38- ..وأصدقاء!

 

صحراء الجزيرة لاسعة , وهجيرها لايمزح ! ، فتعطش القلوب ، وتظل النفوس بين القلق والتطلع ؛ مشدودة بانتظار قطرة ماء باردة ، يالله ..! وماتستوي الظلمات والنور(ولا الظل ولا الحرور) , ولا الأرض العمار , ولا الغمار !

اكْتَشِفْ هؤلاء العابرين ! حتماً سيكون فيهم مَن روحه شقيق روحِك ، تتعارف فتتآلف ، ولو لم تكن قادرة على التفسير؛ فتتدافع لقطع المفازة بفرح واغتباط ، ولا تسمح لخطرات الحزن والإحباط أن تئد الطموح, أو توقف العطاء .

قد تلتقي صديق العمر عند أحد رفوف مكتبة أو على قارعة طريق أو أي صدفة أخرى تصبح هي الفصل الأول لقصة صداقة عريقة .

في تلك المكتبة الحديثية بكلية أصول الدين بالرياض كانت تُقام معظم الدروس، الطلبة يتحلّقون حول طاولة ممتدة ، يجلس في صدارتها الأستاذ, وبين يديه كتاب يقرأ فيه ، أو يعلق عليه ، ولا تبدو الحاجةُ ملحةً إلى الكتابة على اللوح ، وقد يتسلل الملل والخمول إلى الجوّ ، ويستثقل الجماعة الدرس ، فلا ينعشهم إلا تعليقٌ ضاحك من أحد الطلاب .

" الفتى الجنوبي " هو أبو نكتتها ، والطّرفة تجري في دمه بلا تكلّف ، كأنما يلهمها إلهاماً ، أو تُساق له سَوقاً ، فهي تصادفه في كل مكان ، وأطرف منها حكايته لها ، وقد يصنع الطرفة على نفسه ، فيضحك منها بأريحية ويُضحك !

توطدت العلاقة بين كوكبة كأصابع اليد الواحدة ، وكان بيت الشاب عبد الوهاب في السويدي ، ثم في العليا هو مكان السمر حيث القلب المفتوح ، والسرور ، والكرم ، والصحبة المأنوسة .

في جامع الملك عبد العزيز كانت أولى المحاضرات:

" احفظ الله يحفظك "

الجمهور الحاشد ، والإلقاء المميز ، والروح الوثابة كانت أهم الملامح, وتلك كانت الشرارة ؛ فقد سجلت المحاضرة في شريط شاع وذاع ، وكان بداية لسيل من المواد السمعية التي شرقت وغربت وبيع منها الملايين في أنحاء العالم ..

صوت شبابي جذّاب ، وعاطفة مشبوبة ، وانسياب فقهي ، واستشهاد شعري ، ونصوص محكمة ، مع مسحة من نقد الواقع .. تلك كانت مؤهلات " الشاب عايض بن عبد الله القرني " للنزول إلى الميدان .

ويتسلل الرجلان للخروج من المسجد من بين الزحام ، وتأبى الطرفة إلا أن تلاحقه على صورة فتى يركض وراءهم وهو يصيح :

" تكفى يا شيخ تكفى .. حديث علي في الفأرة ! " .

المعيد عايض القرني متفرغ للماجستير ، فلا غرو أن تطول ليالي السمر ، وأن يكون محفوظه الشعري والقصصي مادة الحديث ، الذي يطرب له الجلساء ، وربما وعظ فأبكاهم أو مزح فأضحكهم فهو نديم يبكيك إذا شئت , ويضحكك إذا شاء ؛ فلك الأولى وليست لك الثانية .

يتكلم في مناسبة عامة مثنياً على أحد أصحابة : فلان بضعة مني !

وحين عاتبه وقال : إن مثل هذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة -رضي الله عنها- ، ولكن لا يقوله القرين لقرينه وزميله ؛ يجيب على الفور : أنا أذهب إلى حديث طلق بن علي ، وليس إلى حديث فاطمة ( !! ) .

يأتي إلى القصيم ، ويلقي محاضرة " الشباب والطموح " مستهلاً بأبيات شعر تحمل الحب والترحاب, وتثني على شخوص ورجالات، مستطرداً بأن صاحبه عبد الوهاب قال له في الطريق: إنك تأتي قوماً "أهل كتاب" وسنّة .. مؤكداً أن لو سلك الناس شعباً ووادياً لسلك شعب القصيم وواديه .

وفي جامع أبي بكر بأبها حيث يصلي إماماً بالناس ، ويلقي الخطب المؤثرة ، منطلقاً على سجيته ، مستعيناً بزاده الثقافي ومحفوظه التراثي، على أنه ربما فاجأه الموقف وضايقه الوقت فتحدث في شؤون شتى ، وشرق وغرّب ، فإذا سألوه :

ما نضع عنواناً للخطبة ؟

قال : " شعاع في الأفق ! " .

مسامرات وأسفار وحبّ متبادل ، وصوت أبي عبد الله لا يكاد يغيب وهو يحتسي كأس الشاي الأخضر, ويحك ناصيته, وقد تعارّ الليل :

أَعيدوا صَباحي فَهوَ عِندَ الكَواعِبِ....وَرُدّوا رُقادي فَهوَ لَحظُ الحَبائِبِ

إِلَيَّ لَعمري قَصدُ كُلِّ عَجيبة....كَأَنّي عَجيبٌ في عُيونِ العَجائِبِ

إِذا عَلوِيٌّ لم يَكن مِثلَ طاهرٍ....فَما هُوَ إِلّا حُجَّةٌ لِلنَواصبِ

يَقولونَ تَأثيرُ الكَواكِبِ في الوَرى....فَما بالُهُ تَأثيرُهُ في الكَواكِبِ

وقد يسوق البيت لمناسبة مما تقتضيه تكاليف الحياة ، كأن يسمع ذامّاً فيقول :

إِنّي وَإِن لُمتُ حاسِدِيَّ فَما....أُنكِرُ أَنّي عُقوبَةٌ لَهُمُ !

الشيخ ابن باز معنى مشترك لدى الجميع ، هدوء النفس ، والتواضع وقوة الاحتمال ، وسلامة الصدر جعلته موئلاً للهموم ؛ درس يتعثّر، أو محاضرة تُوقف ، أو مشكلة هنا ، أو نازلة هناك .

ينتقل الشيخ إلى الرياض ، ويستضيف كوكبة من طلبة العلم على رأسهم ابن باز ، ويلقي قصيدة في مدحه .

ثم يلقاه في حفل التوعية قبيل موسم الحج بحي العزيزية بمكة المكرمة حيث بيت الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- ، ويلقي الشاعر عايض القرني قصيدة " أبي ذر في القرن العشرين " :

دمعة الزهد فوق خدك خرسا....ووجيب الفؤاد يحدث جرسا

أنت من أنت..يا محب..وماذا....في حناياك ..هل تحملت مسا؟

ما لهذي الدموع ..مالك صبٌ....حالكم مأتمٌ وقد كان عرسا

لاطفوني هددتهم بالمنايا....هددوني لا طفت حتى أُحَسَّا

أركبوني..نزلت أركب عزمي....أنزلوني ركبت في الحق نفسا

وكعادة الشيخ يعلق على الكلمات والمشاركات ، وحين يصل إلى قصيدة أبي ذر يقول : أما الشيخ عايض فإنه ذكر أن أبا ذر نزل في الرمال ، ودخل في الرمال ، وخرج من الرمال .. وليته وضّح وبيّن ..

وعرف الشاعر من أين أُتي ، وكان موعد الاستدراك في آخر الموسم ، في حفل الزاهر حيث ألقى منظومة سهلة مطلعها :

يا مركز الخير حيوا لي محياه....نداء حق من الفصحى سمعناه

كن كالصحابة في زهدٍ وفي ورعٍ....القوم هم ما لهم في الناس أشباه

عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهم....كم عابدٍ دمعه في الخد أجراه

وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم....هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

وعلق سماحة الشيخ وأشاد بالقصيدة, ودعا لصاحبها أن ينفع الله به ، ويبارك فيه ، ويوفقه لكل خير .

وقدم له في جامع الراجحي وخاطبه :

أدعوك للعلم الشريف رواية....عن مالكٍ ومسدد بن مسرهد

وهي المحاضرة التي تحدث فيها رحمه الله عن السلام مع اليهود وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم ، والأمر موكول إلى المصلحة .

وأحدثت هزّه إعلامية واسعة .

وكتب في قصيدة " البازية " :

قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي....فقمت أنشد أشواقي وألطافي

لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا....فهو الغفور لزلاتي وإسرافي

وعلمك الوحي لا من علم حضرته....رأي الرجال ومن كافٍ وكشاف

و" الكافي " و " الكشاف " اسمان لكتابين محتملين ، فهل قصد الشاب السلفي المقبل على علم الحديث التقليل من كتب المذاهب ، كالكافي وكشاف القناع ، أم قصد نقد كتب الفرق كالكافي للكليني والكشاف للزمخشري ؟!

تتفرق الدروب ، وتستحكم الحلقات ، ويسكن الصوت الجهير ، ولكنه يجد في خطبة الحرم ما يحرك لواعج الشعر ، فينطلق على سجيته ممتدحاً :

أيها الشعر .. أنت أنت الحداء....غن شعراً تصغي إليه السماء

رتل الحق ساطعاً يفضح البهتان....فالحق عزة شماء

لا ترائي يا شعر واسكب شجونا....فقبيح لدى الكرام الرياء ..

فيدفع ثمنها في دار أبي سفيان شهوراً تسعة ، أوحت إليه ب " حدائق ذات بهجة " وألقت في روعه فكرة الكتاب الذي سطره بعدُ ووسمه ب " لا تحزن " والذي بيعت منه ملايين النسخ ، وتُرجم إلى أكثر من عشرين لغة ، وتداولته أيدي الشباب والفتيات في كل مكان .

قارئ نهم لكتب الشريعة واللغة والأدب والشعر والتاريخ والتراجم، وصاحب ملكة فذة في الحفظ والاستيعاب والاستحضار ، يحفظ الشعر ، ويطرب له ، وربما أعجب بالقصيدة فاندمج فيها ورددها وحاكاها وزناً وقافية وموضوعاً.

يزيد محفوظه على عشرة آلاف بيت ، هو صاحب هوى, ولكنه سنيٌ ، قرأ مرة في الأغاني :

وقالوا صحيرات اليمام وقدموا....أوائلهم من آخر الليل في الثقل

مررن على ماء العشيرة والهوى....على ملل.. يالهف نفسي على ملل

فصاح ، وقال : " خلاص الله يعوضكم فيّ خير " وكاد أن يفعل كما فعل ابن أبي عتيق ، الإمام الجليل ، حفيد أبي بكر الصديق ، حين سمعها وهو يصلي ، فلما فرغ من صلاته نام على جنبه ، ورفع رجله ، وقال : (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) !

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- سمية
    11:09:00 2009/03/03 مساءً

    لا أدري أغبط من بمن! هنيئاً لكم ببعضكم وجمعنا الله بكم مع الحبيب المصطفى في جنات ونهر قول آمين يا شيخ :)