39- أصدقاء

 

قدر جميل أن يكتب عن شقه الآخر في يوم مقمر ، والكلمات ورود تتسابق بين يديه ، أيها يلبس معطف ذلك الفتى ؟

ربما هو الآن يتذكر شبابه الأول ، في وجه رفيق دربه .

تلك الكلمات التي حرم منها كثيراً ، حُرم أن يكتبها ، أن يقولها ، أن يرسمها لأي أحد ، حتى لا تتشوّه ، هو الآن يكتبها محضاً من الصدق والوفاء في سياقها الملزم .

جرب تباريح الزمن ، وتفاصيل الصدقات ، وتنوّع الوجوه ، كان هذا الوقت هو الأليق به ، وقت الوجوه التي تمر سريعاً، وترحل سريعاً ، وبعضها يرحل مشوهاً ، كما دخلت وجوه أخرى بنفس الطريقة .

أماسي تلك السنة الجميلة كانت تجمع مايربو على الخمسة عشر على مقاعد الدراسة التمهيدية ، وهو يكبر بعضهم بنحو ثلاث سنوات ، ولم يكن يظن أنه أمام علاقات جديدة ، ستكون هي الأهم والأبقى في حياته.

الفتى الآدم ، الممتلئ حيوية وثقة ، وتطلعاً للحياة يبدو هو الرابط بين أطياف متنوعة في جنسياته ( من تونس : الحسين شواط ، ومن الصومال : محمد علي إبراهيم ، وعلمي طحلو ، ومن مصر ،... ).

وفي مناطقها ( من أبها : عايض القرني ، ومن الرياض : سعد الزيد ، ومحمد التركي ، وحمد الشتوي .. وآخرون ) .

ومن القصيم : سلمان العودة ، وعبد الرحمن المجيدل ، وحمود الصايغ ، وعبد الرحمن الزميع ، ومحمد العمران ... الخ ، والمختلفة في اهتماماتها العلمية والعملية ، وتكوينها المزاجي والنفسي .

أبى إلاّ أن يقتحم عالمهم ، بأخلاقه الكبيرة ، وكرمه الفطري ، وعطائه الثَّرّ ، وأن يكون منزل عائلته بالشفا جنوب الرياض مرتاداً للأصدقاء ، وجلسات سهرهم وسمرهم ، وفرصة للتعرف على والديه وأصدقائه ، وإخوانه الكبار والصغار ، والتي عادة ماكان يبدؤها بنكتة أو طرفة تجعل أول العلاقة ضحكة ، وليس ابتسامة كما كان يقول شوقي !

يستحوذ عليك لتوافق من حيث تريد أو لا تريد على موعد للغداء وآخر للعشاء ، وثالث للقهوة العربية والتمر ، ورابع للشاي الذي يدمنه ، ويتعاطاه في أكواب كبيرة ، حتى أثناء قيادة السيارة !

يحصل على الموعد الذي يريد ، ويعطل ملكة المقاومة أو الاعتذار ، بقدر ما يتمكن من إفشال أي محاولة منك للحصول على موعد لدعوته !

ثم يتمسك بك ، حتى ربما أغلق الباب بالمفتاح ، ليستبقيك أكثر !

عاطفي يحب حتى الثمالة ، وبكل قلبه وجوارحه ، فالحب عنده لايعرف أنصاف الحلول ولا يؤمن بالوسطية :

الحب مغامرة كبرى....إبحارٌ ضدَّ التيارِ

لا يصلحُ إنسانٌ وسطُ....مابين الجنةِ والنارِ !

يسلم قياده لقلبه ، ويسير وراءه راضياً مختاراً .. وهو يردد :

مساكينُ أهلُ الحبِّ حتَّى قبورُهمْ....عليها تُرابُ الذُلِّ بينَ المقابرِ

والحب عنده ليس كلمات تُقال فحسب ، فالحروف تموت حين تُقال ، ولكنه ممارسة وبذل ، وتضحية وعطاء بغير انتظار .

عقلاني يفكر بكل عقله ، ويرتاد آفاق المعرفة والتأمّل ، ويستسلم طائعاً مختاراً لمقتضيات الإيمان بالله ، وغيبه وألوهيته ، وقضائه وقدره ، يعرف أين يُقْدِمُ .. وأين يٌحْجِمُ .. وأين يطلق عنا الفكر ليسترسل ويبحث ، وأين ينهنه ليقف مؤمناً محتاراً ، طائعاً مختاراً :

فيك ياأعجوبةَ الكون....غدا الفكرُ كليلا

أنت حيرت ذوي اللبِّ....وبلبلت العقولا

كلما أقدمَ فكري....فيك شبراً فرَّ مِيلا

ناكصاً يخبطُ في عَمـ....ـياءَ لا يُهدى السبيلا

متحدث بليغ ، يملك زمام اللغة ، ويحسن توظيف مفرداتها ، متلقياً عن أكابر أئمتها المتقدمين ، كالجاحظ وابن قتيبة ، والمتأخرين كالعقاد والمازني والزيات والطنطاوي وأضرابهم ..

يسلس له القول باللفظ ، فيخطب على المنبر بإلقائه المتميز ، ونبرته المحببة ، حتى جاز أن يوصف بأنه خطيب العاصمة ، وصار العديد من الشبيبة يحاكونه في إلقائه ، وبحّة صوته ،وتحدّر ألفاظه ، مزواجاً بين عاطفة مشبوبة ربما بكت وأبكت ، وبين رؤية عقلانية متزنة ، مشبعة بواقعية الحياة ، ويكتب فيسيل القلم توصيفاً وبراعة ، وتصويراً يأخذ الألباب .

عرف أن المنبر ليس درجاً يُصعَد ، أو عباءة يُتّشح بها ، إنما هو صوت المعاناة والألم يبوح ، فترجع العصافيرالشاردة إلى قلوب الناس .

وعدَ فوفَّى ، فأدمن الوفاء ، ورهن حياته لهذا المبدأ العظيم ، مهما تبدلت حالاتها ، حتى لكأنه المقصود بقول المتنبي :

وَحالاتُ الزَمان عَلَيكَ َشتّى....وَحالُكَ واحِدٌ في كُلِّ حالِ

أيام طويلة متصلة ، وبيته الجديد المجاور لمسجده الجامع شاهد على مؤنسات مفعمة بالسرور والابتهاج والغبطة الغامرة ، ونجمها المتألق عايض القرني بمحفوظه الشعري الذي يتغنى به بصوت رخيم ، خاصة أشعار المتنبي وأبي تمام وأبي العلاء ، ونوازع من مختارات الشعر العربي القديم ، مع ضميمة من شعر المحدثين ، كالبردوني ونزار قباني ، إلى طرائف ضاحكة ، يضحك لها حتى تدمع عيناه ، ويستغرق حتى يقوم من مجلسه ، إلى مسامرات علمية وفوائد ونوادر .

صلة حسنة بالعديد من من الشخصيات العلمية ، حضور مجلس الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – بعد صلاة الفجر ، وقراءة العديد من الكتب ، آخرها الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ، وصلة بسماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – مفتي الديار السعودية لاحقاً – في الكلية والمنزل والمسجد ، وصلة بسماحة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ، ومحاورات مثمرة ، في كوكبة من أماثل أهل العلم ، الشيخ الدكتور محمد أحمد الصالح ، وصفوة من أعيان العلماء والمربين والمفتين .

شهادة الماجستير في السنة النبوية ، ثم يحتدم النشاط ويتنوع ، وتتفتح الآفاق والفرص ، دروس ومحاضرات ، وخطب وكتب وكتيبات ، وأحداث الخليج تلقي بظلالها المتوجسة الوجلة ، ثم تضيق الحلقة ويستحكم الإغلاق ، فيجدها فرصة لاستكمال الدكتوراه ، فيعكف عليها ما بلين البيت ومكتبة المسجد ، لكن اتصاله الروحي برفيق دربه لا ينقطع ، والعلاقة الحميمة التي توطدت مع الأسرة تظل راسخة ، فالوالدة والأهل والأولاد محل حفاوته وسؤاله وطرائفه ، وربما حاكاهم في عباراته ، فَسَأَلَ العجوزَ عن مرض "القليون" ، أو داعب الصبي ببعض كلماته الملثوغة .

يغيب رب البيت ، فيكون خير حافظ للود ، حفي بالأهل ، متابع لحالة الأولاد في درسهم وسلوكهم وصحبتهم ، وتعويضهم العاطفي .

يراهم فيرى طريقاً طويلاً من الهجير البائس وكل أصواتهم حنين لكاسيهم ومطعمهم ، فيحمل الهم همين ، والألم ألمين : هم الرفيق البعيد ، وهم السؤال البريء .

كأنّ كلَّ سؤال في مسامعهِ....قميصُ يوسفَ في أجفانَ يعقوبِ

يخرج فيجد وجهاً حوّله البعد إلى وجه بدري تتقطع السحب دونه ، فيشعره بنوع من الأسى والحنين ..

اللقاء في تلك الليلة لم يكن لقاءاً عادياً ، دموع أبت أن تنام في العيون ، وكلمات رفضت أن تفصح عن ذاتها ، وكف تتوجس نبض الكف الغائبة هل لاتزال دافئة ؟

كان لقاء كالقدر المكتوب ، بل هو قدر مكتوب !

تفكير مبكر باستطلاع معرفي يجمع آراء العديد من المختصين حول " نحو فضاء جديد للدعوة " يدرس بسبق زمني ضرورة استيعاب المتغيرات ، وتطويع التقنية للدعوة ، واستخدام الإنترنت ، والفضاء والإعلام والعلاقات ، بدلاً من التقوقع والانكفاء .

ومن مخرجات هذه الدراسة يولد موقع ( الإسلام اليوم ) فكرة بسيطة ، وشخصية تتطور لتكون موقعاً شمولياً ، فبوابة للعديد من اللغات ، ويتحول إلى مؤسسة إعلامية تحتضن مجلة بذات الاسم ، وقائمة من المطبوعات المختارة ، ووسائط متنوعة ، وبرامج تلفازية .. لتدخل عالم البث الفضائي من أوسع أبوابه .

المكتب العلمي ، إعداد الكتب ، ومتابعة صياغتها بكل تفاصيلها ، والإشراف الدقيق على مضمونها ..

تقويم الأعمال ، ومراجعتها وتطويرها ، ونقلها عبر مراحلها ..

السهر على العمل بجملته في إدارته وفي توفير احتياجاته المادية والبشرية ، وفي بث روح التضحية والبذل لدى قياداته .. وفي تذليل الصعاب والعقبات أمامه .

النظر المستقبلي بطموح وتفاؤل يتواكب مع رغبة العاملين بل يسبقها ..

صحبة حياتية مستديمة بدأت هادئة على مقاعد الدرس ، لا يدرك هذا ولا هذا إلى أين تتجه ؟

واستمرت في تحولات شتى ، من سفر وإقامة ، وحل وترحال ، وضيق وسعة ، ونشاط وتوقف ، كانت مع الدرس والمحاضرة والاجتماع والجلسة ، ولقاء الموافقين ، والإعراض عن الكاشحين والمنتقدين ، وفي صياغة الأفكار ، وتحديد المواقف ، وإن شئت فقل : في تفاصيل العمر كله ، دون استثناء ..

هكذا هم الرجال الذين تعلموا كيف يستوطنون حقول النفس ، بطريقة رائعة ، لايمكن أن تفرط فيهم الحقول ، وقد جربت مطرهم ودفأهم ..

ذلك كله ، وغيره كثير ، هو بعض ما انغمس فيه بتفان ، ونكران للذات ، وإخلاص كبير .. عبد الوهاب بن ناصر الطريري .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- احمد الناصر - الاردن
    03:57:00 2009/04/05 مساءً

    اتمنى أن أكون صديقا للشيخ سلمان ، وأن التقي به ، لما له من خاصية فريدة يتميز بها في عصرنا الحالي

  2. 2- صابرين
    05:34:00 2009/07/10 مساءً

    شيخنا مبدع علم و أدب و سلاسة أمتعتنا مذكراتك بوركت أمة أنجبتك "

  3. 3- ام عبد الرحمن
    10:08:00 2009/07/27 مساءً

    ادعو الله العظيم ان يحفظ شيخنا من كل مكروه وفتنه وان يبلغني في ذريتي ما يلغه الشيخ من علم وصلاح

  4. 4- سمية
    11:55:00 2009/09/28 مساءً

    أدام الله صداقتكما ومحبتكما اللهم أظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك اللهم آميين

  5. 5- بــــــــــــــــــــــــــــــــارة
    12:49:00 2010/01/04 صباحاً

    ظللكم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رباه فاجمع الأحباب في عدن ذاك اللقاء فلا هم و لا كدر

  6. 6- البكري
    12:24:00 2010/01/26 مساءً

    السلام عليكم يا شيخ / سلمان اسعد الله اوقاتك بكل خير اكتب عن زملاء الدراسة في الكلية .. هل لا زلت تذكرهم فردا فردا ؟ أم ان الشيب وعامل السن له اعتباره ؟؟ رغاك الله ووفقك اينما كنت ====== احد زملائك السابقين