطلاق: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، بل حتى لأنفسكم قولوا القول الحسن، كما قال ربنا سبحانه: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)(النور: من الآية61) فالسلام على النفس وعلى الأهل وأهل البيت.

وأضاف فضيلته أن كل الناس الذين يشتكون من تأخر النجاح ينبغي أن يقال لهم النجاح هو على طرف لسانك؛ فقل قولًا حسنًا، وتفاءل بالخير تجدْهُ، وأحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى-، فالله تعالى يقول: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى»، فقل: إنك على خير، وأن الأمور إن شاء الله جيدة، مشيرًا إلى أن هذا لا يعني الخداع، وعلى سبيل المثال، فإن الإعلام العام يجب أن يتحدث عن الواقع، سواء فيما يتعلق بإنجاز معين أو مأساة معينة؛ أو أمطار أو مشاكل أو إخفاقات، فالإعلام هو ضمير الأمة الذي يجب أن يصف الواقع باعتدال، فلا يبالغ أو يسرف فيتحول إلى نوع من نقد الذات المفرط أو جلد الذات، ولا يتجاهل الواقع، لكن اللغة الذاتية الفردية ينبغي أن تكون لغة تفاؤل وأمل واستشعار النجاح، حيث يجب على الإنسان أن يكرر ذلك ويجعله ديدنًا له.

سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ

وردًّا على سؤال من مشاركة تقول: هناك من يحاول إنهاء المواجهات اليومية البسيطة رغبةً منه في سمو معين وعدم الدخول في جدال، فهل هذا صحيح أم لا؟ قال الشيخ سلمان: إن المشكلة تكمن أحيانًا في أن الطرف الثاني ربما يشعر بازدراء من كونك تتجاهله، ولم تدخل معه في حديث، مما يشير إلى أن هناك فرقًا بين السمو عن المواجهات اليومية البسيطة وبين تجاهل الآخرين، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55)، ويقول أيضًا: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)(الفرقان: من الآية63)، مشيرًا إلى أنه إذا أخطأ شخص في حقك وقلت له: أنت جاهل وسلام عليك، فإنك في هذه الحالة تعلن له أنك متفوق عليه، وكأنك تقابله باستفزاز، وتعتقد أن هذا الاستفزاز يتكئ على أصل أخلاقي أو شرعي.

وأضاف فضيلته: ولكن الذي أفهمه من النصوص الشرعية ليس هو هذا، ولكن المقصود أن ترد عليه بالكلام الطيب وبالعفو والصفح واللغة المناسبة التي تدرأ بها شره، فيقول سيئًا وتقول حسنًا حميدًا، وهذا هو الأكثر تساميًا، وكذلك لو رددت عليه بلغة (سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، فإن هذا قد يكون سموًّا لأنها أفضل من لغته وأفضل من كلامه، فأنت لم تسبه ولم تشتمه، لكن لاشك أن الأفضل هو ذلك، لافتًا إلى أنه في بعض المواقف لا ينبغي تجاهل الطرف الآخر بما يوحي بأنك تزدريه أو تحتقر الرد عليه، حيث يمكن أن ترد عليه برد مقتضب، أو تعطيه وجهك وعينيك، أومن خلال ابتسامة أو كلمة طيبة، ومثلما يقول الشاعر:

ما كل قول له جواب         جواب ما يكره السكوت

الابتعاث.. والسموّ المعرفي

وفيما يتعلق بتقرير الحلقة، والذي تحدث عن وجود مائة واثني عشر ألف مبتعث سعودي في الخارج، وما إذا كان هذا يمهد لمرحلة قادمة من السمو المعرفي، قال الشيخ سلمان: إنه من السمو المعرفي البحث عن المعرفة في كل مكان، فالعلم ليس له لون ولا جنس ولا مذهب، وإنما هو تراكم إنساني ومعرفي يجب أن يكون لدينا تطلع إليه، مشيرًا إلى أنه من السمو المعرفي ألا يقتصر الإنسان على الموجود عنده، وعلى سبيل المثال، فإن المعلم أو الأب أو المفكر أو الفقيه والشيخ والعالم والمفتي أو أي شخص آخر ينبغي أن لا يقضي بقية عمره في ترديد الأشياء التي عرفها وتكريرها، وإلا سوف ينتهي ويصبح غير ذي قيمة، ولكن العلم اليوم يتجدد، فخلال كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع يتضاعف حجم المعرفة الموجود على ظهر الكرة الأرضية؛ مؤكدًا أن السمو المعرفي هو أحد مظاهر السمو التي ينبغي أن نسعى إليها، وأن تكون عادة عندنا، وأن نحول هذه العادة إلى قصد، وكأن الإنسان يراقب عقله وذهنه وتطوره وقدرته على استيعاب الجديد مع المحافظة على المبادئ والقيم والأصول التي ينطلق بها، كما أننا يجب علينا ألا نخاف من العلم، فالعلم الحقيقي ليس نقيضًا للتدين، أو الاستقامة والالتزام، ولكن الفساد والانحلال يوجد عند الفقير مثلما يوجد عند الغني، ويوجد عند الجاهل مثلما يوجد عند العالم وأكثر، وهذا أمر مقرر ومقطوع به ومعروف.

وأضاف فضيلته أن الابتعاث يدخل في باب السمو المعرفي، مشيدًا بما ذكره الدكتور عبد الله الموسى من أن نسبة التعثر بين المبتعثين لا تتعدى 3 %، لافتًا إلى أننا في الوقت الذي نشيد فيه بمائة ألف مبتعث وبملايين ضخت في هذا السبيل وبجهود ضخمة لوزارة التعليم العالي والقائمين عليها، إلا أنه ينبغي أن نراعيَ أيضًا أن هذه التجربة لن تحقق هدفها إلا بقدر من السمو في التعامل معها، ومن ذلك على سبيل المثال، متابعة جادة للمبتعثين، نافيًا أن يكون ذلك من خلال فرض كنترول عليهم أو سوء الظن بهم، لكن أن يكون هناك تواصل مستمر للملحقيات التعليمية في كل مكان للمبتعثين والمبتعثات، وأن يكون هناك نوع من التواصل الميداني معهم، فهم يعيشون في غربة ويحتاجون كثيرًا إلى من يكون بقربهم ويحل مشكلاتهم ويساعدهم ويحذرهم من الأخطاء، سواء كانت أخطاء أمنية أو أخلاقية أو علمية.

وأردف الدكتور العودة أن هناك جانبًا آخر، وهو بعد ما يعود هؤلاء المبتعثون فإن هناك عدة أسئلة تطرح نفسها، منها: هل عندنا مقاعد لهم؟ هل سوف نستفيد من تجربتهم وخبرتهم وذهابهم؟ أم يكون الأمر على خلاف ذلك، مشيرًا إلى أنه من غير المعقول أن يذهب شاب، مثالًا، إلى اليابان ويدرس لمدة عشر سنوات ويأخذ الماجستير والدكتوراه ويتعلم اللغة اليابانية، وعندما يرجع لا نجد عندنا وظيفة تناسبه! أو يتم توظيفه في أي عمل بعيدًا عن الخبرة والتجربة والدراسة التي حصل عليها، حيث كان من الممكن أن يعيَّن بهذه الوظيفة وقد درس في جامعة أهلية، وحتى لو لم يحصل على درجة الدكتوراه، لافتًا إلى أن الأمر لا يقتصر على ذلك، ولكن ينبغي أن ندرك أثر ذلك على السمو الاجتماعي. والمشاكل التي نسمع عنها اليوم في تونس وفي أكثر من بلد عربي وإسلامي تؤكد أهمية أن يكون هناك يقظة لحاجات الناس وتطلعاتهم، وأن هذا مؤثر أمنيًّا.

تصحيح.. لا تمييع

وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يتحدث عن متغيرات الفتوى، ويشير إلى أنه ما كان حرامًا بالأمس أصبح في بعض الأمور حلالًا اليوم، ويضرب مثالًا لذلك بالاحتفال بأعياد الميلاد، ويتساءل: هل هذا سمو في التفكير أم تمييع في الدين؟، قال الشيخ سلمان: إننا إذا أردنا أن ننظر للمثال الذي ضربه الأخ صاحب المداخلة، وهو "أعياد الميلاد" واحتفال الطفل بمناسبة ميلاده، فلا نسميه عيدًا، أو احتفال الزوج والزوجة بمناسبة مرور عشر أو خمسين أو ستين سنة على زواجهما، أو احتفال الأسرة بدخول بيت جديد، فإننا سنجد أن كل أجدادنا وأجداد أجدادنا يسمونه "نزالة"، فإذا سكنوا بيتًا جديدًا جمعوا الأقارب في وليمة.. فهذه من العادات وليست من الدين أصلًا، ولا يعمل فيها الإنسان على باب التدين أو الاحتساب أو التعبد، ولكنها من قبيل العادات الحسنة.

وأضاف فضيلته أننا إذا نظرنا إلى المثال الذي ضربه، فالأمر هو - في نظري- نوع من التصحيح، مثل ما كان موقف بعض الناس من التصوير يومًا من الأيام يتسم بشدة ثم تبين مع الوقت أن الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين لا تُنزّل الأحاديث الواردة في باب التصوير في شأن التصوير الموجود الآن.

وأردف الدكتور العودة: أما إذا نظرنا بعيدًا عن المثال، فإننا سنجد أن المتغيرات منها ما يكون سموًّا معرفيًّا، مثل أن يكون الإنسان غير عالم ثم اكتشف علمًا جديدًا وارتقى به وصحح ما كان عليه من قبل فحرّم ما كان يعتقده حلالًا أو أحلّ ما كان يعتقده حرامًا بموجب رؤية شرعية ومعرفية، كما أنه يمكن أن يكون العكس بالنسبة لأناس آخرين، فربما وقع عندهم نوع من التفريط أو التساهل، وإن كنت أنا لا أفضل استخدام كلمة "التمييع"، لأنني بمجرد أن أسمع كلمة "تمييع" أتذكر الآيس كريم، وكأن الدين هو عبارة عن علبة آيس كريم، إذا جاء عليها حر بسيط ذابت!

وأكد فضيلته أن ديننا فيه ثقة وقوة ومتانة، واستطاع أن يستوعب ألفًا وأربعمائة سنة، وهو في ازدياد واتساع واتساق، وقد جاءت حروب المغول والتتار والصليبيين والاستعمار، وتغيّرت أشياء كثيرة، وظل هذا الدين قويًا ثابتًا عزيزًا منيعًا بفضل الله تعالى ورحمته، والله -سبحانه وتعالى- يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).

إحسان.. وترقٍّ

وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة تتحدث عن الإحسان وعلاقته بالسمو، قال الشيخ سلمان: إنه لاشك أن الإحسان من السمو، والترقي من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، مشيرًا إلى أن الإحسان قد يكون في العمل، ويسمى في هذه الحالة "الإحسان الوظيفي"، وذلك بدلًا من أن تكون الوظيفة عادة، فإنها يمكن أن تتحول إلى نوع من تقصُّد نفعِ الناس وخدمتِهم ومرضاةِ الله -سبحانه وتعالى- والإتقان في العمل، وهذا يدل على أن الوقت يؤخذ بوجه ثانٍ، فلا تظن أنك مشغول دائمًا، ولكن من الممكن أن تضيف إلى وقتك أعباءً إضافية وتستفيد منها.

السمو.. والخيانة الزوجية

وردًّا على سؤال من مشاركة تقول: هل تغاضي الزوجة عن خيانة الزوج لها يعد من السموّ؟ وهل تثاب إذا استمرت مع هذا الزوج؟، قال الشيخ سلمان: إنه لابد من بيان معنى الخيانة، فالبعض قد يطلق الخيانة ويقصد أن الزوج له علاقات أو أن هناك اتصالًا هاتفيًّا أو عبر الإنترنت، مشيرًا إلى أننا ينبغي أن ندرك أن الخيانة مراحل، فإذا افترضنا أن الزوج ارتكب جرمًا، فهناك فرق بين أن يكون الزوج قد ندم وتاب وأعلن استعداده لأن يخلص لزوجته ولأطفاله ولأسرته وحياته، وبين أن يكون مُصرًّا على مثل هذه المعاناة.

وأضاف فضيلته أن الزوج في هذه الحالة إذا أعلن أسفه وندمه والتزم بأن لا يعود أو يكرر هذا وظهر عليه علامات الصدق والتوبة، فإن استمرار العلاقة الزوجية يكون مطلبًا.

نموذج للسموّ

وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة تقول: ما أحوجنا إلى أن نصنع نموذجًا للسمو! قال الشيخ سلمان: إن هذا النموذج شيء مهم ، وليكن هذا النموذج استثناءً، فإذا كنا نطلب دائمًا مستوًى راقيًا من الأخلاق والعلم والمعرفة والعلاقات الشخصية، فإنه يجب علينا أن نحاول أن نصنع النموذج ولو بشكل استثنائي، لافتًا إلى أن هذه الاستثناءات تكثر وتصبح هي القاعدة.

وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة تقول: إنها احتكت بأناس يملكون فكرًا غريبًا هو بمنزلة ما بين الإلحاد وما بين الطعن في الشريعة، وتحتار: كيف تقاوم هذا؟ قال الشيخ سلمان: إن هذه ملاحظة مهمة ، مشيرًا إلى أن هؤلاء اليوم يمثلون قسمًا معتبرًا من الناس في عدد من البلاد الإسلامية، كما أنهم أناس قد لا يكونون غرباء عنّا، فقد يكونون درسوا معنا وهم زملاء أو قريبون، وحينما نجلس معهم نجد عندهم أفكارًا في غاية الغرابة، والذين أصبحوا على هذه الحال يحتاج الأمر معهم إلى احتساب وصبر ومصابرة، موضحًا أن هناك حالاتٍ كثيرةً وقف فضيلته شخصيًّا عليها، وهي من الأشياء التي نحتاج إلى أن نحتسب أن نقدم فيها نموذجًا استثنائيًّا.

وأضاف فضيلته أن مثل هؤلاء الناس ربما لم يجدوا من يسعى إلى إنقاذهم بشكل صحيح، أو وجدوا إنسانًا لم يحسن الخطاب معهم، فزادهم نفوراً. والحال أن هؤلاء ليسوا بحاجة إلى من يعطيهم أحكامًا، فهم ليسوا بحاجة إلى قاضٍ يحاكمهم، ولكنهم بحاجة إلى يدٍ حانية تحاول أن ترفعهم وأن تقدم لهم نموذجًا جميلًا؛ بالكلمة الطيبة والدعوة الصالحة وبتشكيكهم في بعض ما عندهم، فأنت لا تستطيع أن تنقلهم دفعة واحدة مما هم فيه، ولكن تستطيع أن توجد عندهم بعض التساؤلات عما لديهم، فبدلًا من أن يكونوا مقتنعين تمامًا بما عندهم مُصرّين عليه يصبح عندهم شك وتراجع وتساؤل، وهذا يهيئ لجلسة أخرى ربما تطلعهم فيها بخطأ ما هم فيه، أو تقدم لهم البديل الأفضل، وهذا يحتاج من الأشخاص الذين يقومون بذلك أن يكونوا محتسبين في هذا المجال، وأن يقدموا لهم الخطاب الهادئ الموضوعي والحكيم، ويحتسب الواحد أن يكون كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلاَقًا لِلشَّرِّ».

عادة حسنة

وردًّا على سؤال من مشارك يقول: إن لسانه يدرج أحيانًا بأذكار معينة بدون أن يتمسك بمقصدها، فهل يؤجر؟، قال الشيخ سلمان: نعم مأجور، مشيرًا إلى أنه من الجميل أن تكون عادة الإنسان التسبيح أو ذكر الأدعية في الدخول والخروج والقيام والقعود والنوم واليقظة وغير ذلك، فهذه عادة حسنة، وجميل أن يستشعر الإنسان مع الوقت قيمة هذا الدعاء، وأنه يشعره بدفء العلاقة وقربه من ربه سبحانه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِى الأَهْلِ».

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
1- سهير الشامي   |  
مساءً 06:55:00 2011/01/02
التسامح من اجمل الفضائل التي نربي نفوسنا عليها لأنها مصدر راحة للنفس ونقاء للقلب وابتعاد عن الضغائن والاحقاد التي تجعلنا نعمى عن الصور ة الحقيقية والرؤيا الواضحة للامور من حولنا وبالتالي يكون حكمنا عليها اكثر عدلا وصدقا بعيدا عن الضغينة والمحاباة ولهذا تعتبر من اجمل الفضائل لان من الصعب على الانسان ان يتخلى عن عصبيته ونظرته الحازمة لبعض الامور او ان يدرك ان ماكان يعتقده كان بعيدا عن الصواب فقليل منا من يعترف بخطئه او عدم احاطته للامور بشكل جيد جزاك الله خير الجزاء فضيلة الدكتور سلمان وحفظك الله وعائلتك من كل سوء

2- أخت بالله   |  
مساءً 03:26:00 2011/01/03
أشكر الدكتور سلمان على طريقته الرائعة في عرض الموضوع , وخاصة انه يقتبس من مشاركات الناس وهذا يدل على أنه يتابع قضاياهم عن كثب. وذكرني مقاله بقوله عز وجل ((إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)) وتأكيدا لكلامه , لو جعلنا صلاتنا عادة وعبادة وبأنها مقصد في الابتعاد عن ما لا يرضي الله عز وجل , فإننا سوف نتسامى عن الحسد والحقد والضغينة , التي اصبحت منتشرة بكثرة في هذه الأيام. اللهم اجعلنا من الصالحين أعمالا ولا تجعلنا من الخاسرين

3- أم راشد   |  
مساءً 01:22:00 2011/01/05
جزاك الله الف خير ياشيخ ويارب يزيدك من العلم والنور وسماحة النفس وسبحان الله على الموهبة اللي عندك في توصيل العلم للناس بصورة حلوة ومشوقة

4- عبدالواحد شيخ عبدالرحمن   |  
مساءً 04:46:00 2011/01/06
فضيلة الشيخ سلمان خطاباته رائعة ومتميزه ويعالج القضايا والمشكلات بروح حانية ذكيه . الشباب والشابات وكل طبقات الناس بحاجة الي من يعطيهم جرعات من التفائل والسمو واعزاز الذات . لأن دنيا الناس مليئة بالعقبات . داء الحسد والحقد والضغينه من الادواء التي عمت وفشت خصوصا بين الاقران وهي اسقام مرضية مهلكه عافا نا الله منها امييييييين . الوقاية خير من العلاج . وما من داء الا وله دواء فاذا شعرنا هذه الاسقام في دواخل نفوسنا ينبغي ان نصتصحب مراقبة الله عز وجل وانه مطلع بسرائرنا قبل ظواهرنا فاذا رايت تقدما او انجازا حصل به زميلك او نشاطا قام به فافرح به وهنئه وشجعه علي أنجازه . قال رسول الله صلي الله عليه وسلم دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين او كما قال صلي الله عليه وسلم . فابن تيمية رحمه الله بقول لا يخلوا جسد من حسد اما اللبيب يخفيه واللئيم يبديه . فلنكسب قلوب الناس بروح صافية اخوية لا تحمل احقادا ونوايا سيئه وليعتبر كل منا انه بحاجة الي علم وعقل وابداع اخيه .قاعدة ذهبية اعتبرها من درر الامام الشافعي رضي الله عنه . كان الشافعي مثالا لخصال الخير والفضيلة فهو بحق اب روحي لكل النفوس رحمه الله رحمة واسعه . يقول لاخ له الا يصفوا ان نكون اخوانا ولو اختلفنا في بعض المسائل . ترجمة عملية لصفاء النفس من العوالق الدنيئه والاحقاد المفتته والحسد المحرق للجسد ايضا من درره النفيسه قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب . انه يجرد النفس من حظوظها وشهواتها وانانيتها ويلقن للامة دروسا تربيويا نافعا . والله اعلم بالصواب

5- رغدة ابراهيم   |  
مساءً 12:24:00 2011/01/11
جزاك الله ياشيخ سلمان فعلا انت شخصية رائعة ومؤثرة في قلوب الشباب والفتيات بأسلوبك وحديثك عن الأمور الدينية بسلاسة وعن الأمور الأجتماعية بصفة عامة "أحبك في الله ياشيخ"

6- هاجر محمد محمود   |  
مساءً 11:45:00 2011/05/25
بارك الله فيك يا شيخ وجزاك الله خيرا وشكرا للبلاغة المؤثرة النابعة منك ونرجو منك ان تدعو الله لنا \

7- هدير هاجر هدي   |  
مساءً 11:59:00 2011/05/25
جزاك الاه خيرا يا شيخ سليمان واهنئك علي بلاغتك المؤثرة فعلا الخلق هو اداء الواجب لذاته بقطع النظر عما يترتب عليه من نتائج

8- نجوان الكردي   |  
مساءً 07:31:00 2012/01/22
جزاك الله خيرآ ... سبحان الله اسعد ايام الحاسد عندما يراك مريض او فقيرآ ونجاحك فشل لديه وارتقائك كذالك سبحان الله فهو يعناي من داء خطير ...فلا تملك ايها المحسود الا التحصن بالقرآن الكريم والرقية الشرعية اضافة الى الدعاء له والابتعاد عن نظره وعن بيته نصيحتي لك ايها المحسود تغافل عن الحاسد لان التغافل من صفات العقلاء ... اكرر شكري للدكتور سلمان العودة بدعوته للتسامح بشتى المجالات والسبل ...

الصفحة 1 من 1

الشروط الخاصة بالتعليق
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- الهجوم على أشخاص أو هيئات.
2- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
3- لايناقش فكرة المقال تحديداً.
4- إذا كان جهازك لا يدعم العربية اضغط هنا
اضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم