36- باحث عن الغربة

 

لم يكن صاحبنا..مغترباً، ولم يكن "هو" يعدّ سفره إلى الرياض ولا مقامه فيها فيما بعدُ نحو سنة.. شيئاً من الغربة؛ فهناك الأصدقاء والشيوخ والتلاميذ والقرابة. فابن عمه ونسيبه-الطالب في الدراسات العليا في كلية العلوم الاجتماعية(قسم التاريخ)، والدكتور المختص فيما بعد بالتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية "الشيخ سليمان بن حمد العودة"- كان مستقراً في حي الصالحية، وهو حي يشكّل فيه أهل القصيم أغلبية واضحة، وأخوه الأكبر منه سناً "محمد" كان - أيضاً - هناك، وغدت أبوابهم مشرعةً لا تكاد توصد.

وهو وإن كان في بيته الخاص أثناء دراسته المنهجية، إلاّ أنه ظل يتردّد على هذا البيت طويلاً، وحين انتقل أوّلهم إلى (حي الضباط) حيث صار إماماً للجامع فيه، كان يجد أنسه ونفسه هناك.

(الغربة) دلفت إليه حين فرغ من السنة التمهيدية، وهمّ بتسجيل الرسالة، واختار أن يبحث موضوعاً ما، على أن يحقق مخطوطة؛ فالبحث أكثر أصالة، وأدلّ على شخصية الطالب من المخطوط الذي هو فيه مظهر لجهد الآخرين، والمحقق على الرغم من أنه يمارس جهداً علمياً عالياً، إلاّ أنه في النهاية يضيف عمره لعمر الكتاب الذي يحققه، عوضاً عن أن يصنع عمره بنفسه من خلال البحث المستقل.

وبعد مداورة ومشاورة استقر قراره على معالجة موضوع "غربة الإسلام وأحكامها في ضوء السنة النبوية".

تم التسجيل، ووُضعت الخطة، وعُيّن الأستاذ أحمد معبد عبد الكريم مشرفاً على الرسالة.

وأنجز البحث في سنتين، لتتم المناقشة، ويحصل على الشهادة في 24/ 5 / 1408هـ.

ونال الطالب درجة الماجستير بتقدير ممتاز، وناقشه فيها الأستاذ د. عبد العزيز التخيفي، والأستاذ الدكتور شاكر ذيب فياض، من جامعة الملك سعود.

أقام لنفسه مكتباً خاصاً، كالصومعة يحجبه عما حوله، وأمامه أدراج الكتب والمراجع بعضها على الرفّ، وبعضها مفتوح على الطاولة، فضلاً عن آلاف الجذاذت البيضاء التي رقم عليها فوائد البحث والقراءة مما يتعلق بموضوعه، وقسم آخر منها معزول مما يتعلق بالفوائد العلمية العامة، وكلما فرغ من رزمة عاد يقول:ردّوها عليّ، فطفق مسحاً بالسوق والأعناق!!

كان التفرّغ فرصةً نادرةً عكف فيها على ما كان يتمنى، وقدّم بحثاً علمياً في السيرة النبوية، وموضوع الغربة وأحاديثها، وأقاويل أهل العلم فيها، وقرأ كتب السنة المطبوعة أو كاد.

قرأ البخاري ومسلماً، والسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم، ومصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وكتب الجوامع، كجامع السيوطي وكنز العمال ومجمع الزوائد..

ألمّ بالمعروف من نصوص السنة النبوية، ولو لمرة واحدة، وسجّل في هوامش تلك الكتب فوائد مقتبسة عالية القيمة، عزيزة الوجدان، ولا يزال يحتفظ بهذه النسخ في مكتبته بلطائفها وطرائفها، وكانت الفترة التي غابت عنه تلك المكتبة وخضعت للتحوّط الأمني فترة عسيرة، والإفراج عنها كان بمثابة الإفراج عن ذاته شخصياً، أو عن بعض ذاته!

كانت أمه-رحمها الله- تقول حين عادت مكتبته.. لقد عاد نصف ولدي وبقي نصفه الآخر، وهي تذكر النواة الأولى المتواضعة لهذه المكتبة في "روشن البيت".

أفاد ثروة معرفية بالقراءة، وأخرى لا تقل عنها بالقصاصات التي تغطي آلاف المواضيع في شتى المسائل مما يشتهي، أو يتوقع أنه سيحتاجه يوماً ما.

وهي طريقة داوم عليها، وحصّل منها الكثير فيما يقرأ بعدُ، حتى إذا همّ بمراجعة كتاب، ألقى نظرة عابرة على صفحاته البيضاء في أوله وآخره، ليجد ما تعشقه العين وتطرب له النفس، من المعارف التي يرسّخها التكرار.

وعمل بهذا بعد ذلك في مدوّنات ضخمة، كالمغني وفتح الباري وفتاوى ابن تيمية، والأغاني وسير أعلام النبلاء وسواها..

بَحث عن أحاديث الغربة، وخرّجها تخريجاً عملياً، أتقن بوساطته طرق التخريج ودراسة الأسانيد، ودرّس هذه المادة لطلاب أصول الدين بأسلوب عملي في مكتبة السنة، وكان هذا مدخلاً مكّنه من دراسة كتاب "بلوغ المرام"، وتدريسه في مرحلة لاحقة.

وأطل على السيرة النبوية في طيّات الرسالة، وطبع ما كتبه عنها مستقلاً، تحت عنوان "الغرباء الأولون.. أسلوب جديد لقراءة السنة النبوية".

لقد كان صاحبنا مؤمناً بأنه لم يأت بجديد يُذكر، سوى تحرير بعض الأخبار والأحاديث، وتمحيص أسانيدها، وجمعها وتبويبها وترتيبها وعنونتها، وصياغتها بأسلوب أدبي حديث.

وبحث صفة الغرباء، وأحاديث الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وتوصّل إلى أن هذه الأوصاف ترسم المناهج العملية العامة، وليست علامات لفئات محددة توصف بهذا أو بذاك، فالنجاة والنصرة ليست حكراً على مذهب فقهي، أو جماعة أو حزب أو طائفة، وإنما هي صفات وأعمال وخصائص مَن ظهرت عليه فهو أحق بها وأجدر, ولا تحتمل أن تكون تنظيماً أو فئة بعينها أو جماعة مرسومة الحدود.

واستنتج أن ثمة دائرة أوسع هي الفرقة الناجية تشمل عموم المؤمنين المتبعين لسنة سيد المرسلين، ولو كانوا مقصّرين، أو ظالمين لأنفسهم.

ودائرة أضيق هي الطائفة المنصورة، التي تقوم بأمر الدعوة والبلاغ والتعليم، وتتميّز عن غيرها من عموم المسلمين بحمل مشروع أو برنامج للإصلاح.

ودعم ذلك- في بحثه- بالفرق المعنوي بين لفظ "فرقة"، ولفظ "طائفة"، وهكذا هو في لغة القرآن، يقول الله جل وعلا: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ).[التوبة:122]، وكذا الفرق بين لفظ النجاة ولفظ النصرة؛ فالنجاة لفظ عام، والنصرة لفظ خاص لمن يقوم بالمجاهدة وينازل في الميدان.

وكان هذا الاستنتاج العلمي البحت سبباً في امتحان عسير، صدرت لأجله كتب، من أشهرها كتاب الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله بعنوان: "الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة هي أهل الحديث"، وعُقدت مناظرات، وسُطّرت رسائل، وأُقيمت سهرات، وارتفعت أصوات!

هو اجتهاد ظاهر لا يزال يراه صواباً، لكنه كان وما زال غير متحمس لتعميمه أو فرضه على أحد، أو حتى الدفاع عنه، ولا معنياً بتقريره إلاّ بقدر ما يقتضيه المقام العلمي.

وهو بمحض الصدق كان وما زال لم يستوعب المشكلة، ولم يفهم الخطب، ماذا إذا كان هذا أو هذا؟!

أليس اختلف السلف في مسألة الإيمان والإسلام وعمومها وخصوصها، وهي مسألة أعظم وأكبر، وكان للبخاري وبعض الأئمة فيها رأي يخالف رأي الآخرين؟ فما الخطب؟!

أن يختلف الناس فنعم، لكن أن تكون حربٌ ضروسٌ توقدها تلك الشرارة، وتتحول إلى مقصلة للذمم، واتهام النوايا، وتفسيرٍ لما وراء الكلمات، وامتحانٍ للناس، وتراكضٍ لاستنطاق العلماء وتجييرهم وتجييشهم لصالح هذا أو ذاك؛ فهو مؤشر على تردي البيئة العلمية وتأزمها وضعف استيعابها للتنوّع ونتائج البحث المتجرّد.

ها هم الشباب المقبلون على العلم الشرعي يجدون أنفسهم اختياراً أو اضطراراً منغمسين في المسألة المحنة.. أهي هي؟ أم هي غيرها، ويصبح للمسألة ذيول وتفسيرات تتصل بالانتماءات الحزبية، والتهم الحركية.. ويكثر الهرج والمرج، والقيل والقال، وتطلّ شعارات التبديع والتفسيق، وأحياناً التكفير، ومن لا يدرك هذه الأبعاد للمسألة المثارة فهو إما متواطئ يخفي شرّه، أو ساذج مغفَّل لا يدري ما الدنيا عليه!!

قصة تشبه فتنة خلق القرآن، واصطفاف عجيب من الدهماء والرعاع، هذا مع، وهذا ضدّ، ولعل الجمّ الغفير لا يفقه المسألة أصلاً، ولكنه متعصب معجب بهذا الشيخ أو ذاك، مقلّد، يسمع فيتّبع، تشدّه قعقعة الألفاظ على غرارة السنّ، ونزارة العلم، وهو فارغ، وقد وجد شغلاً، وقلب فارغ فوجد ما يتمكن!

وقد قيل:

لقد هاجَ الفراغُ عليك شغلاً          وأسبابُ البلاءِ من الفراغِ

وها هو الزمن يدور دورته، ويسحب ذيل النسيان على كثير من المسائل التي نصعّدها بحماسنا، ثم تأبى السنة الربانية إلاّ أن تعيدها إلى حجمها الصحيح.

حين يكتب الآن لا يريد أن يطبق المثل السائد "رمتني بدائها وانسلت"، بل يقبل أن يتحمل تبعته، ولو لم يعرف تفصيلها، يكفي أنه لو تمّ إخلاصه لتمّ خلاصه، وربما صحت الأبدان بالعلل، وهو لا يقبل أن يتّهم الآخرين ليبرّئ نفسه ومَن في صَفّه؛ فكلهم في الهواء سواء.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).[الحشر:10]. وبين.. هذا وذاك: كان صاحبنا باحثاً عن موضوع الغربة.. بيد أنه لم يشعر باغتراب الروح، ولا العقل بين أهله وأصحابه وأحبابه، وأكوام الكتب التي تملأ طريقه حيث ولّى.. ليبحث في الأرض كيف يكتب عن الغرباء.. والغربة.. والخلطة.. وليقول بأن غربة الفكرة ليست دليلاً على خطئها.. وبالمقابل يتحدث عن الاجتماع الإنساني، كمطلب ديني؛ فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم..

و"هو" كان يبحث عن الغربة.. فوجد الخلطة!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- بوتركي3
    12:58:00 2009/04/14 مساءً

    جزاك اللة خير الجزاء