35- وعن العزلة يتحدّث

 

كان طبعه اجتماعياً؛ يخالط فيعرف وينكر، ويرقب الناس من حوله، فيمشي تارة ويهرول أخرى، ويفحص العيون، فيعرف منها ما وراءها:

عيناك قد دلتا عينيّ منك على....أشياءَ لولاهما ما كنتُ أدريها

والنفسُ تعرفُ مِن عينيْ محدّثها....إنْ كان مِن حزبها أو مِن أعاديها

وليس يرغب من ذلك إلاّ أن يحاول جهده أن يمضي لعزيمة قاصدة؛ فقد توافقه نفسه، وقد تجري به مع الهوى حيث ولّى.. وإذا كان ابن خلدون يقول: إن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، فإن صاحبنا مدني بالطبع والتطبّع.

كان ذلك طبعه، ورصد اتجاهاً غير بعيد يحثّ على العزلة؛ إذ يجد فيها حلاً نفسياً لمشكلات الزمان والعصر، ويطبق عليها شروط فهم أحاديث العزلة والخلطة، فكان ذلك دافعاً ضمن دوافع كثيرة؛ علمية وحديثية ومدرسية لدراسة هذه الإشكاليّة.

ولذلك كان الحديث عن "العزلة والخلطة وأحكامها" أحد موضوعات رسالته العلمية، بيد أنه طَبَعَه مستقلاً في كتاب يحمل ذات العنوان.

أصّل أن المخالطة هي منهج الأنبياء؛ لأنهم بُعِثوا بالإصلاح والتصحيح، وهو ما يتعذر إلاّ بمعايشة الناس والصبر عليهم، وفي السياق قوله صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ). رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم.

وأفضى البحث إلى الحالات التي تشرع فيها العزلة، وهي:

1- العزلة عند فساد الزمان، حين يكون الإصلاح متعذراً في حق الفرد، أو في حق الجماعة كلها، وهنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإقبال على الخاصّة، وترك أمر العامّة. وقد يتأتى هذا في قُطْر دون آخر، أو في زمان دون غيره، لا أن يستحكم هذا في الأمة كلها، فقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الإصلاح، قاعدة مستقرة، وشريعة قائمة إلى أن يأتي أمر الله.

2- عند الفتنة؛ التي هي القتال على الملك والدنيا، مع التباس الأمر وعمايته، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان، ولسان وشفتان، يعرف الكافر من المؤمن!

وكان أيمن بن خريم يقول:

ولَستُ بقاتلٍ رَجُلاً يُصلِّي....على سلْطانِ آخَرَ من قرَيْشِ

له سُلْطانُهُ وعليَّ وِزْري....مَعاذَ اللهِ من سفهٍ وطَيْشِ

أأَقْتُلُ مُسلِماً وأَعيشُ حَيّاً....فليس بِنافعي ما عِشتُ عَيْشي

فهو بهذا المعنى لا يعني بالضرورة اعتزال الناس والأنيس بقدر ما يعني بالتحديد اعتزال هذه الفتنة، وذلك بعدم الخوض فيها، والحرص على ألاّ يكون طرفاً سياسياً لحرب داخلية، المنتصر فيها خاسر!

2- اعتزال السلطان عند فساده، حين يكون غشيانه لنفع دنيوي عاجل، أو لمصلحة خاصة، وتزول عنه نية الاحتساب، مع وجوب السمع والطاعة في المعروف.

الكتاب طُبع مستقلاً عام 1413ه، ولم يُسمح بتوزيعه؛ لأن الأجواء بدأت تتلبّد بالغيوم.. ليس لمحتواه، ولكن لاسم مؤلّفه الذي كان محظوراً، ثم نُسخ الكتاب، وطُبع، ووُزّع بعد عشر سنوات.

(كتب مقدّمتَه سماحةُ الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى)، فقد كان حياً، ولا يزال حياً في وجدان الكاتب وذاكراته، وقد قرأ الكتاب، وعلّق على نحو عشرة مواضع، أهمها الاستدراك على المؤلف في باب الإنكار على الأكابر، حيث قال:

"ما ذكره المؤلف -وفّقه الله- حقٌ، إذا لم يُخش المُنكر على الأمير ونحوه جهرةً، ما هو أعظم فساداً وأسوأ عاقبة، وإلاّ فإنه لا يجاهره بذلك، بل ينصحه سراً بالأسلوب الحسن، ما لم يخش أن الناس يظنون أن الحق هو ما فعله الأمير أو الكبير، فإنه يبيّن الحق بالأسلوب الحسن؛ كما فعله أبو سعيد الخدري مع مروان بن الحكم أمير المدينة المنورة، لما أراد أن يخطب قبل صلاة العيد". (ص:62).

وقريب منه (ص:104) حول الخروج عند الكفر البواح، وأنه مرهون بالاستطاعة، وتحقق المصلحة.. والتحذير من مغبة الخروج وتبعاته وآثاره.

وكتب سماحته للكتاب المقدمة التالية:

"اطّلعت على الكتاب الموسوم ب"العزلة والخلطة، أحكام وأحوال"من مؤلفات أخينا في الله العلاّمة الشيخ سلمان بن فهد العودة، فألفيته كتاباً قيّماً كثير الفائدة في موضوعه، وقد حقّق المؤلف فيه أحكام العزلة والخلطة، وبيّن فيه متى تكون العزلةُ مستحبةً أو واجبة، ومتى تكون الخلطة أنفعَ للمسلم وللأمة، وذكر الأدلة في ذلك، وخرَّج الأحاديث في الحاشية تخريجاً جيداً، فجزاه الله خيراً وضاعف مثوبته، ونفع المسلمين بهذا الكتاب، وجعله عوناً لهم على كل خير، وإني أنصح طلبة العلم بقراءته، والاستفادة منه، ولطلب المؤلف -وفقه الله- بيان رأيي في الكتاب جرى تحريره, والله وليّ التوفيق".

حميمية يعتز بها، كما يعتز بأن سماحته كان يستمع إلى قراءة إمام مسجده بمكة بعد صلاة العصر من رمضان لكتابه الآخر "دروس رمضانيه"، ثم يعلق عليها ويشرحها، ويقول: مراد المؤلف كذا.. وليس يعلم أكان الشيخ -رحمه الله- يدري أنه المؤلف أم لا.

أصبح يدرك أن روح استيعاب الآخرين، والثناء على صواباتهم، وإفساح المجال لهم، هو أهم ما تحتاجه القيادة العلمية والسياسية على حدٍّ سواء.

وأن محاصرتهم بالخطأ أو الزلة، وتذكيرهم بها كلّما نسوا، وتعييرهم بالعيب، وعزلهم عن نطاق التأثير والمشاركة، أو عن مجال الثناء والإشادة يعني الحكم عليهم بالتأبيد في سجن الخطأ، وتدمير أي رغبة داخلية في التصويب والانعتاق.

الإمكانيات النفسية الهائلة لذلك الشيخ الطيب جعلته مقصداً يؤمّه الكثير في شتى شؤونهم، وجمعت حوله القلوب وإن لم تجمع حوله العقول:

كَأَنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطباً وَيابِساً....لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي

الخلطة والعزلة ليسا نقيضين، إذا وجد أحدهما رحل الآخر، بل سلوكان، يمكن أن يوجدا معاً، ويمكن أن يغلب أحدهما.

ولعل مما لم يقله المؤلف آنذاك أن مخالطة الأغيار تمنح المرء ثقافة جديدة، وتمكّنه من عقد المقارنات المفيدة، وتؤهّله لمعرفة الطبائع والعوائد والسنن، وتربّيه على التواضع، حين يعيش مع مَن لا يعرفونه ولا يلتفتون إليه، فتزول الأبهة التي يمنحها الأتباع والمتتلمذون، وربما أفضت إلى أن يأخذ الإنسان "مقلباً" في نفسه –كما يقولون-، أو يبالغ في تصوّر إنجازه الذي يبدو له تاريخياً، وكأنه مبعوث العناية الإلهية، ولو غطّى ذلك ببعض التواضع المصنوع!

إن المخالطة تكرّس البعد الإنساني الذي يحتاجه الخطاب الدعويّ ليكون أقرب إلى الواقعية والفطرة، وتلمّس حاجات الناس، واستحضار أعذارهم وظروفهم وأسباب ما هم فيه، بدلاً من النظر المثاليّ المتجرّد من لمسة المعايشة والحياة.

ومما لم يقله أن العاقل لا يخاف من مخالطة مخالف لمصلحة دين أو دنيا، وقد سكّ الفاروق وسنّ مبدأ "لستُ بالخبّ ولا الخبّ يخدعني"، فلماذا أفترض الحصافة والذكاء والدهاء لخصمي، وأفترض الغفلة والسذاجة لذاتي؟

وإنّ مما لم يقله آنذاك أن من العزلة أن يحفظ المرء كرامته بألاّ يقع في أسر الدنيا ومطالبها، وإن عرضت له، وأن يرتفع بروحه وطموحه عن الاستئسار للمصالح الشخصية في علاقاته ومواقفه.

وأن من العزلة أن يستوعب البيئة وإمكاناتها في التغيير وقبول التصحيح والإصلاح، دون أن يسمح لها باعتقاله والإملاء عليه، وأي معنى لصاحب فكر أو رأي أو علم إذا كان يهمس بالأمنيات، ويعلن ما تريد فئة أن تسمعه منه؛ لتحفظ له فيها مقام الريادة، على قاعدة "أنا قائدكم، فدلّوني على الطريق"!

إنها عزل القلب عن تأثيرات الضغط السلبي، وعن الأذى المقصود وغير المقصود الذي يحاوله معوق يظن أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وقد يغلبه فرط الاحتساب حتى يجور على حق الأخوة والمروءة والخلق الكريم.

وعزل العقل عن تقليد السائد؛ ليرتقي إلى أفق الاختيار الطوعي للأحسن، "يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ". [الزمر: 18].

وعزله عن الخضوع لردود الأفعال؛ ليظل في دائرة الوسط، لا يستجيب للحصار أو يستسلم لمقتضاه، ولا ينفعل فيتجاوز الحد غضباً أو انتقاماً، "وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً".[الفرقان: 67]، إنها قمّة التوازن التي يحاولها المرء فيخفق، بيد أنه واصلٌ ما دام أن الإخفاق لم يقض على روح المحاولة والصبر والتكرار، ولعل هذه المعاني هي بعض دلالات "يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ"، لقد أصبح يقرأ العزلة والخلطة ليس من منطق مشكلة ما، بل يحاول أن يقرأها كثنائية تقوم عليها العلاقات بين الأشياء، فهو يحب الآن أن يخالط الناس، وأن يعتزل مواطن السوء والابتذال، تماماً كما يريد ابن الوردي (اعتزل ذكر الأغاني والغزل).

وهي من معنى الجهاد الدؤوب، حتى يأتيك اليقين، وشرطها أن يكون المرء بصيراً بنفسه، عارفاً بجوانب قوّتها وضعفها "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". [فصلت:35] .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات