33- شيوخ 2

 

الدراسة المنهجية كانت أربعة أيام في الأسبوع ، وقد فات على صاحبنا شهرٌُ أو يزيد قبل أن يلتحق بها ، وأساتذة التخصص يُعدّون على أصابع اليد الواحدة ، بيد أن الجلوس للتعلم هو درسٌ بحد ذاته .

كان جيداً أن يعود إلى كرسي الطلب والتلقي بعد سنوات من ممارسة الأستاذية والتعليم ، وقد يظفر بتأنيب أو عتب على تأخر في الحضور ، أو خطأ في الإجابة .

فضلاً عن معلومات متفرقة هنا وهناك ،تؤهل لمناقشة الأستاذ ،أو استطعامه الحديث ،وتسجيل بعض الإفادات والدروس والاعتبار، وكان بعض الحكماء يقول :

إن مما بقي من جمال الحياة مجالسة الأكابر ، والاستماع إلى أعاجيب أخبارهم وعبرهم .

والسن لها حكم، فإن العلم لايُؤخذ بالقراءة والحفظ وحسب،بل إن حرارة التجربة والمعاناة تُنضج العقل،وتلقّحه بأهم العلوم وأنفعها وأكثرها احتواءً على الروح البنّاءة .

الأستاذ الكبير محمد أديب الصالح من دمشق ، هو أديب كاسمه ، أديب في شخصه وخلقه وسمته ، هادئٌ في لفظه ومنطقه ، اتصلت به معرفةُ الفتى في دراسته الثانوية ، يوم أن وجد على رفوف مكتبة النهضة كتاباً في نحو خمسمائة صفحة بعنوان " على الطريق لمحات وكلمات " قرأه بإعجاب ، ووجده مقالات متنوعة ، كتبها صاحبها في افتتاحياته لمجلة " حضارة الإسلام " التي كان يرأس تحريرها من دمشق ، وكان يكتب فيها أكابر الأدباء والعلماء والفقهاء .

ثم تعرف إليه عن كثب في السنة التمهيدية ، مدرساً لمادة الحديث الموضوعي ، التي تعالج موضوعات شتى ، كالعصبية الجاهلية ، أو العلاقات الاجتماعية، على ضوء الأحاديث الواردة في الباب .

ثم استمع إليه متحدثاً عبر إذاعة القرآن الكريم من الرياض في موضوعات شائقة ، مقتبسة من هدي السنة .

كان هادئاً وقوراً ، ذا فضل وخلق رفيع .

الأستاذ أحمد معبد عبد الكريم ، أستاذ المادة المتخصص المتعمق ، يدرس المصطلح وعلوم الحديث ، ويتوغّل في دراسة ألفاظ الجرح والتعديل واختلاف الأئمة في اصطلاحهم ومرادهم،ومقارنة المراتب بين المتقدمين والمتأخرين، ويدرّس مادة التخريج،ومعرفة الروايات والطرق والعزو والإسناد،والتعامل مع كتب السنة،كالصحيحين والسنن والمسانيد والمعاجم والمستدركات والمستخرجات ...

وينقل الطلبة للمكتبة ، حيث الدروس التطبيقية العلمية على كتب السنة ، حتى الاختبار يُؤدَّي في المكتبة وين الكتب . هو أستاذ حقاً ، بل هو من أكثر من يؤهل الطلبة ويخرجهم ، ويزودهم بالمعرفة التخصصية ، لغزارة مادته العلمية ، ودقة معرفته ، وجدّيته في الأداء ، وقربه من الطلبة . كان يتحمل عبئاً ينوء بالعصبة أولي القوة ، فهو يدرس كافة المستويات ، ويتولى الإشراف على رسائل علمية ، ويمنح أوقاتاً إضافية للطلاب ويصحبهم في خروجه من المحاضرة ، ويستقبلهم أحياناً في المنزل ، وطالما استقبل طالبه في منزله ، أول ذلك كان بمعية وترتيب الشاب النابه عبد الوهاب الطريري ، الذي أصبح بعدُ صديقَ العمر ، والذي سبق إلى معرفة الدكتور معبد والإتصال به ، ثم توطّدت العلاقة مع الدكتور ، ليصبح مشرفاً على الأطروحة العلمية للماجستير " الغربة وأحكامها في ضوء السنة النبوية " ، وليجيز تلميذه بعدُ بمروياته ، في ثبت حافل بالأسانيد .

الدكتور أحمد معبد نموذج للتضحية والتفاني ، حتى لربما أدركه التعب ، وأجهده حتى يعيا ويسقط ، ولكنه حين يقف للتدريس ينسى ذلك ، ويتعامل بحيويته وحرارته الفطرية .

صبور حسن الخلق والسّمت ، لا يغضب ولا يتبرّم ، حاضر النكتة والبديهة ، خفيف الروح كعادة أهل الصعيد .

حين سأل الطلبة أحد الموظفين بدار الكتب المصرية .. هل يعرف الشيخ أحمد معبد ؟

ضحك وتساءل : كيف لا يعرف من كان يركب معه الباص صباحاً إلى دار الكتب ، ويعود معه في نفس الباص مساء .. فيداوم كالموظفين في المكتبة ؟!

بيد أن الأستاذ يفرط في الاستيعاب والتوسّع ، فيعوقه هذا عن الاستكمال ، لقد أخرج وحقق كتاب " النفح الشذي في شرح سنن الترمذي " لابن سيد الناس ، فأنجز منه مجلدين فحسب ، وكان يكتب في التعليقة الواحدة أحياناً أكثر من مائة صفحة ، ولذا يتوقف العمل أو يتأخر .

الأستاذ محمد عبد الوهاب البحيري ،صاحب أطروحة "الحيل في الشريعة"والتي كانت رسالة دكتوراه ،طبعت فيما بعد وهو محل حفاوة واهتمام من المتخصصين في الفقه وأصوله ، أدركه الطلبة وقد كبرت سنه ، وضعفت قواه ، وكان يأمر أحد الطلاب فيقرأ من شرح النووي على صحيح مسلم ، والشيخ يعلق تعليقات خفيفة ، ويقول : ضع تحت هذا خطاً ، ضع تحت هذا خطاً، للمواضيع المهمة في الشرح ..

ناقشه أحد الطلبة يوماً ، فقال عندي أن الأمر كذا !

قال الشيخ :( يا ابني إنت ما لكش عند ) !

لا يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ....ومن أنتم حتى يكون لكم عندُ ؟!

والطالب أحيناً يكون محتدماً مفرطاً في الجدّية ، يجادل عند كل مسألة ، ويستوقف عند كل كلمة ، بينما التجربة الحياتية ترشد إلى أن السهولة والإمرار والعفو هي من أخلاق الحكمة ، وأن التنطع وكثرة الإيقاف والملاحظة دليل على ضعف الفقه والبصيرة .

حصة الشيخ كانت ثرية بالطرافة والتعليقات الجادة والهازلة .

مادة الثقافة الإسلامية كانت مشتركة بين طلبة الأقسام في الدراسات العليا ، إذ يلقي أحد الأعلام أو المتحدثين محاضرة أسبوعية في قاعة كلية الشريعة في مبناها القديم ، وتُطبع المحاضرات في ملازم يختبر فيها الطلاب ، وهي المادة الوحيدة التي نال فيه الدرجة الكاملة ، وكانت سبباً في رفع معدله على زملائه ، ربماً كان مهتماً بموضوعاتها ، بينما الكثيرون يرون أن مادة الثقافة ليست من المقررات الجادّة ، وقد يستغرب بعضهم تقريرها على الطلاب ..

مناهج البحث مادة ذات أهمية كبيرة ، كان يدرسها د. عبد السلام عبده ، وهي تُعنى بطريقة إعداد البحث شكلاً ومحتوى ، وقد أعد فيها صاحبنا بحثاً في تلك السنة بعنوان " ضوابط للدراسات الفقهية " .

لقد تخرج من في كلية الشريعة ، وله عناية بالفقه ، وهو الآن في أصول الدين ، وهذه الحالة المخضرمة ولدت هذا البحث الذي سبق الرسالة العلمية ، وقد أتمه بعد ذلك ، وطبعه في كتاب متداول .

صورة العديد من الزملاء متحلّقين حول الشيخ في مكتبة الكلية هي انطباع يصعب نسيانه ، محفورة في الذاكرة بجدها وهزلها ، وشخوص تلك المرحلة باقية لا تزول .

الأساتذة والشيوخ ، والجهاز الإداري في الكلية ، والزملاء الذين استحكمت العلاقة معهم ، والجو العلمي والتكويني هي عنوانات خلابة لسنة عمرية ، بدأها خجلاً لمقابلة أناس لم يعرفهم من قبل وقد تأخرت بدايته عنهم ، ثم اندمج فيها حتى تمنى أن تطول ، وخرج منهم بزاد أيّ زاد ، ليس أقله أن ظفر بمعرفة ثلة من الزملاء الذين كان لهم أثرهم على شخصه وحياته لا يقل عن أثر الكثير من الشيوخ والمربين والمعلمين ، وهذه مادة لحديث قادم أثير .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات