34- المعيد والمفيد

 

عاد (في سنة 1405هـ) إلى كليته التي تخرّج منها "الشريعة" تحت اسم : معيد، وهو اسم تراثي ذكره السبكي ونحوه للطالب الذي يعيد شرح بعض المسائل بعد الشيخ.

وريثما يُسجل الأطروحة ويحضرها ويناقشها، فالمعيد يحل أزمة الأساتذة بتدريس بعض المواد التخصصية، وبالذات مادة الحديث النبوي، والمصطلح، والتخريج.

الكتاب المعتمد هو "سبل السلام" للإمام الصنعاني، وهو شرح لكتاب "بلوغ المرام من أحاديث الأحكام" للحافظ ابن حجر، والحق أنه ليس فيه مادة علمية ذات قيمة عالية، وغالب ما فيه مقتبس من " البدر التمام " للحسين بن محمد المغربي، سوى آراء متفرقة للمؤلف في مسائل، وهي مما انفرد به المؤلف، وخالف فيها المشهور أخذاً بظاهر الدليل، وهذا مما يحمد له، أصاب أم لم يصب، فليس الاجتهاد على شرط الصواب، وإلا لم يسم اجتهاداً!

ويضاف إلى ذلك نقله واحتفاؤه بآراء الإمامين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- في مواضع أخرى من الكتاب.

ومن الناحية النظرية فالطالب الجامعي غير مرتبط بمقرر أو كتاب خاص، بل لديه أبواب وكتب وموضوعات وأحاديث ومسائل فقهية، يدرسها من خلال النصوص، ولكن عملياً فأكثر الطلاب لم يتهيئوا لذلك، وذكر مصدر لهم يعني الاكتفاء به عما سواه.

ومن الناحية النظرية أيضاً فالأستاذ الجامعي لا يلزم أن يشرح المقرر كله، إذ يكفي أن يشرح نماذج منه، ومن ثم يحيل الطلبة على مراجع علمية، ولكن عملياً فما يشرحه الأستاذ غالباً هو المقرر المعتمد الذي تدور حوله أسئلة الامتحان.

لم يكن جديداً على التدريس بعد خبرة السنوات الأربع في المعهد العلمي، فلا قلق يذكر من مواجهة الطلاب، ولا من إعداد المادة، على أن مما يعتز به حتى اللحظة أن قدراً معتدلاً من القلق يساوره كلما هم بحديث، أو تهيأ لمحاضرة، أو تصدر في درس أو مجلس، ليس القلق المفرط الذي يبغض إليه العمل والأداء، ولا الإهمال وعدم المبالاة المعبرة عن عدم احترام المستمعين والاستعداد لهم بما يليق بهم..

ألقى آلاف المحاضرات، والمواد المسجلة له نحو ألف مادة، وما ضاع منها، أو لم يوثق أصلاً يزيد على ذلك أضعافاً، ولا زال يحمل هيبة ذلك المقام، ويرتب ما يجب أن يقوله، ويُعد الأدلة والنصوص والأمثال والقصص والأشعار، ولو في ذاكرته أو في قصاصة صغيرة.

ومما يعتز به حتى اللحظة أنه لا زال غير راض عن أدائه من بعض الوجوه، ويحاول أن يتعلم ويتعلم المزيد من المعارف والمعلومات، ويتعلم طرائق الإلقاء والحديث والتأثير، ويتعلم قبل ذلك وبعده طرائق التفكير والتأمل والنظر.

أدرك من تدريسه في المرحلة الجامعية أن المشكلة الأولى لدى الجادين من الطلبة هي سرعة منح الولاء للفكرة، والتشبع بها، ومنحها القداسة دون تمحيص، وسرعة التأثر بالجو المحيط والاستسلام لطالبه، وكأن الطالب ينظر من حوله إلى مصائر المتمردين وما آلوا إليه، فيستعيذ بالله من مصيرهم، ويزايد على ذات الأفكار التي حوكموا بموجبها، وكأن لا طريق إلا الاستسلام أو التمرد، أما الصبر والتأني والحلم والحكمة فهو ما لا يأتي إلا لماماً، وأما تقليب النظر والرأي، والقعود في موضع المخالف والتأمل في أدلته ومقاصده وزوايا نظره فلا يقبله لنفسه أصلاً!

المنهج الجامعي يحتفل بالمقارنة بين المذاهب والأقوال، ويسمح بسرد الأدلة وحكاية وجوه الاستدلال، ولكن لا يعلِّم الطالبَ طريقةَ التفكير، ولذا يقبل المتعلم بأريحية قولاً ما في مسألة كبيرة الأهمية لأنها صارت تاريخاً، أو لأنه لم يتلق فيها قولاً لشيخه أو لمجتمعه!

وقد يكون القول منطوياً على غرابة أو مخالفة لنصوص صريحة، ولكن بالنظر لنصوص أخرى في الباب.

وتجده عاجزاً عن إطراء هذا المنهج في مسائل أقل أهمية وأقل وضوحاً؛ لمجرد أنه تلقن فيها رأياً على قاعدة:

أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى....فـصادفَ قلبي فارغـاً فتمكَّنا

ولا غرو أن تجد شاباً يتحمس لرأي أبي حنيفة في سقوط الصلاة عمن لا يأتيه وقتها باعتبار أن الوقت هو سبب الوجوب، كالذين يعيشون في المناطق القطبية وما حولها، وقد لا يوجد وقت لصلاة العشاء عندهم حيث لا يغيب الشفق إلا بطلوع الفجر.. أو ما شابه، أو يجادلك في رجحان القول بسقوط صلاة الظهر عمن وافق العيد عندهم الجمعة، فصلى العيد، فلا جمعة عليه ولا ظهر، احتجاجاً بالنقل عن ابن الزبير أنه صلى العيد، ثم لم يخرج إليهم حتى صلاة العصر، وبأنه قول لبعض أئمة السلف..

ومع احترام هذه الأقوال، إلا أن الرشد يقتضي ألا يتعجل المبتدئ بمثل هذه الترجيحات التي تحتمل من أئمة عظام، ولا تقبل من متعلم حديث العهد بالشأن!

ولكنك تجد الفتى نفسه صاحب هذه الترجيحات " نشبة " في مسائل عادية، يعظمها ويفخمها، وتكبر في نفسه؛ حتى تصبح مورداً للولاء والبراء، والانسجام النفسي، ويفترض نفسه فيها "مجاهداً " يمشق الحسام للذب والدفاع، وإسكات الخصوم، ودحض المعرضين، وتفنيد "الشبهات"!

درّس طلاب الشريعة وأصول الدين الذين تعتبر المادة عندهم مادةَ تخصص، وقد تلقوها من مدرس الفقه، وبعضهم أخذها عن الشيوخ في المساجد، وفي تلك المرحلة كان صيت العلامة الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- في ازدياد، ودروسه تتلقى العديد من القاصدين، وآراؤه الفقهية تستقطب المتفقهين والطلبة، وعادة ما تكون محل حوار وجدل في قاعات الدرس.

درّس صاحبنا لهؤلاء المتخصصين صلاة المسافر وقصر الصلاة، وكان للشيخ فيها رأي خاص يتوسع فيه بتعريف السفر، ولا يقصره على مدة محددة، كثلاثة أيام أو أربعة أو أسبوع، كما هي عادة الفقهاء، ويميل إلى رأي بعض علماء السلف وابن تيمية ومدرسته في أنه مسافر أبداً ما لم يُجمع ويُزمع إقامة، ولو مكث سنين.

وكان هذا ميداناً للمحاورة بين أصحاب المذهب، وبين منتحلي هذا القول ومعززيه بالدليل.

وبعيداً عن العوام وأشباه العوام والسماعين للعوام الذين يستخدمون النبز والتحقير لكل رأي جديد لم يسمعوا به من آبائهم الأولين، كانت مواقف الطلبة تتفاوت تفاوتاً شديداً، بين من يميل لهذا القول، ومن يتردد، ومن يعارضه، ومن يعتبره قولاً محدثاً خارجاً عن أقوال الأئمة، وتفسيراً غير دقيق لشروح ابن تيمية.

هو قول معتبر، وإن كان محتاجاً إلى ضبط ودقة في التطبيق، هكذا كان يقول صاحبنا.

وإلى جانب هؤلاء درَّسَ الأقسامَ غير المتخصصة، كالجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والتربية، حيث الأحاديث لا تتعلق بالأحكام، بل بالآداب والأخلاق والتربية، فهي مختارات من كتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي، مع شرحها من كتاب "دليل الفالحين"، ويحذف الأستاذ ما يتعلق بأبواب الاعتقاد من الشرح حيث قرره المؤلف في بعض المواضع على غير طريقة السلف.

والطلبة هنا أسلس قياداً، وأبعد عن التكلف المعرفي، والدرس الأكاديمي، وبهذا يميل العديد من المعيدين غير المتفرغين لهذه الأقسام، لسهولة مؤونتها، وخفة تحضيرها!

بيد أن صاحبنا يشاطرهم هذا الميل للسبب ذاته، ولاعتبار آخر هو المقصد التربوي لطلبة يتخرجون من كلية إسلامية دارسين العلوم حياتية، فهم محتاجون لتعميق القيم والمفهومات والمعاني الشرعية في نفوسهم.

أثقل عليهم يوماً بطول المقرر، وكثرة المذكرات، وحين رأى تبرمهم قال : إذا كان مقصودكم بالمذاكرة النجاح فلا تذاكروا، من حضر الاختبار فهو ناجح، فالأسئلة يسيرة ولا كلفة فيها، لكن من أراد المعرفة والتكوين التأسيسي فليقرأ بهذه النية.

لا يعتقد أنه حابى أحداً أكثر مما يقتضيه طبعه السهل، ولكن الذي حدث فعلاً أن الطلبة كلهم نجحوا إلا من لم يحضر الامتحان !

ثمت هدف آخر، كان يتعرف على النوعية التي تناسبه، ويمكن أن تعمل معه، ولم يكن لديه معايير، بقدر ما كان الانجذاب الذاتي يسبق المعايير جميعها.

ومن طريف الأقدار أن الأستاذ خالد بن فهد البهلال، الذي يتولى تصحيح هذه المقالات، وإعدادها للطباعة، ويراجعها لغوياً، ويتولى متابعة وإخراج مقالاته الأخرى هو أحد الطلبة الذين درسهم في كلية اللغة العربية، وتوطدت علاقته معه، منذ ذلك اليوم إلى اليوم.

ما بين 1405 هـ إلى 1414 هـ حيث قرار فصله من الجامعة عديد من السنوات حافلة بالأحداث التي ستكون مادة للحديث والذكرى.

والحمد لله رب العالمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات