40- وفي الملأ أيضاً

 

أربعاً وثلاثين سنة كان عمره آنذاك، حين بدأ يقول شيئاً أكثر من درسٍ علمي، ويتحدث إلقاءً بطريقة طبعته فيما بعد بسمةٍ خاصة لازمته، حين ينظر لمن حوله يحاول أن يغوص على ما يعتمل في نفوسهم، وماذا ينتظرون، وأن يخالج ذواتهم فيحس بنبضهم، وقد يحاول أن يضغط على الجرح فيوجع.

كان قد حصّل قدراً من المعرفة والاطلاع ودرّس في المعهد والجامعة، وبقدر ما علّم فيهما تعلّم كيف يقول، وكيف يشعر بالناس حوله، وكيف يقرؤهم ويقرأ لهم!

وبدأ مع جمهور المسجد. شريط البداية هو ما سمّاه "الدروس العلمية العامة".

لقد أراد أن تكون رديفاً لدرس بلوغ المرام، وهو درس علمي أكاديمي -بدأه قبل سنتين ونيّف- للطلبة والمتخصصين والملازمين، في ذات المكان "الجامع الكبير ببريدة".

بدأ يتحدث في الدرس التخصصي عن الفقه الشرعي، وشرح كتاب "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر العسقلاني.

وثنّى بالحديث عن الناس والعالم والسلوك والفكرة والتربية والدعوة.

الزمن كان ليلة الأحد، منتصف شهر رجب، والعام كان 1410 من الهجرة.

لقد كان المسجد في قلب بريدة، وضمن مركز المدينة المكتظ بالناس والأسواق والحياة، كان يحمل معنًى رمزياً وتاريخياً؛ يجعل الكثيرين يصرّون على أن يكون هو بالذات مكان الدرس.

لقد بدأ بالفعل هناك، لكنه لم يقف ثَمَّ، تبدأ الأشياء هكذا.

- الأسماء والكنى والألقاب (1-2)

حديث عن الاسم والمسمّى، والمشروع والممنوع، والعلاقة بين اللفظ والحقيقة، كان ذلك هو البدء.

- الصمت والمنطق، وحديث عن أدب الحديث، ولغة العيون، وإحكام التدرّب على فنون القول.

- الرؤى والأحلام، مادة مثيرة تشغل الناس في المنام، ثم تأخذ حديثهم واهتمامهم في اليقظة.

- أدب المزاح..

مادة علمية متنوعة، تطل على مستمعيها على استحياء، حديقة عامرة من آية محكمة إلى حديث صحيح، إلى طرفة تلطّف الجو، إلى شعر سائر مأثور.

إنه يشعر بالإخفاق حين يتحدث فيرى مستمعاً شارداً أو ناعساً، مما يحدوه إلى اتباع وسائل التنمية وتطوير الذات وتفعيلها، وتجسيد أسلوب خاص: تكثيف المادة الحرة وتنويعها، وتجديد طرق العرض وتسريعها، ثم العزف على أوتار الصوت صعوداً وهبوطاً، و الشدو بكلمات شاعرية.

لا استخفاف بالمستمع قط، وبقدر اهتمام المستمع يتزايد إحساسه بالتبعة والمسؤولية، ليس إعداداً وتحضيراً وحسب، بل تدرّباً يزداد عمقاً مع الزمن على أهمية الكلمة ومردودها السلبي أو الإيجابي على الآخرين.

أدرك أن تلك العضلة الصغيرة قد تلقي درراً، أو تلقي جمراً أو حجراً، فليكن ثمة حديث عن:

- "آفات اللسان"

المناسبة تفرض ذاتها، والشهر الفضيل يقترب، فالحديث عن:

- "السلف في رمضان"

يغدو لازماً، ويليه: "شعائر ومناسبات"

ضمن سياق الصمت والمنطق وآفات اللسان.. يتحدث عن:

- "وجوب التثبّت والتبيّن في الأخبار" (1-2).

درس سلوكي في تمحيص الأقوال والنقول والمرويات، ومجانبة التسرّع في النقل والحكاية..

بدايات مشجعة، وسياق هادئ، وطريق رحب.

العام الهجري إلى أفول، والناس يتبادلون التهنئة بعام جديد، جدل معتاد؛ هل التهنئة بدعة أم سنة، مسائل وأغلوطات، وكالعادة ثمة أقوال وبحوث وتحرٍ واجتهاد، ومن ينبري للتوسط بهاجس الظفر بالحسنيين!

إعادة إنتاج لمسائل جدلية لا نتعاطاها على عجل، بل نقف عندها بتأنّق وتفرّغ، ونمنحها من الوقت والجهد النية فوق ما تستحق.

العام الجديد عظة وعبرة فليكن درسه يحمل ذات العنوان:

- "مواعظ العام الجديد"، والدرس يحمل الرقم (13) ولا علاقة له بشؤم المتشائمين، وهو يوافق الأول من المحرم من العام الحادي عشر (1-1-11) بعد الأربعمائة والألف من الهجرة..

ماذا عساه أن يقول ضمن جو هادئ من هذه المواعظ؟!

ما أرانا نقولُ إلاّ مُعاراً....أو مُعاداً من قولنا مكرورا

النفوس كانت تعيش استقراراً، وليس ثمة شيء ينذر بالخطر.

عشر سنوات مضت على أحداث الحرم، فهل ترى ما سمعه الفتى من بعض أشياخه خلال تلك الأحداث أنها نذير لما بعدها مما قد يطرق الناس بعد عشرها.. أتراه كان أضغاث أحلام.. أم شيئاً من الإلهام؟!

- الدرس الآخر في العام الجديد يحمل عنوان: "النكت والطرائف".

ربما كان الأمر جداً لا هزل فيه، أو كما قال نشوان الحميري في مطوّلته:

الأمرُ جِدٌّ وهو غيرُ مزاحِ....فاعملْ لنفسِكَ صالحاً يا صاحِ

كيف البقاءُ مع اختلافِ طبائعٍ....وكرورِ ليلٍ دائمٍ وصباحِ

الدهرُ أفصحُ واعظٍ يعظُ الفتى....ويزيدُ فوق نصيحةِ النصاحِ

تجري بنا الدنيا على خطرٍ كما....تجري عليه سفينةُ الملاّحِ

أو كما قال وتشاءم بشار بن برد:

يا راقِدَ اللَيلِ مَسروراً بِأَوَّلِهِ....إِنَّ الحوادِثَ قَد يَطرُقْنَ أَسحارا

الحياة أسئلة، والعلم سؤال، فليجعل درسه التالي مخصصاً لأسئلة حضنها عبر دروس خلت.

- "سؤالات الجامع الكبير".

يعرض سيلاً من رقاع وردت من الطلاب حول شؤون شتى، لكن ليس من بينها ما يُعدّ استشرافاً للغد، أو قراءة لليوم، أو اعتباراً بالأمس.

جرت له هذه العادة في إفراد السؤالات بحلقة كلما ملّ من الإعداد الموضوعي، أو تجمّع لديه ما رأى التوقّف عنده.

أياً ما تكن، فإن تنوّعها منحه الكثير من الإشارات التي تعرّف من جرائها على الطبائع والاهتمامات المتفاوتة، والمتأصلة في شخصياتهم. إنه التدريب على كيفية التعامل مع الطالب، والتعاطي مع همومه ولو صغرت.

الأسبوع الرابع لم يكن عادياً، همسات ووشوشات وأحاديث عن كابوس مرعب؛ شاب من طلبته يصلي معه ظهر الخميس في مسجده قرب المستشفى التخصصي، ويلقي بالخبر الصاعق: صدام حسين احتل الكويت!

هل يمكن أن يتفرد شاب كهو بخبر بهذا الحجم؟ حدثٌ مثله يصعب أن يحدث ثم يتكتم الناس عليه، أم تراها الشائعات والأقاويل التي طالما حذّر منها، وتحدّث عنها في درس لم يجفّ مداده بعد؟

كان الشاب هو جهينة، وكان خبره هو اليقين.

يصلي الجمعة مع إمام شاب، والناس يتوافدون إلى المسجد بعدما اتصل بهم الخبر، والنفوس مشرئبة إلى حديث إيماني يهدئ النفوس الثائرة، أو حديث علمي يهديْ العقول الحائرة، أو حديث واقعي يتجاوب مع المخاوف والآمال.

لا هذا ولا ذاك، لقد كانت الخطبة عن عذاب القبر!

وعذاب القبر حق، ولكن هذه الجمعة بالذات كانت محتاجة لشيء آخر.

على أن الخطيب ذاته حيران ليس يدري ما يقول، ولا بأي لسان يتحدث.

يوم الأحد يجد نفسه أمام الجمهور ذاته، والعيون تبحث عن شيء، تحدق فيه، فيتحدث "حول الأحداث الجديدة".

كان يستخير ربه ويسأله أن يلهمه أن يقول أو لا يقول، فقد كان متردّداً، لم يحدّد الموضوع، ولديه أكثر من خيار.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات